3 - الفصل 3_1: ثمن الصمت

استيقظتُ على لسعة برد تزحف في أطرافي، وهمسات خافتة تهمس في أذني كأصداء بعيدة. فتحتُ عيني ببطء... السقف الأبيض المضيء فوقي أربكني للحظة. رائحة المطهرات... صوت أجهزة المراقبة الطبية...

أنا... في مستشفى.

حاولتُ النهوض، لكن جسدي كان ثقيلاً كالحجر. رجلاي... لم تتحركا.

ثم تذكرت الطعنة— ذلك الألم الوحشي الذي مزقني.

زفرتُ بمرارة، وتمتمت بصوت أجش:

"تبا..."

لم أكن قد أنهيت الكلمة، حتى سُمِع طرق خفيف على الباب، ودخل رجل طويل القامة. يرتدي معطفًا أبيض يلمع تحت الإضاءة، ونظارات تعكس ملامح وجه هادئة.

اقترب بخطى واثقة، وابتسم بلطف وهو يقول بصوت هادئ:

"أخيرًا استيقظت... الحمد لله."

ثم تابع وهو يراجع ملفًا صغيرًا في يده:

"لقد كنت في غيبوبة لمدة أسبوع كامل. عائلتك كانت قلقة للغاية. كنا نخشى ألا تستفيق أبدًا."

ثم رفع عينيه نحوي، ونظر إليّ بنظرة جادة، ممزوجة بعَتب واضح:

"لماذا تُلقي بنفسك في معارك الشوارع؟ ألا تدرك أنك تخسر شيئًا في كل مرة تخوض فيها قتالًا كهذا؟"

كلماته أشعلت شيئًا بداخلي— كأن صوته يلومني... وكأني مجرد مجنون يبحث عن طريقة ليدمّر نفسه.

رددت بحدة:

"كان لدي سبب... ربما مبدأ... أو ربما..."

تلعثمت. وفجأة، لم أشعر سوى بارتباك مخيف. هل كنتُ أدافع عن شيء؟ أم أن ما حدث كان غضبًا أعمى؟ صدمة؟

صوت نبضات قلبي كان كطبول حرب، تخنق أفكاري.

لاحظ الطبيب ارتباكي، تنهد وجلس على كرسي بجانبي، وقال بصوت عميق:

"إذا اخترتَ القتال من أجل مبادئك... فعليك أن تكون مستعدًا لدفع الثمن مرارًا وتكرارًا. المبادئ، يا فتى... مثل الشموع، تذوب لتنير طريقك، لكنها تتركك في النهاية في ظلام من نوع آخر. وما تراه صوابًا اليوم... قد يُصبح عبئًا غدًا."

قال ذلك بنبرة حزينة، وابتسامة غامضة لم أستطع تفسيرها. هل كانت شفقة؟ حزن؟ أم شيء آخر مختبئ في عينيه؟

لم أرغب في إطالة الحديث. اكتفيتُ بابتسامة باهتة، وهمست:

"كان شيئًا يستحق الحماية... حتى لو لم أكن أعرف تمامًا ما هو."

غادر الطبيب بعد أن أوصى بالراحة، وعاد الصمت إلى الغرفة. نظرت نحو النافذة المفتوحة... نسيم خفيف لامس وجهي، والسماء الزرقاء كانت نقية... كأنها لوحة متقنة.

تمتمت بسخرية:

"يا للسخرية... يوم مثالي للخروج، وأنا عالق في سرير لا أستطيع تحريك ساقي."

لكن... وسط تلك السكينة، انفتح الباب فجأة— دون طرق.

دخل رجلان ضخمان، يرتديان زيًا عسكريًا أخضر، وقبعات داكنة. كانت نظراتهما باردة... خالية تمامًا من أي تعاطف.

تجمّدت في مكاني من شدة الصدمة.

الشرطة العسكرية؟ لماذا الجيش؟ أليست مجرد مشاجرة في الشارع؟ أليس هذا من اختصاص الشرطة المدنية؟

ارتجفت أعصابي رغم الألم.

"تبًا..."

تقدم أحدهم نحوي بوجه جامد، وصوته حاد كحد السكين:

"اتبعنا بهدوء... محاكمتك اليوم."

ومع كل كلمة... كان صوت الأصفاد في يده يتردد في رأسي.

أغلقها حول معصميّ.

ثم اقترب الآخر، ووضع كرسيًا متحركًا بجانبي وساعدني على الجلوس عليه—بقسوة متعمّدة.

وفي تلك اللحظة، اندفع الطبيب إلى الداخل وهو يصرخ:

"لا يمكنكم أخذه! حالته غير مستقرة، جسديًا ونفسيًا! أنتم بحاجة إلى تصريح رسمي من السلطات الصحية!"

لكن الجندي أخرج ورقة تحمل ختمًا أحمر داكن، ولوّح بها في وجهه:

"لدينا أمر مباشر من المحكمة العسكرية."

عاصفة من المشاعر اجتاحتني—غضب، صدمة، إحباط... لكنني فقط ابتسمتُ بمرارة، وتمتمت:

"آه... هذه بلادي. لا أحد ألومه... سواي."

