—「أوه، قالت اذهبوا؟」 قلتُها وكأنني ما زلت تحت تأثير مخدر خفيف.
(حسنًا، لنذهب...)
بدأت أصعد الدرج.
خطوة... خطوة...
أنا أتذكر، وأفكر، وأخاف، وأضحك على داخلي.
(هذا أول يوم، صحيح؟ لكن... أنا أعرف كل شيء. المشكلة؟ كنت لا أعرف.)
بالمناسبة... هذه مدرسة جديدة. مرحلة جديدة. نظام جديد.
(أو هذا ما كنت أظنه. لكني الآن أعرف... الطابق الأول، القسم الرابع، النوافذ اللي تطل على الساحة. موقع أسطوري لقسم أول.)
■ وصلت.
دخلت.
اخترت طاولة ثانية. تحديدًا: بجانب النافذة. موقع استراتيجي. أمام الطاولة الكبيرة للأستاذ.
لكنني جلست في الزاوية اليمنى. دائمًا.
(لا أريد أن أغير "تأثير الفراشة". جلست هكذا في الماضي. سأعيد كل شيء... بدون تعديل.)
■ جلسنا كل واحد في طاولة. طاولة لكل شخص.
السبب؟ كورونا.
أو بالأحرى: أواخر كورونا. ذاك الوقت الغريب بين المرض والملل.
قليلون من كانوا يضعون كمامة. وحتى من يضعها؟ فقط لتغطية الفم... أو للمظهر.
أنا؟ وضعتها فقط لأدخل. ونزعتها أول ما خرجت من عند الباب.
(كان شكلًا أكثر من كونه إجراءً.)
جلستي؟ شبه منسدح.
كأنني على كنبة. وهو كرسي خشبي... مؤلم... عديم الرحمة.
أنا طويل، نسبيًا. والكرسي قصير، نسبيًا.
(هذه الراحة... لن يعرفها كثيرون.)
مددت قدماي. واحدة منهم وصلت تقريبًا لطاولة اللي أمامي.
(ما يهمني، صراحة. سأمدّها بعيدًا عنه، فقط مجاملة.)
وفجأة...
نظرت إلى الشخص الجالس أمامي. فتاة... بنظارات.
(أوه، أليست هذه...؟)
■ رندة. نعم، اسمها رندة. درست معي في الرابعة متوسط.
أتذكرها جيدًا.
ليس بسبب الذكريات... بل لأن اسمها يشبه مشروب "ميريندا".
(اسم يُطبع في المخ.)
كنت أفرك لحيتي الصغيرة. أنظر إلى سقف القسم.
■ أنتظر الأستاذ.
وفعلًا...
دخلت.
لم تطرق الباب — لأنه ببساطة كان مفتوحًا.
—「سلام عليكم.」 —「وعليكم السلام.」
امرأة، في الأربعينات، متوسطة الحجم، بخمار بسيط. وضعت حقيبتها على الطاولة. ابتسمت لنا.
قالت:
—「كيف حالكم؟ بخير؟ كيف سارت عطلتكم؟」
—「"الحمد لله أستاذة... العطلة مرّت بسرعة." —"كورونا أعطتكم عطلة طويلة، لم تدرسوا بما فيه الكفاية، هل تعتقدون أن الدراسة انتهت؟"
■ ضحكنا.
طالب آخر ردّ ممازحًا:
—"أستاذة، تعوّدنا على النوم!"
فأجابت بحزم لطيف: —"انتهى وقت النوم، الآن وقت الدراسة."
بدأت تفرز حاجياتها، تبحث عن كرسي.
جلست.
قالت:
—「أنا أستاذتكم في مادة الإعلام الآلي. سنبدأ اليوم بحصة تعارف فقط." 」
بدأت تخرج أوراق.
—「"أخرجوا ورقة وقلم، ودوّنوا فيها معلوماتكم:
الاسم
اللقب
المعدل في الشهادة
وين كنتو تقراو
العمر
وفواش حابين تزيدو... دبراسكم.」
■ نظرت للورقة. مسكت القلم. أخذت نفسًا.
(نفس التعارف... نفس الورقة... لكن قلب مختلف.)
هذه المرة، اسمي هو نفسه. لكن من يكتبه... ليس نفسه.
أوراق تُسحب، أصوات أقلام تُصدر آخر أنفاسها، وبعض التلاميذ يطلبون "ورقة صغيرة" كأننا على أبواب امتحان بكالوريا.
أنا؟ كنت أنظر لهم وأفكر في نفسي:
(الأستاذة؟ نفسيتها من الماضي للحاضر... ما تغيّرت. طيبة، حنونة... لكنها؟ حازمة أحيانًا. حازمة بمزاج.)
