الفصل 55: الزعيم الغامض
قالت تشينغ لينغ: – هل وجدتِ أي أثر لذلك اللص؟
كانت تشاو شانشان في حيرة. فبالنظر إلى إصابات "دا دانغجيا" قبل قليل، لم يكن من الممكن أن يغادر المكان بهذه السرعة. لم تكتفِ بتحطيم رجولته فحسب، بل سحقت أيضًا طاقته الروحية، وقد مكثوا في ذلك الحيز أقل من ربع ساعة، فأين عساه يختفي في مثل هذا الوقت القصير؟
ولمّا عجزت تشاو شانشان عن العثور على "دا دانغجيا"، لم تجد بُدًّا من التطلع إلى مو تشينغ لينغ، إذ كانت قوتها تفوقها بكثير، وربما تسعفها بالعثور على أثره.
لكن مو تشينغ لينغ هزّت رأسها قائلة: – كلا، لا أثر لزعيم اللصوص في الجوار.
بدا الارتباك على محيّاها هي الأخرى، فقد وسّعت نطاق بحثها كثيرًا، ومع ذلك لم تعثر على أي أثر له.
عندها التفتت تشاو شانشان إلى "شياو هيي"، الرفيق الوفيّ تحت مو تشينغ لينغ، لكنه هز رأسه أيضًا بالنفي.
أصابها العجز عن الكلام. فإذا كانت مو تشينغ لينغ وشياو هيي معًا لم يعثرا على الزعيم، فذلك يزيد من غموض أمره.
قال شياو هيي فجأة: – مع أنني لم أتمكّن من استشعار مكانه، إلا أنني رصدت أثر طاقة غريبة هنا. يبدو أنّ أحدًا أنقذه، ومحا كلّ علامات هروبه.
كان يقينه جازمًا؛ إذ لمّا دخلا ذلك الفضاء، باغتهم شخص قوي، وانتشل "دا دانغجيا"، وأخفى كل الآثار عند رحيله. ولولا حدّة حواس شياو هيي، لما التقط حتى تلك اللمحة الضئيلة من الطاقة.
غير أنّ هذا الأمر أثار حيرته أيضًا: ما الذي يدعو قوياً إلى إنقاذ رجل عاجز كليًا؟ ثم إن تدخله في اللحظة عينها التي دخلا فيها ذلك الفضاء لا يدل إلا على أنّه كان يراقب مجريات جبل شانغفانغ منذ البداية.
ولمزيد من السوء، فإن قوّة كهذه كانت قريبة منه دون أن يلحظها! غير أنّه حاول تبرير تقصيره، قائلاً في نفسه إنه كان مشغولاً آنذاك، فلم يلتفت إلى محيطه.
من ذا الذي كان يتوقع أنّ مجرّد تدمير وكرٍ للّصوص سينتهي بظهور شخصية بهذه الضخامة، بل وأن الأمر متّصل بوالدة مو تشينغ لينغ؟ عندها ازداد شياو هيي يقظة، وأدرك أنّ عليه أن يظل متنبّهًا دومًا لكل ما يدور حول سيدته الصغيرة، خشية ان يظل خصمٌ خفي بعيدًا عن أعينه.
قالت تشاو شانشان: – لنُوقِظ أولئك اللصوص أوّلًا، ونرَ هل يعرفون شيئًا عن اللوحة.
لم تجد وسيلة أخرى، فركّزت على الأمل في هؤلاء المغمى عليهم. وما إن أنهت كلماتها حتى رسمت تعويذة، فظهرت فقاعات فوق رؤوس اللصوص، وانفجرت فجأة، لتنسكب المياه فوق أجسادهم.
لم تمضِ لحظات حتى استفاقوا الواحد تلو الآخر، ونظروا إلى رفاقهم المبعثرين من حولهم بحيرة. لكنهم ما إن أبصروا تشاو شانشان ومو تشينغ لينغ حتى انتفضوا واقفين، تتملكهم رهبة شديدة من الفتاتين وكلبهما الأسود.
قالت تشاو شانشان بلهجة آمرة، وقد ضغطت عليهم بهالة من قوتها: – من منكم الأعلى منزلة؟
تبادل اللصوص النظرات، ثم التفتوا جميعًا نحو رجل في منتصف العمر، فاشتد الارتباك على وجهه.
لاحظت تشاو شانشان ذلك، فأشارت إليه، لكنها سرعان ما اكتشفت أنّه رجل عادي لا يملك أدنى طاقة روحية.
قالت له: – أنت، تقدّم.
كان قلب الرجل يتفتت في تلك اللحظة. لم يرَ الزعيم بينهم، وبوسع أي أحمق أن يستنتج ما جرى: إما أنّه فرّ، وإما أنّه وقع ضحية لهاتين الفتاتين المرعبتين. كان يودّ لو يستطيع التبرؤ من مكانته تلك التي كان يفتخر بها من قبل.
صحيح أنه لم يكن ممارسًا، لكن مكانته بين اللصوص كانت الأعلى، لأنه كان "مستشار" جبل شانغفانغ، العقل المدبّر الذي خطط لكل شؤونهم، وكان الزعيم يقدّره أعظم التقدير.
أما الآن، فقد بدا له هذا اللقب نقمة لا نعمة. ومع خوفه، تقدّم بخطوات مرتعشة حتى وقف على بُعد ثلاثة أمتار منها.
سألته: – قل، ما مكانتك بينهم؟
أجاب بصوت مرتجف: – أرفع تقريري إلى السيّدة... أنا مستشار جبل شانغفانغ.
لقد فهم بدهائه أنّها لن تقتله ما دامت تسأله، فتمسّك بخيط الأمل هذا.
ابتسمت شانشان ابتسامة خفيفة وقالت: – مستشار إذن؟ هذا يعني أنّك تعلم الكثير.
ثم تابعت تستجوبه: – هل تعرف اسم زعيمكم الحقيقي؟ ومن كان قبل أن يظهر بينكم؟
تردّد الرجل قليلًا، ثم قال: – يا سيّدتي، لا أحد في جبل شانغفانغ يعرف اسمه أو ماضيه. لم يكن هو زعيمنا منذ البداية، بل ظهر فجأة يومًا، قتل الزعيم السابق، ونصّب نفسه مكانه.
سكتت تشاو شانشان ومو تشينغ لينغ لحظة، وتعابير القلق تعلو محيّاهما. لم يتوقّعا أن يكون "دا دانغجيا" غامضًا إلى هذه الدرجة.
عاودت تشاو شانشان تساؤلها: – وهل رأيته يومًا يستقبل أشخاصًا مريبين، أو يتواصل مع غرباء خارج جماعتكم؟
أجاب: – لا علم لي بذلك. لكن أكثر من كان يتواصل معهم خارج جبلنا هم أهل حصن فنغيون.
شهقت شانشان: – حصن فنغيون؟
لم تكن هذه أول مرة تسمع بهذا الاسم. كانت قد خمّنت أنّه وكر آخر من أوكار اللصوص، وربما مختصّ ببيع البشر. فقد سبق أن سمعت اللصوص يتحدّثون عن أسر مو تشينغ لينغ وبيعها هناك لقاء المال.
تابع المستشار قائلاً: – أجل يا سيّدتي، حصن فنغيون قريب من هنا، على بُعد نحو مئة لي. وهو حصن يختصّ في خطف الأطفال والاتجار بهم.