الفصل السادس والثمانون: السم الرباعي المعقد..
استمتعوا~~~
تحولت ساحة المعركة إلى مفرمة لحم حرفية. لم يعد المكان يشبه اليابان، بل أصبح قطعة من الجحيم سقطت على الأرض.
كانت أصوات الاصطدامات المرعبة تصم الآذان، وموجات الصدمة الناتجة عن التقنيات تمزق الأرض وتقتلع الصخور الضخمة. الهواء نفسه كان ثقيلاً، مشبعاً برائحة الدماء واللحم المحترق والأوزون الناتج عن الضغط الروحي الهائل.
"تنفس الصخر - الهيئة الخامسة!"
لوح غيومي بسلسلته الضخمة، محطماً ثلاثة من سياط موزان اللحمية التي انقضت عليه، لكن سرعة تجددها كانت مرعبة. ورغم أن نصله القرمزي أبطأ التجدد قليلاً، إلا أن هجمات موزان كانت لا نهائية!
"اللعنة على هذا الوغد! إنه لا يتوقف!" زأر سانيمي، ووجهه مغطى بالدماء. "تنفس الرياح - الهيئة السابعة!"
انطلق سانيمي محاولاً الالتفاف، لكن عشرة شياطين من النخبة اعترضوا طريقه، مطلقين تقنيات دماء شيطانية عبارة عن أشواك سامة وأمواج حمضية.
"لا تشتت انتباهك يا شينازوغاوا!" صرخ رينغوكو وهو يتدخل كشهاب ناري، قاطعاً رؤوس خمسة شياطين في حركة واحدة دائرية. "أشعل قلبك! نحن درع هذا العالم الآن!"
كان الهاشيرا يقاتلون بضراوة، متجاوزين حدود البشر بأشواط. السيوف القرمزية تضيء في الظلام، وعلامات قتلة الشياطين تحترق على وجوههم لتمد أجسادهم بطاقة تتجاوز الوصف. ولكن... الواقع كان مريراً.
موزان لم يكن مجرد شيطان، كان كارثة طبيعية. عشرات السياط اللحمية المليئة بالشفرات الحادة والأفواه التي تطلق موجات صدمة تنطلق من ظهره وفخذيه بسرعة تفوق البرق.
كل سوط كان يمتلك قوة كافية لتقطيع مبنى نصفين، ومجال هجومه غطى مساحة مرعبة جعلت الاقتراب من عنقه أشبه بمحاولة العناق مع إعصار من الشفرات.
وإلى جانب موزان، كان هناك ما يقارب المائة شيطان نخبة يشنون هجمات انتحارية لعرقلة الهاشيرا وإرهاقهم.
بعيداً عن مركز المعركة، خلف حطام أحد المنازل المدمرة، وقفت "تامايو" تراقب المجزرة بعيون ترتجف.
الدماء كانت تسيل من حولها، وصراخ المقاتلين يتردد في أذنيها. كانت تقبض بكلتا يديها على حقنة زجاجية ضخمة ومعدلة، بداخلها سائل يميل لونه للبنفسجي الداكن.
هذا لم يكن مجرد سم. كان هذا عصارة قرون من الكراهية واليأس والبحوث. كان "السم الرباعي المعقد" الذي صنعته هي وشينوبو؛ السلاح السري الوحيد المتبقي بعد سقوط رين.
السم يتكون من أربع مراحل مميتة:
الأولى: تحويل الشيطان إلى بشري.
الثانية: شيخوخة الخلايا بسرعة جنونية (خمسون سنة في الدقيقة).
الثالثة: منع الانقسام والهروب (لإلغاء خدعة موزان القديمة عندما هرب من يوريتشي).
الرابعة: تدمير الخلايا وانهيار الجسد من الداخل.
"ولكن... ما الفائدة من أقوى سم، إذا لم أتمكن من إيصاله للهدف؟"
فكرت تامايو بيأس، وعضت شفتها السفلية حتى سال الدم على ذقنها. "مجال هجومه لا يمكن اختراقه. الهاشيرا يدافعون بالكاد للحفاظ على حياتهم. أي محاولة للاقتراب تعني أنني سأتمزق إلى مئات القطع قبل أن أصل حتى لمسافة عشرة أمتار منه!"
"نحتاج إلى ثغرة... ثانية واحدة فقط! ثانية واحدة يركز فيها موزان هجومه على نقطة أخرى!" همست تامايو والدموع تتجمع في عينيها. هل ستضيع تضحيات الجميع هباءً؟ هل سيموت ذلك الفتى رين من أجل لا شيء؟
"سأعطيكِ تلك الثغرة، أيتها الطبيبة."
توسعت عينا تامايو، والتفتت بسرعة.
من بين الغبار والظلال، خرج "هاكوجي" (القمر العلوي الثالث سابقاً، أكازا).
