"هل رأيت إيليا بعد؟"
ألقى ضوء الشموع الخافت بظل العفريت على الجدار. بأطراف طويلة جداً بالنسبة لجذعه الصغير، ورأس ضئيل، وقرون لا تتجاوز حجم إصبع الخنصر، بدا الظل للوهلة الأولى وكأنه جنية.
لكن في الواقع، لم يكن الأمر كذلك أبداً.
أبعد غاف عينيه عن الصورة الظلية ونظر إلى هيئة يوهان الحقيقية؛ مخلوق بشع مغطى بالوشوم الحمراء. شيطان صغير يستلقي على السرير. هز غاف رأسه وقال:
"قابلت البارون فقط، ولم أرَ أثراً لإيليا."
"لا تقلق كثيراً، إنها بخير."
في وقت سابق من ذلك اليوم، زار غاف قلعة البارون. كانت خطته تهدف لرسم خريطة لهيكل القلعة، وقد نجح في ذلك. أما هدفه الثاني فقد فشل؛ إذ لم يتمكن من التأكد من حالة إيليا.
علت ملامحه نظرة ثقيلة: "البارون كان تماماً كما تقول الشائعات، حثالة بامتياز. أي نوع من الأشخاص هو؟" لا بد أن هذا الشيطان يعرف.
تحدث يوهان بنبرة باردة: "مشتهٍ للأطفال، وسادي، وكل ما تراه على السطح."
عض غاف شفته: "وتقول لي ألا أقلق؟"
أطلق يوهان ضحكة قصيرة: "إيليا تتجاوزه بمراحل. يبدو أنك لا تعرف ابنتك جيداً."
أن يقال إنها أسوأ من ذلك النبيل الملتوي كان إهانة لا تضاهى. تجهم غاف: "ما هذا الهراء؟"
"حسناً، ليست هذه هي الطريقة الصحيحة لصياغة الأمر تماماً."
كانت إيليا بريئة جداً لدرجة لا تسمح بتسميتها قاسية، ومع ذلك كانت داهية لدرجة لا تسمح بتسميتها نقية. حتى يوهان لم يستطع تحديد ماهيتها الحقيقية بالضبط. لكن شيئاً واحداً كان مؤكداً: "أياً كانت، فهي تسيطر على البارون تماماً. يمكنك تفهم ذلك، أليس كذلك؟"
"أنا؟ على أي أساس تقول ذلك؟"
درس يوهان ملامحه بصمت، وتوقف للحظة ثم قال: "طوال السنوات التي قضيتها مع ابنتك، ألم تشهد أبداً أياً من... خصوصياتها؟"
قطب غاف حاجبيه بارتباك: "خصوصيات؟ تحدث بوضوح."
"فكر جيداً. بالتأكيد هناك ذكرى واحدة على الأقل ستتبادر لذهنك."
كان يوهان فضولياً حقاً؛ هل حقاً لم يلاحظ غاف تفرد إيليا؟ الرواية الأصلية لم تجب على هذا أبداً.
"هيا، ابحث في ذاكرتك."
كان الشيطان أمامه ملحاً بشكل غريب.
"ليس لدي أدنى فكرة عما تتحدث عنه."
نقر يوهان بلسانه: "أنت إما غبي لدرجة لا تصدق، أو أعمى بالعاطفة، أو..." أو أن إيليا قد أخفت حقيقتها تماماً. "في كلتا الحالتين، أنت بليد ومحبط. عندما تراها مجدداً، من الأفضل أن تأمل ألا ينتهي بك الأمر متأذاً."
لم يرغب غاف في الانجرار وراء الكلام: "توقف عن الهراء وادخل في صلب الموضوع. أخطط للبقاء في القلعة ابتداءً من الغد."
نظر يوهان حوله: "غداً؟ إذن أين نحن الآن؟"
"في نزل."
رغم أن يوهان في النهار يملك نفس القدرات الإدراكية كما في الليل، إلا أنه لا يزال رضيعاً ولا يستطيع مقاومة النوم. بمجرد دخولهم القلعة، غلبه النعاس، وعندما فتح عينيه تالياً، كان هنا.
"إذن تمكنت من الحصول على غرفة في القلعة. لماذا لم تبقَ اليوم؟"
"أنت تتحول لشيطان كل ليلة. لو أخذتك، قد تنكشف حقيقتك."
رضيع شيطاني يعيش في قلعة البارون؛ كانت وصفة للكارثة للبشر والشياطين على حد سواء.
ضحك يوهان: "أنت تستخدم عقلك لمرة واحدة."
تجاهل غاف السخرية وتابع: "ستبقى أنت وأمك مختبئين في النزل. سآتي مرة في اليوم للاطمئنان. أحتاج للبقاء قريباً من إيليا."
"تخطط لحراستها كفارس ظل؟"
"هذه هي الخطة، حالياً."
هز يوهان كتفيه: "افعل ما يحلو لك."
نظر إليه غاف بشك: "هذا كل شيء؟" توقع وابلاً من الإهانات، لكن لدهشته، قبل الشيطان الأمر دون جدال.
