الفصل 110: ميانو؟
في البداية، كان "تاكاهارو أكيتشي" في مقدمة المطاردة، ولكن تدريجياً، وبسبب الغضب المكبوت بداخلها، استطاعت "موري ران" اللحاق به بسرعة، حتى أصبحت المسافة بينهما نصف متر فقط، ولم تتقلص الفجوة أكثر من ذلك.
الآن، استطاع أكيتشي وران رؤية الرجل الذي يرتدي القميص الأصفر وبنطال الجينز الوردي وهو يركض أمامهم وعلى وجهه ابتسامة ساخرة.
"توقف! لن أدعك تهرب!" صرخت ران بأعلى صوتها، لكن لم يكن هناك مشاة آخرون في الجوار.
من الواضح أن أكيتشي قد ذُهل من تعبيرات وجه ران في تلك اللحظة؛ فلم يملك إلا أن يتمنى للمتحرش "حظاً موفقاً"، فإغضاب هذه الفتاة يعني مواجهة قوة قتالية مرعبة للغاية.
ومع ذلك، بعد الركض لهذه المسافة الطويلة، أدرك أكيتشي فجأة أنه لا يشعر بالتعب كما كان متوقعاً. ففي العادة، الركض لمثل هذه المسافة كان سيستنزف طاقته تماماً ويجعله يعتمد على قوة الإرادة فقط للاستمرار.
هل يعقل أن هذا هو مفعول **"آس السيوف"** (Ace of Swords)؟
لم يتمكن من التفكير في الأمر كثيراً، فالثلاثة كانوا يطاردون الرجل في الشارع الرئيسي، وفجأة عند أحد التقاطعات، انعطف الرجل ودخل إلى منطقة سكنية، فتبعه الثلاثة دون تردد.
بعد دخول المنطقة السكنية، شعر أكيتشي أن الرجل يفعل ذلك عمداً. كانت هذه المنطقة ذات تضاريس معقدة، تحتوي على فيلات مستقلة ومجمعات شقق سكنية.
قادهم الرجل في عدة منعطفات داخل المنطقة، وبعد تجاوز إحدى الزوايا، اختفى أثره تماماً.
عند رؤية ذلك، توقف أكيتشي أولاً في الشارع الخالي وبدأ يلتقط أنفاسه وهو يتلفت حوله.
"أوه؟" توقفت ران بدورها وهي تنظر بذهول للمكان الخالي، وتساءلت بحيرة: "إلى أين ذهب؟"
في هذه الأثناء، استطاع "كودو شينتشي" اللحاق بهما أخيراً، وعندما رآهما واقفين دون حراك، تنفس الصعداء وسأل: "أين الرجل؟"
"اختفى،" أجابت ران وهي تلهث، ثم بدأت تمشي ببطء لتفقد الممرات الضيقة بين المباني، وبدأ شينتشي وأكيتشي بالبحث معها.
فجأة، لفت انتباههم صوت ارتطام، يشبه سقوط جسم ثقيل على العشب. ركض الثلاثة نحو مصدر الصوت، ليجدوا الرجل قد سقط في زقاق مليء بالأعشاب الضارة. بمجرد أن أدرك الرجل أنه كُشف، نهض وبدأ بالهرب مجدداً.
"انتظر أيها الوغد!" صرخت ران وطاردته في المقدمة، وتبعها أكيتشي وشينتشي.
استمرت المطاردة لفترة أخرى، ولكن عند وصولهم بالقرب من مبنى سكني منفصل، اختفى أثر الرجل مرة أخرى.
"ماذا؟ اختفى مجدداً!" قالت ران بغضب وحيرة.
أما أكيتشي وشينتشي فقد بدآ بمسح المحيط بأعينهما؛ فلم يكن هناك أي مبانٍ تحجب الرؤية باستثناء ذلك المبنى المكون من خمسة طوابق.
من الواضح أنه مع ملاحقتهم اللصيقة له، لا يمكن للرجل أن يتلاشى في الهواء في مكان مفتوح كهذا، فلا بد أنه اختبأ في مكان ما.
