الفصل التاسع والستون: ريوغا...
ملاحظة: ستصبح الرواية اكثر تعقيدا والفصول مليئة بتلميحات للاحداث القادمة... لذلك اخبرني بنظرياتك وافكارك.
استمتعوا~~~
كان الهواء في جبل ساغيري نقياً وبارداً كالعادة، حيث الضباب الخفيف يغطي القمم والأشجار الكثيفة تحجب أشعة الشمس المباشرة. لكن اليوم، لم يكن الهدوء هو سيد الموقف.
"بوووووم!"
ارتطم جسد بشري بصخرة ضخمة بقوة جعلت الطيور تطير فزعة من أعشاشها.
"آغغغغغ! عظامي! أقسم أنني سمعت صوت طقطقة!"
صرخ "زينيتشيرو" وهو يتدحرج على الأرض، ممسكاً بضلوعه، ووجهه مغطى بالكدمات والتراب. بجانبه، كان "ساكوراي" يحاول النهوض مستنداً على سيفه الخشبي، لكن ساقيه كانتا ترتجفان كأغصان الخيزران في مهب الريح.
أمامهم، وقف "هاكوجي" (أكازا سابقاً)، يمسح العرق الوهمي عن جبينه بابتسامة منعشة ومشرقة لا تتناسب مع العنف الذي أظهره للتو.
"هيا، هيا يا شباب!" قال هاكوجي بحماس، وهو يقفز بخفة في مكانه وكأنه ملاكم يستعد للجولة العاشرة. "لم نصل حتى لوقت الغداء! هل هذه هي قوة 'الكينوي' التي تفتخرون بها؟ جدتي كانت تلكم أقوى من هذا!"
"جدتك لم تكن قمر علوي سابق يا وحش!" صرخ ساكوراي في سرّه، لكنه لم يجرؤ على قولها بصوت عالٍ خوفاً من جولة ضرب إضافية.
على مسافة آمنة، فوق صخرة مسطحة وكبيرة، كان "يوكيهارا رين" يجلس متربعاً، يسنذ ذقنه على راحة يده بملل. كان يرتدي كيمونو اسود انيق، وشعره الأسود الطويل مربوط للخلف، وعيناه الزمرديتان تتابعان "المجزرة" التدريبية ببرود.
بجانبه، وقف المدرب العجوز "أوروكوداكي ساكونجي"، يرتدي قناعه الأحمر الغريب المعتاد، لكن كانت الصدمة ظاهرة عليه.
كان أوروكوداكي يحاول استيعاب ما يحدث في حياته مؤخراً.
أولاً، وصله خبر استيقاظ تلميذه المعجزة "رين" من الموت السريري. لقد شعر بفرحة لا توصف وقتها، ممزوجة بالفخر لأن الفتى الصغير الذي دربه أصبح الآن "هاشيرا الشمس" الأسطوري.
ثم، قبل أيام قليلة، هبط غراب "كاسوجاي" غريب الأطوار على نافذته. لم يكن غراباً عادياً، بل كان يرتدي وشاحاً صغيراً حول عنقه ويمشي بتبختر نرجسي لا يليق بطائر.
"كواا! هل أنت العجوز أوروكوداكي؟" صرخ الغراب بغطرسة وقتها. "سيدي الوسيم والعظيم رين يرسل تحياته! لقد قام للتو بسحق القمر العلوي الثالث وكأنه يسحق بعوضة! لم يصب حتى بخدش! شعره لم يتشعث! إنه مثالي! كواا! الفضل يعود لي طبعاً لأنني اخترته!"
كاد قلب أوروكوداكي يتوقف وقتها. ظن أن رين قد عاد لتهوره وقاتل حتى الموت مجدداً، لكن الغراب أكد له أن رين بخير تماماً. والآن، ها هو رين أمامه، حياً، سليماً، وأقوى من أي وقت مضى، ومعه مجموعة غريبة.
نظر أوروكوداكي إلى هاكوجي الذي كان يوجه ركلة هوائية لزينيتشيرو جعلته يدور حول نفسه في الهواء.
"رين..." قال أوروكوداكي بصوت هادئ ولكنه مليء بالتساؤلات، واضعاً يديه داخل أكمام الكيمونو الواسعة، تماماً كما يفعل تلميذه الجالس بجانبه. "هل يمكنك أن تشرح لي الآن... لماذا أحضرت هؤلاء الثلاثة إلى هنا؟ ولماذا يقوم هذا الشاب ذو الوشوم بمسح الأرض بهم؟"
لم يجب رين فوراً. التقط حصاة صغيرة ورماها في الهواء ثم التقطها، وعيناه لا تزالان مثبتتان على ساكوراي الذي نجح، بمعجزة ما، في صد لكمة من هاكوجي.
ابتسم رين ابتسامة جانبية غامضة. "أوه... يبدو أن ساكوراي يمتلك بعض الموهبة..."
لم يعرف اوروكوداكي لماذا ولكن عيون رين اصبحت باهتة للحظات اثناء قول هذا.
