الفصل 16 - حرّاس البوابة الحديدية
كان الصمت القاتم في الزنزانة لا يُقطعه سوى الإيقاع الثابت للخطوات. تقدم لوكاس في المقدمة، وعيناه تمسحان كل تفصيلة في الممرات الكهفية. كان التوهج الأزرق الغريب للبلورات المحيطة يومض كما لو أن الزنزانة نفسها كانت حية، تتنفس معهم.
ثم، دون سابق إنذار، خفت الضوء. امتدت الظلال عبر الجدران الحجرية، وسرت قشعريرة مخيفة في عمودهم الفقري.
أمامهم، ارتفعت بوابة حديدية ضخمة، سطحها محفور برموز معقدة تنبض بطاقة فضية خافتة. كان الهيكل يشعّ بهالة لا يمكن إنكارها من السلطة، وكأنه عتبة لم يعبرها سوى قلة قليلة وعادوا ليخبروا قصصهم.
وقف أمام البوابة ثلاثة أشخاص أشبه بالبشر، يرتدون دروعًا بيضاء مصقولة، تتلألأ حتى في ضوء الزنزانة الخافت. كان كل واحد منهم ممسكًا برمح، تهمس أسلحته بهدوء وكأنها مشحونة بطاقة سحرية خام. وجودهم وحده فرض سكونًا مطلقًا.
توقفت المجموعة تلقائيًا، ولم يتكلم أحد في البداية، إذ ثبتت أنظارهم الجماعية على الحراس المدرعين الذين يعترضون طريقهم.
ثم، كسر الصمت ضحكة خافتة.
ابتسم "سيمان"، وعيناه تتلألآن بمزيج من التسلية والفضول. مال برأسه نحو لوكاس وهمس:
"أوه، حراس معدنيون... مثير للاهتمام. هل تعلم، لوكاس؟ هؤلاء الرجال أقوياء حقًا. الثلاثة معًا يمكنهم صد اثنين من محاربي التصنيف A، لذلك—"
تحركت يده قبل أن ينهي جملته.
انطلقت خنجرتان عبر الهواء بسرعة تكاد تكون غير مرئية.
ثَنك! ثَنك!
انغرست الشفرات بدقة في مفاصل العنق لحارسين. في جزء من الثانية، ارتجفت الأجساد المدرعة، وبدأت الرماح المتوهجة في الخفوت، قبل أن ينهار الحارسان بصمت تام، كما لو أنهما لم يكونا موجودين قط.
تجمدت المجموعة، تحاول استيعاب ما حدث للتو.
تشنج فك كايل. تبادل عضوا التصنيف C نظرات مترددة، وأعينهما متسعة بعدم تصديق. حتى دارلين، التي كانت دائمًا متماسكة، رمشت بصمت مذهول.
الوحيد الذي بقي غير متأثر كان الصبي الصغير، ملامحه غير مقروءة كالمعتاد.
أطلق لوكاس زفرة بطيئة، ليكسر التوتر بصوت جاف وموزون:
"انطلق، أندريه."
تقدم أندريه دون أن ينبس بكلمة. كان جسده الضخم يشع طاقة خام، ووضعية وقوفه تحولت إلى شيء قاتل ومدروس. تألقت عيناه بجوع شبه وحشي للمعركة.
دون تردد، قام بتفعيل "طلقات الضوء" .
ظهرت ستة مقذوفات متوهجة في الهواء، تحوم حوله مثل شموس صغيرة قبل أن تنطلق نحو الحارس المتبقي بهجوم منسق.
كْلانغ! كْلانغ! كْلانغ!
أصابت الطلقات هدفها، لكن الدرع امتص الصدمة. بالكاد تحرك الحارس الأبيض من مكانه.
لم تتغير تعابير أندريه، لكن أفعاله تحدثت بصوت أعلى من الكلمات. اندفع للأمام بزخم وحش هائج، مغلقًا المسافة في طرفة عين.
سدد ضربته الأولى مباشرة إلى جذع الحارس. تردد دوي الاصطدام عبر القاعة، وكانت القوة هائلة لدرجة أن الحجارة أسفلهم تشققت.
ترنح الحارس قليلًا، لكنه استعاد توازنه على الفور. بحركة سلسة وغير طبيعية، رد الهجوم.