"هذا كل شيء."
بالنسبة ليوهان، لم يهم الأمر؛ فالبارون لن يتمكن من وضع يده على إيليا بأي حال، مما يعني أن غاف لن يضطر لاتخاذ أي إجراء. كل ما يحتاجه غاف هو الوقوف كديكور.
"لكن دعني أوضح أمراً واحداً. لا تقل أي شيء غير ضروري للبارون. لا تطلب إيليا كأجر لك ولا تكشف أنك والدها. هذا بلا جدوى."
سيزداد هوس البارون بإيليا، ولا توجد طريقة تجعل ذلك الرجل الملتوي يتخلى عنها مقابل أجر مرتزق. "مفهوم؟"
احتاج يوهان لإجابة واضحة؛ فطالما لم يقم غاف بأي حركات متهورة، ستسير خطته بسلاسة.
"... علم." كانت النبرة المترددة واضحة.
قطب يوهان حاجبيه: "لا تخبرني أنك كنت تفكر في ذلك فعلاً."
"فكرت فيه، لكني صرفت النظر فوراً."
حتى غاف أدرك أن الأسلوب المباشر ليس فكرة سيدة.
"حسناً، حمداً لله. كدت أضطر لتحطيم رأسك."
ضحك غاف ضحكة قصيرة: "وكيف ستفعل ذلك وأنت لا تستطيع حتى المشي بمفردك؟"
رسم يوهان ابتسامة مكرة: "أوه، حقاً؟"
تفحصه غاف من الأعلى للأسفل؛ كان الشيطان لا يزال صغيراً وضعيفاً. ربما كبر قليلاً، لكن طوله كان يوازي قصبة ساق رجل تقريباً. سخر غاف: "لا تجعلني أضحك."
"لا ينبغي لك وضع افتراضات."
حدق يوهان فيه بابتسامة خبيثة وأضاف: "على أي حال، حسناً. قم بعملك. لكن هناك مهمة أخرى عليك إضافتها لروتينك."
لمعت نظرة شك في عيني غاف: "ما هي؟"
"من الغد، خذني للقلعة قبل غروب الشمس مباشرة. ثم، عد بي إلى هنا عند الشروق."
بالنسبة لغاف، بدا الأمر وكأن الشيطان ينوي التجول في القلعة بهيئته الحقيقية. "ما هذا الهراء؟"
"بمزيد من الدقة، خذني لغرفة ابن البارون. فقط ضعني تحت سريره."
ابن البارون الوحيد، راغويل مياترو . سمع غاف عنه؛ صبي أعمى بساق عرجاء. استطاع بسهولة تخمين ما يخطط له الشيطان.
"فقط لتعلم، أنا لن أنضم لمخططاتك."
"أوه؟ حسناً. أنا لا أحتاج لمساعدتك حقاً على أي حال."
كيف لعفريت لا يستطيع حتى الزحف أن يتمكن من دخول القلعة؟ كان ذلك مستحيلاً.
"أنت تتبجح لأنك يائس، أليس كذلك؟"
التوت شفتا يوهان بابتسامة طويلة: "أتبجح؟ لماذا لا ترى بنفسك؟"
مع ذلك، قلب يوهان نفسه على بطنه، واضعاً يديه على السرير ومستنداً. بدا وكأنه على وشك القيام بتمرين ضغط.
"لقد كنت أتغذى على مشاعرك لدرجة أنني أتغير يوماً بعد يوم."
بدأ جزءه العلوي في الارتفاع. رفرفت أشياء صغيرة ملتصقة بلوحي كتفه قليلاً، لكنها كانت أصغر بكثير من أن ترفع جسده. كان يقف مستخدماً قوة ذراعيه فقط.
انتشر الذهول على وجه غاف: "مـ- ماذا..."
وعندما وقف يوهان أخيراً على كلتا ساقيه، لم يستطع غاف إخفاء دهشته: "أنت...!"
"انظر لهذا. هذا ما يحدث عندما تستخدمي كحاوية لنفاياتك العاطفية." كانت الشياطين مخلوقات تتغذى على المشاعر البشرية، والعداء والقلق الذي حمله غاف تجاه يوهان سرع نموه. "خلال أيام قليلة، سأتمكن من المشي بشكل صحيح."
حالياً، كان الوقوف هو كل ما يمكنه فعله؛ كان لا يزال مهتزاً وكاد يسقط لولا أن الأم أمسكت به. رسم الشيطان الواقف ابتسامة شريرة: "يمكنني الذهاب بمفردي، لكن سيكون الأمر مخاطرة. قد يراني قروي أو جندي."
وبموجب العقد، سيموت غاف أيضاً.
عض غاف شفته؛ هل ستنفذ هذه الخطة الشريرة فعلاً؟ كان عليه إيقافها بطريقة ما. ربما عقد صفقة مع الشيطان لأجل ابنته، لكنه لا يستطيع السماح بالتضحية بالآخرين.
