تدخلت الأستاذة، ناظرة بنظرة فاحصة إلى القسم كمن يبحث عن حلٍّ مستحيل. – "على ما أعتقد، ما فيش طاولة زائدة..." كانت تدور بعينيها في الزوايا وكأنها تنتظر أن تطلع طاولة سحرية من الأرض.
...تبا، لحظة. في الماضي، الطاولة اللي أخذها هي الطاولة التي تجلس عليها ميزوكي... ،. لكن الآن؟ ها هي أمامي. آه، تغيير جديد؟ لا بأس. مش مهم. أنا لا أمانع، طالما ما في تأثير فراشة ينفجر بوجهي في النص.
كانت الأستاذة تنظر ناحيتي وناحية ميزوكي. تغيّرت ملامح وجهها فجأة، كأنها قبضت على فكرة عبقرية من الهواء. – "أوه، تذكرت! فيه طاولة زائدة في الصف اللي قدامي، آخر وحدة، خذها." أسامة رفع حاجبه وقال بنصف همس: – "لكن ألا تجلس عليها وحده؟" – "لا لا، راح تجلس قدام عبد الحكيم." – "حسنا، شكرا أستاذة." سحب الطاولة وخرج وهو يجرجر قدميه.
...لكن هنا بدأ الجحيم الحقيقي.
– "ميزوكي، تعالي اجلسي مع حكيم." – "أوه... حسنا." قالتها بصوت فيه ارتباك خفيف. وبدأت تمشي ناحيتي، بخطى خفيفة... حاملة حقيبتها وكأنها عبء مشاعرها.
انتظر... ماذا؟ ماذاااا؟ لماذا... ستجلس
أمامي
"تم، فهمت، سلام."
لكن، حسنًا. أنا هادئ. ذهني جاهز. ليس هناك ما يدعو للحرج. كل شيء تحت السيطرة.
كنت جالسًا، مستريحًا في المقعد. ولم أنتبه أنني كنت أشغل الجهة التي يجب أن تجلس فيها هي. فجأة، وقفت أمامي. تنتظر. عيناها كانت تقول:
"تحرك."
– "آآآنو... هل يمكنك الجلوس هناك؟" قالتها بصوت منخفض، وعينيها تتجه نحوي بحذر، وكأنها تخاف أن أرفض. كنت جالسًا مستقيمًا، رابطًا ذراعيّ، أنظر إليها بثبات.
...جميلة. عينان زرقاوان صافية كأنها مياه عمق البحر. شعرها الأزرق الداكن يبدو وكأنه ظلّ سماء ما بعد المطر. ارتبكت، وأخفضت نظرها بسرعة. – "لماذا تنظر؟ هل... هل هناك شيء على وجهي؟"
أوه. استفقت. ربما أطلت النظر.
– "أردت فقط التأكد من شيء."
قلت ذلك بهدوء، ونهضت، وحركت كرسيي للجهة الأخرى دون حتى أن أنظر إليها.
جلست الآن جهة النافذة، ملتصقًا بالحائط البارد، أراقب الشجرة العملاقة في ساحة المدرسة. أي نوع هذه الشجرة؟ لا أعلم. لم أهتم يومًا بأسماء الأشجار.
لكنها جميلة...
ضحكت في داخلي كأنني غبي. أنا لست معتادًا على هذا النوع من الجمال. جمال طبيعي. ساطع. مرعب.
...زُرقة عينيها؟ زُرقة شعرها؟ بشرتها البيضاء النقية؟ كيف؟ هل هذا طبيعي؟ هل أنا أحلم؟ هل هذا عالم مختلف؟ هل هذه لايت نوفل وأنا الشخصية الرئيسية التعيسة؟ أم أنني فقدت عقلي أخيرًا؟
لكن... لا بأس.
حتى لو كان هذا حلمًا، فليستمر.
أغمضت عينيّ، وأنا أبتسم بهدوء... أراقب لا شيء خلف تلك النافذة.
أوه... يجب أن أستفيق. الآن ليس وقت الغرق في تأملاتي الفلسفية.
نظرت جانبًا، نصف التفاتة فقط، لأُبقي رأسي جهة النافذة وعيني تتسلل بخفة نحوها... ميزوكي. شعرها القصير... تلك الربطة الحمراء على رأسها... ما اسمها؟ إكسسوار؟ عُصابة؟... همم، لا أدري، كنت أفكر بعينين مغمضتين عندما...