"رين." ضغط أوروكوداكي على نبرة صوته قليلاً.
تنهد رين، والتفت إلى معلمه، وتغيرت ملامحه فجأة إلى الجدية المطلقة، جدية جعلت الهواء من حولهم يثقل.
"أريد التضحية بهم،" قال رين ببرود.
تجمد أوروكوداكي. توقف هاكوجي عن اللكم (ويده معلقة في الهواء). سقط زينيتشيرو وساكوراي على وجهيهما.
"ماذا؟" سأل أوروكوداكي بذهول.
تابع رين بنبرة مأساوية، واضعاً يده على صدره: "أريد التضحية بهم بدلاً ممن أعزهم... العالم قاسٍ يا معلمي، وأحياناً نحتاج للتضحية بالحمقى من اجل بقاء الاخرين..."
صمت للحظة، ثم انفجر ضاحكاً. "بففف! أمزح، أمزح! وجهك كان لا يقدر بثمن يا معلمي! هاهاهاها!"
كيف استطعت معرفة هذا حتى بينما يرتدي قناع؟
"....."
نظر أوروكوداكي إليه بصمت، وبدا وكأنه يفكر جدياً في رمي تلميذه من أعلى الجبل.
أما في ساحة التدريب، فقد رفع زينيتشيرو وساكوراي رأسيهما، وعيونهما فارغة كأعين الأسماك الميتة، والدموع تنهمر بصمت على وجوههم المثيرة للشفقة. لم يستطيعوا حتى الغضب. الرعب من أن يكون رين جاداً ولو بنسبة 1% كان كافياً لشلهم.
"تنهد..." زفر هاكوجي بضيق، ونفض يديه. "أريد ضربك حقاً... وبما اني لا استطيع فعل ذلك." التفت الى ساكوراي وزينيتشيرو بنظرة مرعبة جعلتهم يرتجفون.
"رين، تكلم فقط... انت تزعجني بتصرفاتك هذه" قال اوروكوداكي بانزعاج.
"اصبح صوتك مخيفي، معلمي..." ضحك رين، ثم وقف ونفض الغبار عن ثيابه. "أنا أدربهم لأن الحرب قادمة. هؤلاء الاثنان، ساكوراي وزينيتشيرو، يملكان إمكانيات ليصبحا هاشيرا في المستقبل القريب. أما أنت يا هاكوجي..."
نظر رين لهاكوجي بنظرة ذات مغزى. "أنت هنا لأنك 'حامل الحقائب' ومساعد التدريب المثالي. وأيضاً لأنني لا أثق بتركك وحدك في المدينة، قد تأكل نادلاً بالخطأ."
"لن آكل أحداً!" صرخ هاكوجي بغضب، وعروقه تنفر. "لقد تجاوزت ذلك!"
"جيد، إذن عد للتدريب!" أمر رين بصرامة مصطنعة. "أريد أن أرى زينيتشيرو يتقيأ دماً... أقصد، يصبح بقوة هاشيرا قبل الغروب!"
"هاه؟" تجمد ساكوراي بينما يسمع هذا الكلام الجنوني.
عاد هاكوجي للابتسام بشر، واستدار نحو الضحيتين اللتين كانتا تحاولان الزحف بعيداً.
"سمعتم الزعيم..." طقطق هاكوجي أصابعه. "الجولة الثانية!"
صرخات الألم التي تلت ذلك كانت كفيلة بإخافة الدببة في الجبل.
...
على النقيض تماماً من ضجيج جبل ساغيري، كان الصمت في "القلعة اللانهائية" ثقيلاً ومخيفاً.
كانت القلعة عالماً من الخشب والظلال، غرف وممرات تتداخل وتتقاطع في فوضى هندسية تتحدى الجاذبية.
في غرفة مركزية واسعة، كان كيبوتسوجي موزان يجلس في مختبره الخاص، محاطاً بقوارير وأدوات كيميائية معقدة. لكنه لم يكن يعمل. كان يجلس بهدوء، وعيناه القرمزيتان تحدقان في الفراغ.
خلفه، في القاعة الكبرى، اجتمعت نخبة الشياطين. الأقمار العلوية.
كان المشهد مختلفاً عن أي اجتماع سابق. الترتيب تغير، والوجوه تبدلت، والتوتر كان ملموساً.
في الزاوية الأهم، جلس القمر العلوي الأول، كوكوشيبو (تسوغيكوني ميتشيكاتسو). كان يجلس بوضعية الساموراي، سيفه في غمده الاسود أمامه، وعيونه الست مغلقة في تأمل عميق. كانت هالته هادئة، لكنها ثقيلة كالجبل. وجوده وحده كان كافياً لإخراس الجميع.
على منصة مرتفعة، جلست ناكيمي، التي تمت ترقيتها لتصبح القمر العلوي السادس. كانت تعزف على آلة البيوا بصمت، شعرها الطويل يغطي نصف وجهها وعينها الواحدة الكبيرة تراقب كل شيء.
