الفصل 005: الفناء "العادي"
عاد مو فِييانغ إلى فنائه الصغير، وبعد أكثر من ساعة من الانشغال، صنع بعض أرز الأشواك البنفسجية الروحي على هيئة مسحوق حليب، وخلط منه نحو مئة مليلتر ليطعم ابنته.
كان أرز الأشواك البنفسجية نوعًا من الأرز الذي حصل عليه مكافأة من النظام من قبل. وبما أن مو فِييانغ وجد طعمه طيبًا، فقد قام باستصلاح حقل أرز في الجبل خلف قرية لاجا وزرع فيه شيئًا منه.
قرية لاجا كانت صغيرة، لا يتجاوز عدد بيوتها العشرة، وسكانها نحو الخمسين شخصًا فقط. أما بيت مو فِييانغ فكان في الطرف الشرقي من القرية، أي في أقصى عمقها.
أما سلفه – صاحب الجسد الأصلي – فقد نشأ على إحسان أهل القرية، ولأنه بلا والدين، صار منطويًا قليل الكلام. وحين بلغ أشدّه، ازداد انعزاله حتى قلّ احتكاكه بالناس. ثم بعد أن جاء مو فِييانغ من عالم آخر وحلّ في هذا الجسد، شعر بغربة أشد عن القرويين، إذ كان يخشى أن يُفضَح سره ويُكتشف أنه روح دخيلة في جسد آخر، لا سيما وهذا عالم المزارعين.
كان فناء مو فِييانغ هادئًا، لكن حياته فيه كانت هانئة، يقضي وقته بإطعام أسماك الكوي في البركة أو العناية بالأزهار والنباتات. وإذا شعر بالملل، خرج مع "الأسود الصغير" للصيد. أما الآن وقد أصبح أبًا، فقد أخذت وتيرة حياته تتسارع.
جلس مو فِييانغ يراقب ابنته وهي تشرب الحليب المسحوق بنهم، فغمره شعور بالرضا والإنجاز.
ــ "تشينغ لينغ مطيعة جدًا!"
وبعد أن أنهت الرضيعة ما في القنينة بسرعة، لم يملك مو فِييانغ نفسه فطبع قبلة على وجنتيها الممتلئتين، فأطلقت ضحكة صغيرة ملأت قلبه سرورًا.
لم يصنع المزيد من الحليب، إذ على الرغم من أن أرز الأشواك البنفسجية لم يكن يحوي قدرًا كبيرًا من الطاقة الروحية، إلا أن ابنته ما تزال في أشهرها الأولى، ولم يجرؤ على أن يطعمها أكثر مما ينبغي.
وبعد برهة قصيرة، غفت مو تشينغ لينغ في حضنه، فوضعها برفق على سريره، وشيء من الترقب يملأه: إلى أي مرتبة روحية ستصل ابنته بعد أن تستيقظ؟
خرج مو فِييانغ إلى الفناء، وقد عزم أن يذهب ليجهز بعض الأشياء لابنته. كان في السابق يعيش وحيدًا فلا يهتم كثيرًا، أما الآن فلا بد أن يوفر لابنته ما تحتاجه.
ــ "أيها الأسود الصغير، سأعود حالًا. عليك أن تحرس ابنتي جيدًا، وإلا فحين أرجع قد أضعك في القدر!"
ــ "عَوْعَوْ! عَوْعَوْ!"
نبح الأسود الصغير مرتين وهو يهز ذيله بلطافة، كأنه يَعِد سيده بما قال.
اختفى مو فِييانغ عن الفناء، وما هي إلا لحظات حتى تبدّل هدوء المكان إلى حركة وحياة.
فالأسود الصغير، الذي كان مجرد كلب أسود، تحول فجأة إلى شاب يجلس على عتبة الغرفة، يحرُس مو تشينغ لينغ النائمة بالداخل.
وما إن اتخذ الأسود الصغير هيئة بشرية، حتى طارت بعض أسماك الكوي من البركة، متحولةً إلى شبان وشابات. ثم تبعتها الأزهار والنباتات التي زرعها مو فِييانغ، إذ استحالت جميعها إلى صور بشرية تجمعت عند باب الغرفة.