سحبت ورقة من حقيبتي. وقلمًا أزرق .
(هذه الحقيبة... لا زالت مزعجة. سواء في الماضي أو الحاضر، لم أحب شكلها. ألست أستاذًا متخفيًا؟ ما هذا الحجم؟)
توقفت عن التذمّر.
بدأت أكتب.
نفس الشيء كما في الماضي: اسم، لقب، عمر، المعدل، من أين أتيت... أساسيات فقط، بلا إضافات. لا نية لإلقاء خطبة حياة.
كتبتها بسرعة.
سُرعتي كانت خارقة لدرجة أنني نفسي لم ألاحظ متى انتهيت.
(يبدو أن اليد تعوّدت على هذا الملل.)
استرحت مجددًا في جلستي... نصف متمدّد، كأنني على سرير فندق.
مرّت ربع ساعة تقريبًا.
الأستاذة نظرت إلى رندة، اللي كانت تجلس أمامي:
—「أنتِ، هل تستطيعين جمع الأوراق؟」
رندة؟
آه نعم... درست معي سابقًا
. اسمها يشبه مشروب "ميريندا"، لذا من المستحيل أن أنساه.
جمعت الأوراق وبدأت منّي، أعطيتها الورقة. (أنا خلفها مباشرة.)
...لكن فجأة... صوت في رأسي:
(اليس تلك...؟)
نظرت لطاولتي. يدي على الخشب.
■ اليس تلك... الفتاة الجميلة؟ ■ صاحبة الشعر الأسود؟ ■ والأعين الزرقاء؟
(نعم... إنها هي. جميلة فعلًا. ستنتقل غدًا؟ هذا يعني... أنها فرصتي الأخيرة لرؤيتها من قرب. )
(فرصتي الأخيرة؟ فرصة الاقتراب؟ فرصة لن أندم عليها؟)
رفعت رأسي.
أعدته إلى الوراء، بكل وقاحة، وأسندته على طاولة زميلتي اللي وراي.
نظرت إليها... بزاوية مقلوبة.
(دعونا نرَ من تكون...)
نظرت إلى وجهها مباشرة. عيونها، بشرتها، شعرها...
(جميلة، فعلًا. تبا... كيف تبدو كأنها خارجة من عالم موازٍ؟)
كانت تنظر إليّ.
■ ارتبكت. ■ لم تفهم. ■ وجهها يقول: من هذا المعتوه؟
ثم قالت... بابتسامة مغصوبة وعينين مغمضتين:
—「ماذا تريد؟ لماذا تنظر هكذا؟」
أنا؟ أوه، صحيح... كنت أحدق وكأنني عالم يدرس ظاهرة نادرة.
(ربما حان وقت المزحة.)
رفعت إصبعي. أشرت إلى شعرها:
—「أردت فقط... أن أرى ماذا يفعل العنكبوت على شعرك.」
■ صدمة. ■ خوف. ■ ارتباك. ■ صراخ.
فتاة خلفها قالت لها مباشرة:
—「لااا، يكذب عليك! انه يضحك عليك فقط!」
لكن... فوات الأوان.
وجهها صار مشتعلاً.
دمعة في عين. نَفَس ثقيل. خد منتفخ.
نظراتها؟ كأنها تقول:
"سأحرق فروة رأسك يا ابن ال..."
أنا؟
(تبا... رأسي سيخترق.)
(نعم... مزحة سخيفة. لكن من يهتم؟)
...
رجعت الأوراق إلى الأستاذة.
بدأت تقرأ أول ورقة:
—「رندة.」
رفعت رندة يدها.
قالت الأستاذة:
—「عرفينا على نفسك.」
رندة؟ بدأت بهدوء:
—「أنا رندة، عمري 15. أسكن في حي ديانسي. درست في متوسطة محمد خباب. نجحت بـ 10.67.」
كلامها كان واضحًا، مرتبًا. لكن فيه تردد بسيط، كأنها تراجع في رأسها جدول البيانات.
(أنا؟ كنت أعرف أن هذا اليوم كله مزحة. الكتابة؟ فقط ليتأكدوا إننا لا نكذب.)
ثم...
(أين هي؟...)
كنت أبحث عنها بعيني. ميزوكي. تلك الفتاة الغريبة... أقصد، الغريبة جدًا.
منذ بداية الحصة هل أنا جالس أمامها مباشرة. ببساطة... لم تلاحظني؟ أو ربما العكس.
فجأة سمعت اسمي يُنادى.
—「عبد الحكيم؟」
رفعت يدي بكل ثقة.
—「حاضر.」
ثم نهضت.
وبصراحة... الوجوه حولي؟ تجمدت.