توهج الرمح وهو يندفع نحو أندريه بسرعة مروعة.
تفادى أندريه الهجوم بانحراف بسيط إلى اليسار، بالكاد متجنبًا طعنة كانت ستخترق ضلوعه مباشرة.
اتسعت ابتسامته المتوحشة.
"أوه، إذن يمكنك القتال؟" تمتم بصوت مفعم بالإثارة تقريبًا.
ما تبع ذلك كان عاصفة عنيفة من الحركات—تبادل غير متوقف للهجمات الضارية.
وجه أندريه ضربات وحشية، وكل لكمة منه تحمل ثقل المطرقة. رد الحارس بمهارة محسوبة، ورمحه الأبيض يشق الهواء في رقصة تدميرية متقنة.
كْلاش! ثَدْ! ووش!
كل اصطدام أرسل ذبذبات عبر جدران الكهف، وسقط الغبار والحطام من الأعلى، كما لو أن الزنزانة نفسها كانت ترتجف من عنف المعركة.
راقب كايل من الخطوط الجانبية، وتمتم تحت أنفاسه:
"هذا ليس طبيعيًا... ذلك الشيء يتحرك كأنه حي."
قبضت دارلين على عصاها بإحكام. "إنه يتكيف مع هجمات أندريه."
أومأ لوكاس، وعيناه تضيقان. "إنه أكثر من مجرد حارس... إنه شيء آخر."
أما سيمان، فكان قد عقد ذراعيه، واكتفى بالابتسام. "الآن بدأت المتعة."
ازدادت المعركة حدة.
كان أندريه يتنفس بصعوبة، وهو يمسح قطرة دم من شفته. قبضته كانت متورمة من الضربات المتتالية، لكنه لم يُظهر أي علامة على التراجع.
أما الحارس، فظل يعمل بكفاءة مرعبة. ورغم تضرره، كانت تحركاته دقيقة، وكأنه مخلوق بُرمج لهدف واحد—القتل.
ثم، عندما بدا أن القتال وصل إلى طريق مسدود، تغيرت الأجواء.
توترت عضلات أندريه.
شعر بشيء ما يتحرك في أعماقه.
ثم—حدث ذلك.
توهج درع الحارس الأبيض وميضًا خافتًا.
كان ضعيفًا، بالكاد ملحوظًا، لكن لوكاس رآه.
عمل عقله بسرعة، يربط الخيوط ببعضها.
"أندريه! استهدف نفس النقطة في صدره!" أمر بصوت حاد وسلطوي.
لم يتردد أندريه.
بزئير مدوٍ، انطلق نحو الأمام، متجاهلًا الطعنة التي خدشت جانبه بالكاد. دار في منتصف الحركة، وأسقط قبضته مثل شفرة إعدام على النقطة التي حددها لوكاس.
ترنح الحارس.
اتسعت ابتسامة أندريه.
"وجدتُ نقطة ضعفك، أليس كذلك؟"
لم يمنحه فرصة للتعافي، فأطلق وابلًا مدمرًا من اللكمات، كل واحدة تضرب نفس النقطة بدقة متزايدة.
أطلق الحارس صرخة معدنية مشوشة.
ثم—
تَصَدُّع!
انشقت دروع صدره بشق هائل. انطفأ الضوء داخلها بعنف.
انهار الحارس.
صمت.
كان الصوت الوحيد هو أنفاس أندريه الثقيلة، وقبضته لا تزال مشدودة.
ثم، وكأن ذلك كان إشارة، بدأت البوابة الحديدية تئن.
تحركت الأقفال. خفتت الرموز السحرية.
وببطء، ببطء مؤلم—
بدأت الأبواب في الانفتاح.
اندفعت موجة من الهواء البارد الموحش، كان الظلام خلفها كثيفًا، خانقًا، وكأنه كائن حي.
زفر لوكاس، وهو يشعر بثقل اللحظة. "لقد دخلنا."
مرر كايل يده عبر شعره، ولا يزال يحدق في أندريه بين الدهشة والذهول. "نعم... لنأمل فقط أن ما وراء تلك البوابة ليس أسوأ مما واجهناه هنا."
أما سيمان، ذلك الفوضوي بطبعه، فقد اكتفى بالضحك. "أوه، بل إنه أسوأ بكثير."
---