"– ميزوكي، عرفينا على نفسك."
قالتها الأستاذة بصوت عادي، وكأنها تطلب اسم ماركة جبنة.
"– ها...ي، آنو..."
نهضت ميزوكي من مكانها، شكلها كان مضحكًا نوعًا ما، كأنها تؤدي تحية عسكرية وهي في موقف محرج.
"– أنا سوراكو ميزوكي، عمري 15 سنة."
همم؟ إذن عمرها خمسة عشر. غريب... كنت أظنها أصغر مني. ربما بسبب طولها، أو صفاء بشرتها. نظرت لمنطقة أسفل رأسها... أوه، حسنًا، نعم... هي في نفس عمري، لا داعي للتعقيد.
"– معدلي... لا أفهم بالضبط ما الذي تقصدونه هناك..."
قالتها وهي تنظر إلى الأرض. صوتها، نبرتها، كلها تقول:
أنا خائبة من نفسي.
لكنني... لم أكن أركز على هذا.
ما شد انتباهي أكثر... هي نهضت... لكنها لا تزال قصيرة!!
...بففف—
ضحكة خفيفة خرجت مني. غطيت فمي في اللحظة الأخيرة. ربما رأوني؟ نظراتهم... لحظة، لماذا هكذا؟ هل فهموني غلط؟
"– المعدل هو معدل انتقالك إلى هذه السنة، ابنتي."
قالتها الأستاذة بعد أن رمقتني بنظرة قاتلة، وكأنني سخرت من ميزوكي.
"– أنا أفهمك، سينسي..."
قالتها ميزوكي برأس منخفض، كأنها تعتذر من العالم كله.
سينسي؟ ليست "أستاذة"؟ هل هذه... كلمة يابانية؟
بدأت علامات الحيرة تظهر على وجهي، رغم أني لم أكن أنظر إلا بنصف عين.
"– أوه آسفة، أنا جديدة هنا... معدلات انتقالي ليست مثلكم، لأني... أنا
يابانية
قالتها فجأة، بنبرة حاسمة، كأنها قررت أن تستجمع شجاعتها فجأة. رفعت رأسها هذه المرة وهي تتكلم... لكن لماذا أعادت خفض عينيها مباشرة بعد أن أنهت كلامها؟ هل لا تزال محرجة لهذه الدرجة؟
يابانية، إذًا... "سينسي" تعني "أستاذ" باليابانية؟ هاه، منطقية.
جمالها ياباني إذًا؟ مع أني لا أظن أن اليابانيين شعرهم أزرق طبيعي. لكن من أنا لأحلل الـ DNA الآن؟
نظرت إلى الطلاب حولنا. آه... كما توقعت، بعضهم بدأ يغير نظرته فجأة. الذي لا يعيش معنا قد يسيء فهم هذه النظرات.
ربما...
سأمنحها دفعة بسيطة.
استدرت ببطء، ورفعت يدي، أمسكت كتفها الأيسر. ثم تحركت، أمسكت كتفها الثاني. رفعت رأسي قليلًا، ونظرت إليها بعينين جادتين.
"– ميزوكي... لا، سوراكو-سان."
"– ها...ي؟!"
لماذا تقولها هكذا؟ لسنا في معسكر
ابتسمت للحظة، ثم أعدت تعبير وجهي إلى جديّته.
شكّلت قبضة بيدي اليمنى، ورفعتها أمام صدري.
"– حظًا موفقًا... غامباري."
نظرت إليّ لحظة، قبل أن ترد بصوت فيه تساؤل:
"– هل... تتحدث اليابانية؟"
"– لا لا، ما نعرفهاش."
كنت أعلم أنني لم أنكر بإقناع. صحيح أنني لم أقل شيئًا صريحًا... لكن نظرتها، تلك النظرة المشككة... آه، هي فعلاً سيئة في إخفاء تعابير وجهها.
تركتها، وعدت أُحدّق من النافذة. وضعت رأسي على يدي، مستندًا على الطاولة. في النهاية... لا أهتم كثيرًا. فقط وجهها هو من جعلني أتدخل وأسحب نفسي لأساعدها. لكن لحظة... هل ما فعلته يعتبر "مساعدة" أصلاً؟
"– ميزوكي، إذا أنتي يابانية، لهذا لهجتك متغيرة قليلًا، هه..."