كان جسده البشري مغطى بالكدمات والجروح العميقة جراء قتاله السابق مع كوكوشيبو وحماية المصابين. الدماء كانت تغطي ملابسه الممزقة، لكن عينيه... عينيه كانتا تشتعلان بعزيمة لا تنتمي لعالم الأحياء. كان يرتدي القفازات المدعمة بمعدن النيتشرين، ويمسك بسيفه القصير الذي منحه إياه رين.
"هاكوجي-سان... أنت بشري الآن! جسدك لا يتجدد! الدخول إلى هناك انتحار مؤكد!" صرخت تامايو محذرة.
ابتسم هاكوجي ابتسامة هادئة وحزينة. رفع نظره نحو سماء الليل المليئة بدخان المعركة، وتذكر وجهاً واحداً... وجه "كويوكي". تذكر دفء يديها، وتذكر الوعد الذي قطعه بحمايتها وفشل فيه. تذكر كيف انتشله رين من أعماق الجحيم والجنون، وأعاد له إنسانيته وذكرياته.
"لقد عشت كشيطان لمئات السنين، قتلت ودمرت لأجل لا شيء سوى الفراغ،" قال هاكوجي بصوت منخفض وثابت. "ذلك الفتى، رين... لقد أعاد لي روحي. أعطاني فرصة لأموت كإنسان، ولأكفر عن خطاياي لأتمكن من النظر في عيني كويوكي في الحياة الأخرى دون خجل."
التفت هاكوجي نحو "يوشيرو" الذي كان يقف بجوار تامايو، وجهه شاحب من الرعب والقلق على سيدته.
"يوشيرو... استخدم أوراق التخفي خاصتك على السيدة تامايو. اخفِ هالتها، ورائحتها، ووجودها بالكامل. عندما أقوم باختراق دفاعاته، لن يكون هناك سوى جزء من الثانية. لا تترددي."
أومأ يوشيرو بصمت. أخرج تعويذة ورقية وألصقها على جبهة تامايو. في اللحظة التالية، اختفت تامايو تماماً من الوجود المرئي.
"حسناً إذن... لنقاتل للمرة الأخيرة!"
أخذ هاكوجي نفساً عميقاً جداً، ملأ به رئتيه البشريتين المنهكتين. اتخذ وضعية القتال الخاصة بأسلوب "السوريو"، وانطلق كالقذيفة المدفعية!
"أسلوب التدمير البشري - البوصلة المكسورة!"
تجاوز هاكوجي الهاشيرا بسرعة أذهلتهم.
"ماذا يفعل هذا الأحمق؟!" صرخ أوباناي وهو يرى هاكوجي يندفع مباشرة نحو مركز إعصار السياط.
استشعر موزان اقتراب شخص، وبنظرة مليئة بالازدراء الممزوج بالغضب، أدرك هوية المهاجم.
"أكازا! أيها الكلب الخائن! تجرؤ على الوقوف أمامي بجسدك البشري الضعيف والهش؟ سأمزقك حتى لا تتعرف عليك الكلاب!"
انطلقت خمسة سياط مرعبة بسرعة الصوت مباشرة نحو هاكوجي.
كشيطان، كان أكازا سيتفاداها بسهولة أو يجدد جسده، لكن كبشري... عيناه لا تستطيعان مجاراة السرعة، وجسده أثقل بكثير!
ولكن الغريزة... غريزة القتال الخالصة التي صقلها لمئات السنين لم تختفِ!
تمايل هاكوجي بجسده في زاوية مستحيلة، متفادياً السوط الأول الذي قطع جزءاً من كتفه الأيسر طائراً باللحم والدم.
لم يتوقف، لم يصرخ. استخدم السوط الثاني كنقطة ارتكاز، وركل بقوة حطمت عظام قدمه اليمنى، ليقفز عالياً في الهواء في قلب دفاعات موزان!
"مت!" زأر موزان، وأرسل ثلاثة سياط لتقطيعه في الهواء.
"تقنية الإبادة - الركلة الساحقة!"
ركز هاكوجي كل قوته المتبقية في قبضته وساقه، واصطدمت هجماته بالسياط. بصوت تكسر عظام مروع، تمزقت ذراع هاكوجي اليمنى تماماً، وغاص سوط آخر في خاصرته ليخرج من ظهره! بصق هاكوجي نافورة من الدماء، ولكنه... نجح في دفع السياط الثلاثة للخلف بقوته الانتحارية، فاتحاً فجوة صغيرة جداً، ثغرة مؤقتة في دفاع موزان المطلق!
"الآن!!" صرخ هاكوجي وهو يسقط نحو الأرض والدماء تنزف منه كالشلال.