(أوه... لحظة، هذا رد فعلهم؟)
■ بعضهم اتسعت عيناه. ■ البعض الآخر همس بصوت منخفض جدًا... كأنهم يقولون:
"لماذا هو طويل؟!"
أنا؟ ابتسمت داخليًا.
(نعم، لقد كنت جالسًا بطريقة كسولة، ما وضحت طولي الحقيقي... والآن؟ فجّرت قنبلتهم النفسية.)
قلت بنبرة واثقة:
—「اسمي نافارو عبد الحكيم. أسكن في ديانسي. عمري سبعة عش... خمسة عشر سنة.」
لحظة صمت.
(أوه لا...)
■ بعضهم رفع حاجبه. ■ بعضهم صُدم. ■ واحد منهم ضحك بسخرية، بصوت مكبوت.
أنا واصلت بكل برود:
—「خمسة عشر. نعم. خمسة عشر.」
الأستاذة نظرت إلي بشك:
—「خمسة عشر؟ لاااااااا، أكيد 17. لا تكذب.」
—「لا أستاذة، والله... دفتر النصوص هو الدليل. افتحيه.」
—「حالياً لا يوجد الدفتر، سارى بعد. وأين كنت تقرأ؟」
—「آآآه لحظة... نسيت. أنتِ يا رندة، وين كنا نقرأ؟」
—「محمد خباب.」
—「صح! شكراً... محمد خباب، هذا هو. ومعدلي؟ لا أتذكر بالضبط... كان 11 فاصلة... شيء ما. نسيت.」
الأستاذة برفع حاجب ودهشة:
—「كيف تنسى؟ لم يمضِ سوى شهرين على النتائج .」
أنا في نفسي:
(
أنتم تعتقدونه شهرين...
قالت الأستاذة بنبرة تعبت منِّي:
—「اجلس، اجلس... يلا، اللي بعده: ميليسا؟」
(ميليسا؟ أوه ... كان هذا اسمها جميلة التي خلفي )
...
أه...
كنت جالسًا، منسدحًا بطريقة يخجل منها الكرسي المدرسي نفسه. قدماي ممدودتان، ظهري محشور، وواضح أن جلستي تقول:
"هذا الطالب ينتمي للغابة، لا للمدرسة."
والآن؟ جاء الدور اللي كنت أستناه:
—「ميزوكي.」
—「حاضرة!」
"ثم أخيرًا، سمعته... صوتها، جاء من خلفي تمامًا. استدرت ببطء، وعلى ما أعتقد، كانت هناك — في الطاولة الخامسة من صفي."
رفعت يدها بصوت خجول. وقفت.
الأستاذة نظرت حولها... ولم ترَ شيئًا.
—「أين أنتِ يا ابنتي؟」
(أوه لا... هذي الجملة لحالها توضح أن الكارثة قادمة.)
ميزوكي: —「هنا، هنا!」
لكن الأستاذة لم ترَ. السبب؟
(طولي. نعم، أنا كنت الحاجز البشري.)
قالت الأستاذة:
—「"عبد الحكيم، اجلس في مكانها من فضلك، فهي قصيرة ولا أستطيع رؤيتها. 」
أنا:
—「آه، نعم... فهمت. حسناً. تبا لتأثير الفراشة. كنت أريد أن أبقى هنا كي لا أغير المستقبل... بس واضح أن هذا لن يحدث.")
...
( اردت تحرك لمكان جديد
ميزوكي كانت تجلس بالخلف.)
■ قصيرة؟ نعم. ■ صوتها؟ منخفض. ■ وجودها؟ يكاد لا يُلحظ.
لكن...
ثم دخل أحدهم من الباب، فتحه بدون إذن.
(لا، مش قصة رعب... مجرد تلميذ من قسم مجاور.)
—「سلام عليكم، هل توجد طاولة زائدة؟」
(أووووه... أتذكره.)
اسمه أسامة. قصير، شعر شبه محلوق، نظرة مشاغبة.
صديقي "جميل" لم يترك الفرصة تفوته، قال بصوت ساخر:
—「أنت ما طلبتش كراس، ولا كتاب، ولا حتى كرسي. مباشرة... طلبت طاولة !」
■ القسم انفجر ضحكًا. ■ جميل، رغم صوته الخشن، يعرف كيف يُطلق قنبلة فكاهية.
أسامة رفع كتفيه:
—「وماذا سنفعل؟ نحتاج طاولة. أصلاً، من يقرا في أول يوم؟! 」
بطبع... من سيدرس. لكن لماذا... لم حتى في أول يوم دراسي. لماذا يراودني هذا الإحساس السيئ...؟ كأن شيئًا ما، غير مرئي، ينتظرني هناك. ف في أول يوم دراسي...