وبما أن شرفات الغرف في هذا المبنى كانت مفتوحة وغير مغلقة، وتصميمه يجعل ارتفاع الطوابق ليس كبيراً، فمن السهل تسلقها. كانت الشرفات هي أفضل مكان للاختباء.
اقترب أكيتشي وشينتشي من المبنى وبدآ بتفحص الشرفات واحدة تلو الأخرى.
"آه!"
قبل أن يجداه، سمعا صرخة مفاجئة. وبالنظر للأعلى، رأيا الرجل في إحدى شرفات الطابق الثاني يقف مذعوراً وكأنه صُدم بشيء ما، بل وأطلق صرخة.
"آه! إنه هناك!" صرخت ران.
عندما رأى الرجل أنه كُشف مجدداً، قفز من الشرفة إلى الأرض وتابع هربه بذعر.
"توقف!" صرخت ران، وهذه المرة لم يتراجع أكيتشي وشينتشي بل انطلقا في المقدمة.
لكن رغم أن الرجل ظل في مجال رؤيتهم هذه المرة، إلا أنه كان يراوغهم بين الممرات ولم يتمكنوا من الإمساك به.
"هذا المتحرش يعرف المنطقة جيداً!" قالت ران بغضب وهي تركض.
أدرك شينتشي أن الاستمرار هكذا لن يجدي نفعاً، فأخرج هاتفه وهو يركض وتفحص الخريطة، ثم قال: "ران، سأحاصره من جهة اليسار!" وانعطف إلى ممر فرعي جهة اليسار.
"ماذا؟" لم تفهم ران قصده، لكن أكيتشي فهم، وبدأ يركض جهة اليمين.
"الآنسة موري، استمري في مطاردته، سأذهب لسد الطريق عليه من اليمين!" قال أكيتشي وزاد من سرعته دون ادخار أي جهد.
"توقف!"
رغم عدم فهمها لقصدهما، استمرت ران في المطاردة والصراخ، وسرعان ما حشرت الرجل في طريق محاذٍ للنهر.
لم يكن أمام الرجل سوى الهرب يميناً أو يساراً. وبشكل لا إرادي، انعطف يميناً، ليجد أكيتشي يركض نحوه من الجهة المقابلة وهو يلهث.
لم يجد الرجل خياراً سوى الالتفاف لليسار، لكن الطريق اليسار لم يكن طويلاً، وسرعان ما وصل لنهايته حيث لا يوجد سوى جسر حجري يعبر النهر.
ركض فوق الجسر والتفت ليرى أكيتشي وران يتبعانه، ولم يجرؤ على التوقف، لكن عندما نظر للأمام، وجد شينتشي واقفاً على الطرف الآخر من الجسر ينتظره ببرود.
الآن، أصبح الرجل محاصراً في منتصف الجسر؛ من جهة أكيتشي وران، ومن الجهة الأخرى شينتشي. لا مفر!
"استسلم، لم يعد لديك مكان لتهرب إليه!" قال شينتشي وهو يتقدم بهدوء.
"تتحرش بالناس ثم تهرب! هذا لا يُغتفر!" قالت ران بغضب.
وقف الرجل في منتصف الجسر ينظر للجهتين؛ جهة فيها شينتشي بكامل طاقته، وجهة فيها فتاة ورجل يلهث من التعب.
بعد لحظة تردد، اتخذ الرجل قراره، واتخذ وضعية الهجوم واندفع نحو ران!
"أيها الغبي!" صرخ شينتشي بيأس، متوقعاً نهاية الرجل المحتومة.
بمجرد رؤية الرجل يندفع نحوها، لم تتزحزح ران من مكانها وظل الغضب يكسو وجهها، ثم وجهت ركلة أوقفت اندفاعه، وأتبعتها بعدة لكمات سريعة في بطنه.
تراجع الرجل من شدة الألم وهو يتأوه.
"يا له من مسكين،" قال شينتشي وهو يشاهد المشهد، غير قادر على النظر مباشرة من شدة الشفقة.
لكن ران لم تكتفِ بذلك، بل ركضت بضع خطوات لزيادة الزخم ووجهت "ركلة عالية" (High Kick) استقرت بقوة على وجه الرجل، مما أفقده القدرة على المقاومة تماماً وسقط أرضاً.