في تلك اللحظة التي ركز فيها موزان غضبه وانتباهه على تمزيق هاكوجي، سقطت ورقة التخفي من على جبهة تامايو.
ظهرت تامايو من العدم، مباشرة أمام صدر موزان، داخل دائرة دفاعه المكسورة!
اتسعت عيون موزان برعب وصدمة لم يشعر بهما منذ لقائه بيوريتشي.
"أنتِ؟!!"
حاول موزان سحب سياطه للدفاع، لكن الوقت كان قد فات.
بحركة يائسة، انطلق سوط قصير من كتف موزان، واخترق جسد تامايو، طاعناً إياها في معدتها بعمق. بصقت تامايو الدم بوجه موزان، ولكنها لم تتراجع المليمتر الواحد! بل استخدمت جسدها المطعون لتسحب نفسها أكثر نحوه!
بابتسامة مليئة بالكراهية، والانتقام، والانتصار المرير، نظرت تامايو مباشرة في عيني موزان المذعورتين.
"هل تذكرني يا موزان؟ لقد انتظرت هذه اللحظة... لمئات السنين! اذهب إلى الجحيم برفقتي!"
رفعت تامايو يدها، وبكل قوتها، غرزت الحقنة الزجاجية العملاقة مباشرة في صدر موزان، واخترقت قلبه! ضغطت على المكبس، وحقنت السم الرباعي المعقد بالكامل داخل مجرى دمه الرئيسي.
"آااااااااااااااااااغغغ!!"
أطلق موزان صرخة خارقة زلزلت الأرض، صرخة ألم ورعب حقيقي. ضرب ذراعه بقوة، مقطّعاً جسد تامايو وقاذفاً إياها بعيداً كدمية محطمة، محطماً الحقنة الفارغة في صدره.
سقطت تامايو على الأرض، جسدها يتمزق، وعيون يوشيرو تفيض بالدموع وهو يصرخ باسمها. وسقط هاكوجي قريباً منها، ينزف حتى الموت، ولكنه كان يبتسم وهو ينظر للسماء.
لقد قاما بما هو مستحيل.
تراجع موزان للخلف بخطوات مترنحة، ممسكاً بصدره.
"ماذا... ماذا فعلتِ بي أيتها العاهرة الحقيرة؟! هل هذا سم؟! إنه لا يعمل! سأقوم بتحطيمه في ثوانٍ!"
حاول موزان استخدام خلاياه لتفكيك السم، ولكن... فجأة، سقط على ركبة واحدة!
بدأ جسده يثقل وكأنه يحمل جبلاً. شعر بشعره يتحول للون الأبيض الرمادي، وبشرته تترهل. أنفاسه أصبحت متقطعة.
"ما هذا؟! إنني أشيخ! خلاياي تموت بدلاً من أن تتجدد! هذه ليست مجرد أدوية بشرية... إنها تدمر تركيبتي كشيطان!!" فكر موزان برعب هستيري، محاولاً الانقسام للهروب، لكن خلاياه رفضت التفكك. السم يمنع الانقسام!
برؤية موزان يسقط على ركبته وسياطه تتباطأ بشكل ملحوظ، أدرك الهاشيرا الفرصة الذهبية!
"لقد نجحت السيدة تامايو وهاكوجي! الهجوم الآن!" زأر سانيمي منطلقاً.
ولكن قبل أن يصل سانيمي... مر بجانبه شعاع من النار الخالصة، هالة دافئة ومشرقة كشمس الصباح، أذابت الصقيع من القلوب.
كان ذلك "كامادو تانجيرو".
كان تانجيرو يتنفس بعمق شديد، وصدره يرتفع ويهبط بإيقاع منتظم. عينيه كانتا فارغتين من أي غضب أو حقد، بل كانتا تعكسان هدوءاً مرعبا... لقد فعل "العالم الشفاف" بالكامل!
من خلال عينيه، رأى تانجيرو جسد موزان الشفاف. رأى القلوب السبعة والأدمغة الخمسة التي تضطرب وتضعف تحت تأثير السم.
تذكر تانجيرو في هذه اللحظة كل تدريباته القاسية مع رين، تذكر صراخ رين وهو يضربه ليُخرج منه الإمكانيات المخفية.
"تنفس الشمس... ليس مجرد اثنتي عشرة هيئة منفصلة. إنها رقصة. رقصة مستمرة لا تتوقف من غروب الشمس حتى شروقها. الهيئة الأولى تتصل بالثانية، والثانية بالثالثة، حتى نصل للثانية عشرة التي تتصل بالأولى مجدداً... لتكوين حلقة مفرغة من النار تبيد الشياطين!"
أغمض تانجيرو عينيه للحظة، ثم فتحهما. قبضته اشتدت على نصله الذي تحول للون القرمزي المتوهج لدرجة أنه بدا وكأنه يذوب.