نظرت إلى وجه الطبيب المتجمد. عيناه قالتا كل شيء: لقد فهم الآن... أنني مجرد قطعة في لعبة أكبر مني.

دُفِعت على الكرسي بهدوء. أحسست بنظرات الممرضات وكل من مررنا بهم في ممرات المستشفى... نظرات مليئة بالشفقة، والاشمئزاز، والخوف.

لكن... لم أكن أكترث. كنت أعرف ما فعلت. ولا أندم عليه.

ما ظلّ يأكلني من الداخل... هو الغضب. لأنهم رفضوا إخباري بمكان المحاكمة.

حتى حين طلبت الاتصال بأحد، تجاهلوني وكأنني شبح يُسحب إلى المجهول.

عند الخروج من المستشفى، كان ينتظرنا ضابط ثالث... واقفًا بجانب مركبة مدرعة، مصممة لنقل السجناء.

صندوق معدني ضخم، أبوابه مغلقة بإحكام، ونوافذه الصغيرة بالكاد تسمح بمرور الضوء. مجرد النظر إليها يكفي لبثّ الرعب في النفس— ليست مركبة للمشتبه بهم... بل قفصٌ للمجرمين.

كان الضابط واقفًا ككلب حراسة،

ربما كان مستعدا لاي هروب مني

لاكن المضحك؟ أنني بالكاد أستطيع الوقوف.

قهقهتُ بمرارة... لم يرد أحد.

وضعوني في المقعد الخلفي. اقترب الضابط الثالث، وانحنى نحوي حتى شعرتُ بأنفاسه على أذني، ثم همس:

"المحاكمة... في بيست هيل. والدليل... عند عائلتك."

ثم دس ورقة صغيرة في يدي، كُتب عليها:

"سيتم حماية الدليل."

حدّقت فيه بدهشة. في عينيه... كانت هناك ابتسامة خفية تقول: "لقد ربحنا."

لم أره من قبل... لكنني شعرتُ بامتنان عميق له.

جلستُ بصمت في المقعد، ممسكًا بالورقة بإحكام. ولأول مرة منذ فترة طويلة... تسللت ابتسامة واثقة إلى وجهي.

"لم أظن يومًا... أن الحظ سيبتسم لي."

أخيرًا... وصلنا.

المبنى كان يعلو على التل كوحش صامت، ضخم، رمادي داكن... يراقبنا بعينين لا تغمضان.

كنت آخر من دُفع إلى قاعة المحكمة، مكبّلًا، ولم يُسمح لي حتى بلقاء محامٍ أو تجهيز دفاع.

الجو كان خانقًا. وجوه غريبة تحدق بي ببرود... كأنني كابوس تم استدعاؤه من العدم.

بحثت في الحشد عن أي وجه مألوف...

لكن عائلتي... لم تكن هناك.

رفعت رأسي بابتسامة حزينة، وهمست:

"ربما هذا أفضل... لا أريدهم أن يروا هذا المشهد البائس."

بدأ القاضي بقراءة التهم بصوت هادئ... لكنه حاسم. كل كلمة كانت كضربة مطرقة:

"المتهمحكيم... متهم بالاعتداء على المدعوإلياس، بعدأن قام بطعنه بسكين.وفقًا للادعاء،وقع الحادث خلال تدخل إلياس لفض نزاعسابق، حيثهاجمه المتهم دون مبرر.ثم قام شقيقإلياس الأصغر بضرب المتهم على رأسه، فقامالمتهم بمحاولة كسر ساقي الطفل انتقامًا.بعدها، عادإلياس للدفاع عن شقيقه، وطعنالمتهم، مما أدى إلى انهيارهما معًا.""الادعاءيؤكد أن المتهم هو من بدأ بالعنف، وأنهيتحمل المسؤولية الكاملة عن تصعيد الحادثلمستوى يهدد الحياة."

ارتفعت حاجباي في ذهول.

ما هذه الاتهامات؟! من أين خرج هؤلاء الشهود؟ كأنهم خُلقوا خصيصًا لتلفيق المشهد ضدي!

كل شيء بدا معدًّا مسبقًا... كأنهم كتبوا نهاية القصة قبل أن تبدأ.

كنت مذنبًا... قبل أن أخطو إلى القاعة.

حتى المحامي— من المفترض أنه طوق نجاتي الوحيد— جلس أمامي بوجه جامد، كأنه... من الفريق الآخر.

وبصوت بارد، قال:

"ليس لديك أي دليل... يؤيد روايتك."

شعرت بالأرض تسحبني نحو هاوية. عجزي... تسلل إلى عروقي كسم بارد.

نظرت من إلياس، الذي كان يمثل دور الضحية باكٍ، بينما يخفي ابتسامة خبيثة خلف يديه...

إلى القاضي، الذي بدا وكأنه... ينتظر اللحظة ليُنهي كل شيء.

ما الذي تبقّى لي... حين تفشل كل الأوراق، وتحترق كل الخطط؟

لم يبقَ سوى ورقة واحدة... أنا. أنا... آخر خطوة.

2025/07/20 · 29 مشاهدة · 959 كلمة
Frost_AR
نادي الروايات - 2026