في زاوية مظلمة، تكوّم هانتينغو، القمر العلوي الثالث (تمت ترقيته). كان بهيئة الرجل العجوز الخائف، يرتجف ويتمتم بصوت مسموع: "هاشيرا الشمس... مجددا؟ مخيف... مخيف جداً... لا أريد الموت..."
بجانبه، كان غيوكو، القمر العلوي الرابع (تمت ترقيته)، يخرج من إحدى جراره المزخرفة، يتأمل "فنه" بإعجاب نرجسي، غير آبه بخوف هانتينغو. "فن... هذا الجسد يحتاج للمزيد من الأيدي..."
والمفاجأة كانت في القمر العلوي الخامس. لم يكن شيطاناً جديداً، بل كانا غيوتارو وداكي. كانا يجلسان على الأرض يلعبان بأوراق اللعب (هانافودا) بملل. كان غيوتارو، بجسده الهزيل وعظامه البارزة، يسمح لداكي بالفوز عمداً ليرى ابتسامتها، بينما كانت داكي تتباهى بذكائها الوهمي.
ولكن...
كانت الأنظار تنجذب، بوعي أو بدون وعي، نحو الشخص الذي يحتل منصب القمر العلوي الثاني.
كان يجلس بعيداً عن البقية، متكئاً بكتفه على أحد الأعمدة الخشبية، وذراعاه مطويتان أمام صدره.
لم يكن يبدو كشيطان عادي. كان رجلاً ذا بنية جسدية قوية ومتناسقة، يرتدي كيمونو أسود أنيقاً للغاية، وفوقه هاوري أسود بسيط. شعره كان أشقر ذهبياً، شائكاً وفوضوياً، تتدلى خصلات منه على جبهته ووجنتيه لتبرز ملامحه الوسيمة والحادة.
لكن عينيه... كانتا القصة كلها.
عينان ضيقتان، حادتان كعيني وحش مفترس يتربص بفريسته، لونهما أخضر زمردي لامع، يشع بذكاء وخبث بارد.
اسمه ريوغا.
"يوكيهارا رين... هممم..."
تمتم ريوغا بصوت منخفض، وابتسامة غامضة ارتسمت على شفتيه. لم يكن خائفاً مثل هانتينغو، ولا لا مبالياً مثل كوكوشيبو. كان... مستمتعاً.
كان عقله يحلل الوضع بسرعة. هذا لم يكن اجتماعاً دورياً. موزان نادراً ما يجمعهم إلا إذا مات أحدهم. لكن لا أحد مات مؤخراً (بعد موت دوما وأكازا).
"ناكيمي أصبحت القمر العلوي السادس... مجرد أداة نقل تمت ترقيتها لأهميتها الاستراتيجية،" فكر ريوغا وهو يمرر بصره على الحاضرين. "موزان يعيد ترتيب بيادقه. إنه خائف."
نظر ريوغا نحو المختبر المغلق حيث يقبع موزان.
"شائعات عن عصر ذهبي لقتلة الشياطين... وعودة هاشيرا الشمس الذي يقال إنه قتل قمرين علويين بمفرده. هذا 'الرين' هو المتغير في المعادلة."
توسعت ابتسامة ريوغا. هو لم يكن مثل باقي الشياطين الذين يتبعون موزان بخوف أعمى. كان ريوغا "انعزالياً"، "وقوياً" بطريقته الخاصة.
"الاحتمال الأرجح..." حلل ريوغا في سرّه. "هو أن موزان يخطط لضربة استباقية. أو ربما... يجهزنا لنكون دروعاً بشرية -عفواً، شيطانية- بينما يهرب هو."
شعر بنظرة تخترقه. التفت ببطء ليجد ناكيمي تنظر إليه بعينها الواحدة الكبيرة. بمجرد أن التقت أعينهما، أحنت ناكيمي رأسها قليلاً، في حركة نادرة من الخضوع أو ربما... الخوف؟
"تنهد..." زفر ريوغا بملل، وعدل ياقته السوداء.
"قد تكون هذه حرباً خاسرة لكم يا سادة..."
همس ريوغا بكلمات لم يسمعها أحد غيره، وعيناه الزمرديتان تلمعان ببريق غامض وهو يتخيل وجه ذلك الهاشيرا الذي سمع عنه الكثير.
"... لكن بالنسبة لي؟ قد تكون هذه بداية اللعبة الحقيقية، يا رين." قال ريوغا ذلك بابتسامة بينما يتذكر وجه ضبابي لطفل صغير حديث الولادة.
في تلك اللحظة، فتح باب المختبر ببطء، وخرج كيبوتسوجي موزان.
ساد الصمت المطبق. حتى هانتينغو توقف عن الارتجاف.
"استمعوا جيداً..." قال موزان بصوت هادئ، لكنه يحمل نبرة مرعبة. "حان الوقت..."
---
نهاية الفصل التاسع والستون.
هناك تناقض بسبب اني حذفت جزئية كبيرة من الفصل... انسى ذلك واعطني افكارك ونظرياتك حول ريوغا.