لو تمكن فقط من تجريد الشيطان من حريته... وبينما وصل لتلك الفكرة، تحدث الشيطان:
"لا تتصرف بتهور. العقد ينص على أن عليك 'حمايتي'. إذا استخدمت القوة الجسدية ضدي، سأعتبر ذلك خرقاً." ثم أضاف: "أنت تعرف معنى 'حماية'، صح؟"
"السجن لأجل حمايتك الخاصة."
"وجهة نظر مثيرة للاهتمام." ضحك الشيطان: "جرب ذلك إن أردت. لنرى إن كانت تلك الثغرة الذكية ستنجح. فقط اعلم أن الطاقة السامية التي تقبض على قلبك ستشعر بنواياك الحقيقية فوراً."
اتكأ يوهان للخلف: "لديك فرصة واحدة. افشل، وودع ابنتك. سأبلغها سلامك."
قدم الشيطان نفسه بهدوء: "هيا، افعل ما تشاء."
كان راغويل مياترو محاصراً في ظلام دامس. مهما فتح جفنيه، لم يختفِ الظلام الخانق أبداً. حدقتاه الغائمتان لم تعودا تستقبلان الضوء. لن يرى مجدداً.
صبي ولد بعين واحدة صالحة فقط، وقبل أسابيع قليلة، فقد حتى تلك. كان ذلك نتيجة إساءة المعاملة من والده البارون. لم يكن محظوظاً؛ فبينما كان يحاول تفادي شمعدان مُلقى، انحنى في اللحظة الخاطئة، ليصبح أعمى تماماً. هوايته الوحيدة، القراءة، أصبحت الآن بعيدة المنال للأبد.
نشج راغويل؛ لم يأتِ أحد لمواساته، ولم يكن أحد بجانبه. فقط خادمة باردة تزوره أحياناً لجلب الوجبات. كان ينبغي أن يكون هذا هو الحال، لكن قبل لحظات، دخل شخص ما غرفته. رغم أنه لا يرى، إلا أنه سمع الصوت.
خشخشة، خشخشة.
رجل يخطو قربه ترك جملة واحدة قبل المغادرة: "... أنا آسف. يوماً ما، سأدفع ثمن هذا في الجحيم."
مهما سأل عن هويته، لم يجد رداً. أُغلق الباب مجدداً، ومر الوقت الوحيد والموحش مرة أخرى.
يجب أن يكون الأمل هو الركيزة التي تسند الحياة، لكن في هذا السجن المظلم، لم يوجد حتى بصيص واحد. تمتم الصبي: "... أيها القديس العظيم مارزيل، أرجوك امنحني ولو بصيص فجر باهت."
غرق صوته الأجوف في الصمت. عادة، كانت تلك ستكون النهاية.
"توقف عن الصلاة."
لكن اليوم كان مختلفاً. انتفض الصبي جالساً: "مـ- من هناك؟!"
جلس بسرعة لدرجة أن الضمادات حول عينيه انزلقت.
"اششش." لمس شيء بارد شفتيه. "الوقت متأخر من الليل، والجميع نائمون." تتبع الأثر البارد من فوق شفته العليا إلى وجنته. "لكنك وحدك مستيقظ." ثم بدأ يلمس المنطقة المحيطة بعينيه المصابتين. "عما تبحث، وأنت محاصر في الظلام؟"
تابع الصوت المنخفض: "صلوات لن تُستجاب أبداً."
"مـ- من أنت؟!"
"أنا الشيطان الذي جاء لأنه لم يحتمل سماع صلواتك."
ابتلع الصبي ريقه بصعوبة: "... شـ- شيطان."
"نعم، مخلوق يتغذى على الظلام. يأسك قادني إلى هنا."
بصوت يرتجف، صرخ الصبي: "ا- اذهب بعيداً! باسم القديس العظيم...!"
قاطعه الصوت الرقيق: "يا طفل، لا تعتمد على الأوهام. مارزيل ليس قريباً بما يكفي لسماع صلواتك."
في تلك اللحظة، دخل دخان كثيف إلى رئتي الصبي.
"ومع ذلك، فإن الفجر الذي بحثت عنه موجود أمامك مباشرة."
في رؤية الصبي الأعمى، تذبذبت نقطتان حمراوان.
"خذ بيدي، سأبتلع ظلامك."
هز الصبي رأسه بعنف. ومهما حاول إبعاد نظره في الظلام، كانت العينان الحمراوان تتبعانه.
"ماذا تريد مني؟!"
"كن ساقيّ." ثم أضاف: "سأكون أنا عينيك. لنذهب معاً إلى الأرشيف المحرم، ويمكنك قراءة كل الكتب التي تحبها."
الأرشيف المحرم لبارونية مياترو؛ كان يحتوي على قطع مقدسة وكتب سحرية استعادها "مراقبوا الهاوية" من "وادي الموت". كان يوهان بحاجة إليها؛ فالشياطين تتطور من خلال تدنيس القطع المقدسة. كفر (تجديف)؛ مجرد التفكير في الأمر جعل ريقه يسيل.
أمسك الشيطان برفق يد الصبي الصغيرة والضعيفة: "يا طفل، خذ بيدي. ستجد سبباً للحياة."
كان صوتاً عذباً كالعسل.