قالتها الأستاذة بلطف... بل بحنية مبالغ فيها كأنها أم حنون تحاول تهدئة توتر ميزوكي.
"– نعم أستاذة، لقد جئت هنا لكي أدرس... ولم يمر وقت طويل منذ بدأت تعلم لغتكم، أههه..."
ميزوكي-سان، ليس ضروريًا أن تضحكي بالقوة... واضح أنك محرجة، وصدقًا؟ لهجتك ليست سيئة على الإطلاق. بالعكس، لهجتنا تُعتبر من أصعب اللهجات في العالم، ومع ذلك... أنا أفهمك تمامًا. ربما لأني... متعدد اللهجات واللغات، حرفيًا.
"– اجلسي، ميزوكي، وشكرًا لانضمامك إلينا. وجودك سيكون إضافة ثقافية جميلة لقسمنا."
"– حاضرة، سينسي."
جلست ميزوكي. أما "جمهورنا العزيز" — وأقصد به قسمي طبعًا — فلا يزال ينظر إليها ويتبادل الحديث.
حسنًا... أعرف وطني جيدًا. نحن لا نحب التنمر... بل العكس، كل شيء جديد يصبح
مادة للاكتشاف الجماعي
أما أنا... فأريد فقط أن أستلقي وأنظر من النافذة براحة. بكل صراحة، هذه اللحظة وحدها تساوي كل شيء.
"– التالي..."
لا يهمني من هو التالي في التعريف. أنا أعرف كل من هنا تقريبًا، أو... كنت أعرفهم. نسيت الكثير من الأسماء والوجوه، وسأنسى مجددًا... لكن الشيء الوحيد الذي لا أريد نسيانه هذه المرة... هو اسمي.
"– التالي..."
كيف أنقص صوت هذا القسم؟ نعم... سأبدأ في
التخيل
التخيل
الأمر مخيف. وليس مزحة. سفر عبر الزمن؟ مستحيل. تنقّل بين الأبعاد؟ كذلك مستحيل.
لكن التفكير في هذا... لن ينفع. المستقبل هو لحل هذا الشيء، وليس الحاضر. هذا النوع من القضايا ليس من نوع "الحلول الفورية".
فلنتركه للزمن. لنستدير ونستمتع بالجمال المؤقت...
استدرت جهة اليمين... ناحية ميزوكي.
همم... لماذا صنعتُ معها تلك المشكلة وقتها؟ ربما لم أكن أفكر، أو ربما... لأني خرجت للتو من المستشفى. لكن هل ستسكت فعلاً عن يومها لمجرد أنني قلت لها "لا تتكلمي"؟ لا أظن.
لكني لا أهتم كثيرًا. ففي النهاية، لا شيء يمكنني فعله الآن.
أخرجت جوالي من أسفل الطاولة... الساعة 8:40. لم يتبقَّ الكثير.
أعدته إلى جيبي. لأرَ أين وصلوا...
"– أنتم، هل تم تعيين مندوب الفصل؟"
سألتهم الأستاذة بنبرة تساؤل لطيفة. ربما يجب أن أرد مثلما كنت أرد قديمًا...
"– أستاذة، إنها أول حصة... يستحيل أن يعيننا أحد."
"– أوه، صحيح، معك حق. إذن لنرَ..."
بدأت تتمعّن في وجوه الطلاب. وأنا أعرف تمامًا من ستختاره.
"– عبد الحكيم... هل تتفضل وتكون مندوب القسم؟"
بالضبط كما في الماضي.
لكن لماذا أنا؟ لم أفهم يومًا، ولا أعتقد أن هناك سببًا مقنعًا.
لكني كالعادة... سأعلقها على أحد آخر.
"– أستاذة، لا أريد أن أكون مندوب... لكي لا آخذ
ذنوب
...صمت.
أدري... نكتتي سيئة. بل سيئة جدًا.
ومع ذلك قلتها بصوت عالٍ... وبكل حماس.
حتى لو لم يضحك أحد. حتى لو كان الأمر محرجًا... ومحزنًا. لكنني...
لا أريد أن أغيّر شيئًا من الماضي.