ــ "يا لها من سعادة! الآن بعد أن صار للسيّد ابنة، فلن يتفرغ للعناية بي كما من قبل، وسأتمكن من النمو بحرية."
ــ "أخي هيي، هل نستطيع الدخول لنرى الصغيرة؟"
ــ "إلى الخلف! الصغيرة نائمة الآن! أترضون أن توقظوها؟ لا أريد أن ينتهي بي الأمر على المائدة طعامًا!"
ــ "أخي هيي، نريد إلقاء نظرة سريعة فقط، لن نوقظها، دعنا ندخل."
ــ "تنحَّ يا كلب! هذه الآنسة تريد رؤية الصغيرة."
قالت ذلك امرأة ترتدي ثوبًا قرمزيًا بلهجة متعجرفة، فلم تعجب الأسود الصغير كلماتها، فانتفض واقفًا وصاح غاضبًا:
ــ "من تنعتين بالكلب؟ إن هيئتي الحقيقية قِرْقِينٌ، وأنا القرنين الح墨 اليَشَبي الوحيد في السماوات والأرض. عليك أن توقري كلامك، وإلا فالسيّد قد 'يَقصقِصك' عند عودته!"
فاشتعل غضب صاحبة الثوب الأحمر هي الأخرى، فردت بعناد:
ــ "مَن تدعوها دجاجة عجوزًا؟ أنا دم خالص من عشيرة العنقاء الخالدة، عنقاء سماوية، لا دجاجة في عينيك!"
وكاد الشجار يندلع بينهما، لولا أن الجميع هزوا رؤوسهم متحسرين؛ إذ لم يكن الهدوء ليعود إلا إذا كان السيّد حاضرًا، أما في غيابه فكان الشجار بين الاثنين أمرًا لا مفر منه.
ــ "كفى! اهدأا معًا!"
ظهر فجأة شيخ عظيم من الجذع العتيق القائم في وسط الفناء، وكان أصله شجرة بودهي قديمة. تقدم بخطى ثابتة وقال بنبرة صارمة:
ــ "إن أزعجتما الصغيرة، فلن يحتمل أحدٌ منّا العواقب. أما يكفيكما أن تروها لاحقًا؟ ما هذا العَجَل؟"
ــ "الجدّ الأكبر!"
ــ "الجدّ الأكبر!"
هتف الجميع بتحية الشيخ، إذ كان أول ما زرعه مو فِييانغ، وكانت مرتبته الروحية الأعلى بينهم جميعًا، لذا فالجميع ـ من القرنين اليشَبي إلى العنقاء إلى تنانين البركة وزهور الحديقة ـ كانوا يخاطبونه بلقب "الجدّ الأكبر".
ــ "عودوا جميعًا إلى أماكنكم."
ــ "أمرُك، جدّنا الأكبر!"
فتحولوا إلى هيئاتهم الأصلية ورجعوا إلى مواقعهم، ولم يبقَ عند الباب سوى الأسود الصغير، الذي ما لبث أن عاد بدوره إلى شكل كلب صغير واستلقى هناك.
وما إن فعل ذلك حتى ظهر فجأة في الفناء مو فِييانغ الذي كان قد خرج. لقد طاف طويلًا ليشتري بعض المستلزمات لابنته، لكن لم يرق له شيء مما وجده. فقرر أن يصنع بيديه ما تحتاجه.
دخل الغرفة، فاطمأن على ابنته ووجدها نائمة مطمئنة، ثم انغمس في "حيز النظام" ليشرع في صُنع أول ما يلزم ابنته: زجاجة الحليب.
أخرج قطعة من اليشم المولِّد ، وهو خام نادر من مرتبة سماوية كان قد حصل عليه كمكافأة كبرى بعد سنة من الارتباط بالنظام. وكان لهذا اليشم قدرة عجيبة على التطهير؛ فما يمر خلاله يرتقي بدرجات عدة في جودته. حتى الماء العادي إذا مَرَّ به ينقلب سائلًا روحيًا.
وكان مو فِييانغ الآن يستخدمه لصنع زجاجة حليب لابنته، وهو اختيار في غاية السداد.
ولو علم كبار مزارعي عالم الأرواح الخالدة بما يفعله، لسبّوه حتمًا على تبذيره: أَيُعقل أن تُستعمل مواد إلهية لصناعة زجاجة حليب لطفلة؟