"أبيض.." تمتم شينتشي وهو يشاهد ركلة ران العالية من الجهة المقابلة، واحمرّ وجهه قليلاً.
لكن ران كانت تركز تماماً على الرجل، ولم تسمع ما قاله شينتشي، بل أنزلت قدمها ووضعت يديها على خصرها وقالت بغضب: "هل استسلمت الآن؟ أيها المتحرش!"
"من طلب منك أن تتحرش بران تحديداً،" قال شينتشي وهو يقترب من الرجل، لكن ران وجهت له ركلة عالية كادت تصيب وجهه هي الأخرى.
"ماذا قلت؟" قالت ران بحدة.
"لا.. لم أقل شيئاً،" قال شينتشي بارتباك وهو يرفع يديه مدافعاً.
تفرج أكيتشي على تفاعلهما بقلة حيلة، ثم تقدم لفحص الرجل الملقى على الأرض — لحسن الحظ، لا توجد كسور.
"أرجوكِ سامحيني! لن أفعلها ثانية!" صرخ الرجل بمجرد استعادته للوعي وهو يجثو على ركبتيه متوسلاً، في تناقض صارخ مع نظراته الاستفزازية في الحافلة.
فحص شينتشي جسد الرجل هو الآخر وقال: "يبدو أنك بخير يا عم!"
"ذلك.. أنا آسف، هنا أيضاً.." مدّ الرجل يده ليري شينتشي أثر جرح في باطن كفه.
اقترب أكيتشي وشينتشي وفحصا الجرح، فوجدا أنه بثور ناتجة عن حرق على ما يبدو.
"هذا أثر حرق، لا علاقة لران به،" قال شينتشي.
"هذا الجرح الصغير لا يهم! لقد كنتُ رحيمة به!" قالت ران بعدم رضا.
في تلك اللحظة، سُمع صوت صفارات الإنذار، وبالنظر لمصدر الصوت، رأوا سيارة فضية من طراز "NISSAN SKYLINE" تضع ضوء الشرطة على سقفها وتمر بمحاذاة النهر.
عرف أكيتشي هذه السيارة؛ إنها سيارة "تاكاغي واتارو"، فقد استقلها سابقاً في قضية كومورا.
قالت ران بمجرد رؤية السيارة: "ممتاز! سنذهب للبحث عن الشرطة، هل لديك اعتراض؟" وهمّت بسحب الرجل للنهوض.
"أنا آسف، لن أكررها!" توسل الرجل.
"مستحيل! لا يمكن مسامحتك!" قالت ران بحزم.
"هوي، استسلم لقدرك!" قال أكيتشي وهو يساعد ران في سحب الرجل من الأرض، بينما دفعه شينتشي من الخلف.
سرعان ما وصل الثلاثة بالرجل إلى مكان توقف سيارة الشرطة، والذي تصادف أنه عند ذلك المبنى السكني ذو الطوابق الخمسة الذي مروا به سابقاً.
ولكن، لدهشتهم، لم تكن هناك سيارة شرطة واحدة فقط أمام المبنى، بل كان المكان مكتظاً بسيارات الشرطة والجمهور، وكانت هناك سيارة إسعاف تقف عند المدخل، ورجال شرطة يحافظون على النظام.
وعند مدخل المبنى، كان هناك طاقم طبي يخرجون وهم يحملون نقالة من الداخل.
شعر أكيتشي بالفضول تجاه هذا الموقف — يبدو أن هناك شخصاً يحتاج لإنقاذ عاجل، ولكن لماذا حضرت كل هذه الشرطة؟
ركز أكيتشي نظره نحو النقالة، ولاحظ وجود رجل يرتدي مئزراً أزرق يسير بجانبها بقلق شديد، وهو يتمتم بكلمات مشجعة للشخص الملقى عليها.
في الوقت نفسه، سمع أكيتشي همسات متفرقة من الحشد، ورغم الضجيج، التقطت أذنه اسماً جعله يتجمد مكانه — **"السيدة ميانو"**!
لحظة واحدة.. هل يعقل أن الشخص الملقى على النقالة لقبه "ميانو"؟
---