"تنفس الشمس - الهيئة الثالثة عشرة!"
انطلق تانجيرو! لم يعد بشراً، بل تحول إلى تنين من اللهب الحقيقي المشتعل.
بدأ برقصة حاكم النار!
ضربة أفقية قطعت سوطين، أتبعها بضربة دائرية تصدت لهجوم قادم، ثم التواء سريع لتوجيه طعنة عميقة في صدر موزان، تلتها شقلبة للخلف مقطعة المزيد من اللحم.
رقصة متصلة، لا تتوقف، تتسارع وتزداد حرارتها مع كل ثانية!
"يوريتشي!!" زأر موزان بخوف أعمى وهو يرى هيئة تانجيرو المتوهجة تتداخل مع هيئة الوحش الذي أرعبه في الماضي، وبدأ بإطلاق سياطه المتبقية بشكل عشوائي ومجنون.
"ادعموا كامادو! لا تدعوا أي هجوم يلمسه! هو من سيقطع رأس هذا الوغد!"
زأر غيومي، وتقدم مع رينغوكو وتوميوكا وسانيمي كجدار صلب حول تانجيرو. كانوا يتلقون الضربات، تنزف دماؤهم، تنكسر عظامهم، لكنهم لم يسمحوا لسوط واحد أن يقطع رقصة تانجيرو المستمرة نحو قلب موزان!
...
وسط هذه العاصفة من النار، والدماء، واليأس، والأمل... وفي مكان معزول نسبياً خلف الحطام...
كان الهدوء يسيطر على تلك الزاوية الصغيرة.
كان جسد "يوكيهارا رين" لا يزال مرمي على الأرض، بارداً وشاحباً كالثلج.
كان تينغن يجلس بجانبه، يمسح الدم عن سلاحه بصمت، مستعداً للموت كخط دفاع أخير إذا انهار الهاشيرا. واثناء ذلك يحمي ايري... من أجل اخاها الأكبر.
وكانت "إيري" لا تزال تجلس بجوار رأس أخيها. لم تعد تصرخ، كانت فقط تضع جبهتها الصغيرة على جبهة رين الباردة، ودموعها تنزل بلا انقطاع لتبلل شعره الأبيض الملطخ بالدماء.
"أوني-تشان... لقد وعدتني أنك لن تتركني وحدي مجدداً..." همست إيري بصوت مهتز، وهي تقبض على قميصه. "لقد قاتلت بما فيه الكفاية. أرجوك... استيقظ."
سقطت دمعة ساخنة من عيني إيري، وتدحرجت ببطء لتسقط على جفن رين الأيسر المغلق.
وفي تلك اللحظة... شيء ما حدث.
لم يلاحظ تينغن ذلك. ولكن... من زاوية عين رين المغلقة، لم تسقط دمعة، بل تسربت قطرة دم جديدة، سميكة وداكنة جداً.
وبينما كانت قطرة الدم تلك تنزلق على خده الشاحب... بدأت هالة غريبة تتشكل.
لم تكن هالة ذهبية كطاقة الشمس، ولا حمراء كطاقة الشياطين. كانت هالة سوداء كالليل، مشوبة ببريق أزرق خافت جداً. كانت هذه بقايا "الطاقة الملعونة" التي استقرت في أعمق نقطة من روحه.
في جسد رين المحطم من الداخل، حيث توقفت الأعضاء واحترقت الخلايا بسبب عبء العيون الستة وتقنية البنفسجي... بدأت تلك الهالة السوداء بالالتفاف حول قلبه المتوقف كخيوط من الظلام الحي.
[التقنية الملعونة العكسية]
كان فاقد الوعي... ولكن غريزة البقاء النقية التي اكتسبها رين من كل حيواته وقوالبه تجمعت في هذه اللحظة. الطاقة الملعونة بدأت بتوليد طاقة إيجابية نقية، ليست لشفاء الجروح الخارجية، بل لإعادة إشعال الشرارة الأولى للحياة.
تُك...
كان صوتاً خافتاً جداً، أضعف من أن يُسمع وسط دوي المعركة والانفجارات.
ولكن إيري، التي كانت تضع رأسها على صدره... اتسعت عيناها ببطء.
رفعت رأسها قليلاً، وحبست أنفاسها، وعيناها ترتجفان بعدم تصديق. وضعت أذنها مباشرة فوق قلبه الميت.
انتظرت ثانية... ثانيتين...
تُك... تُك...
ضجيج خافت. نبضة ثقيلة، بطيئة جداً، وغير بشرية.
ثم أخرى...
عاد قلب يوكيهارا رين للنبض... ببطء مرعب، من تحت رماد الموت!
---
اذا استمتعت بالفصل فيرجى اخباري بافكارك في التعليقات، هذا حافزي الوحيد على الاستمرار😇❤️