ضاق صدري فجأة... كأن حبلاً خفياً يلتف حول عنقي، يشدّ ببطء... وبإصرار.
كل كلمة نُطقت في قاعة المحكمة كانت كمطرقة تسقط فوق رأسي.
وتلك النظرات... حادة، بلا رحمة... اخترقتني كسهام مسنّنة مغروسة في الصميم.
وكأنهم جميعًا كانوا يشهدون نهايتي المحتومة.
بدأ القاضي بجمع أوراقه. كل حركة بدت ثقيلة... بطيئة... كأنها إعلان غير منطوق لنهاية قريبة.
الصمت في القاعة كان أفظع من أي صراخ. كل شيء... ينذر بالانهيار.
لكن فجأة... شيء ما بداخلي انكسر.
أنا لست ضحية.
أنا عبد الحكيم.
سبعة عشر عامًا أعيش على هذه الأرض. ربما من ينظر إليّ يظن أنني بالكاد أبلغ الخامسة عشرة—لكن تلك هي النقطة بالضبط.
الجميع يعاملني كطفل ضائع، عالق في مسرحية مشوهة صنعوها بأنفسهم.
لكن ما لا يعلمونه هو الآتي:
أنا... من يحمل الأوراق الآن.
رفعت رأسي ببطء.
نظرت إلى القاضي بنظرة اخترقت ستار الظلم،
ثم تكلمت، وصوتي خرج من أعمق نقطة في روحي:
"اعتراض!"
تجمّدت القاعة.
حتى صوت التنفس أصبح مسموعًا.
مال القاضي إلى الأمام، مستندًا بمرفقه على كفّه،
وعيناه تلمعان، شفتاه ترتسمان بابتسامة باهتة... فضولية.
ضحك إلياس بخبث بجانبي، واقترب وهمس بصوت بالكاد يُسمع:
"لن يسمح لك بالكلام. انتهى الأمر."
لكن فجأة—ضرب القاضي بالمطرقة، واهتزّ الصدى في أنحاء القاعة:
"النظام في المحكمة! للمتهم الحق في الكلام."
حاول المحامي مقاطعتي، لكني رفعت صوتي بوضوح حاد:
"بموجب المادة ١٠٥، يحق للمتهم الدفاع عن نفسه إذا كان محاميه عاجزًا أو مهملاً!"
شهقات تعجّبت، همسات انتشرت كعاصفة تقترب—مزيج من صدمة وسخرية مكبوتة.
واصلت، وأنا أحدّق في عيني إلياس مباشرة:
"المحامي الفاشل يُبطل حق المحاكمة العادلة. لهذا... سأمثل نفسي."
مال القاضي إلى الوراء، بدا وكأنه وجد كنزًا نادرًا.
ثم أومأ برأسه:
"حسنًا... تابع دفاعك."
وهكذا... تكلمت.
رويت القصة بالتفصيل— صرخة أختي التي مزّقت سكون الحي، الولد الأصغر الذي هاجمها... وصرختي وأنا أهرع إليها لأحميها...
ثم... إلياس. كيف دخل المشهد... وحرّف كل شيء لمصلحته.
ومع كل كلمة أنطقها، كانت ملامح إلياس تشحب أكثر.
كان يرمق محاميه المذعور—الذي غمره العرق، ولم ينطق بكلمة.
حتى القاضي... لاح أن ابتسامة صغيرة تختبئ في عينيه، كأن الحقيقة بدأت تزيح الضباب الذي كان يخنقها.
وعندما انتهيت، مال القاضي للأمام وسألني بصوت حاد:
"هل تملك دليلاً يؤيد روايتك؟"
ابتسمت بخفة، رغم أن قلبي كان يخفق كطبول حرب.
زفرت ببطء...
"لا... ليس لدي شيء."
عاد الصمت... ثقيلًا. خانقًا.
ثم... انفجر إلياس ضاحكًا بجنون:
"ها! هل جُننت؟ تؤلف القصص الآن؟"
نظرتُ إلى القاضي مجددًا، وصوتي ثابت:
"ما عقوبة تلفيق الجريمة في المحكمة؟"
تردد القاضي، ثم شدّ ملامحه وقال:
"أربع سنوات للفاعل... وأربع أخرى لكل من يعاون على تضليل العدالة."
ارتجف تنفس إلياس.
رأيت الخوف... يبرق في عينيه.
اقتربت قليلًا، وصوتي مغطّى بالسخرية:
"وماذا عن أولئك الذين يشترون الشهود... ويُفسدون الشرطة؟"
اهتزت القاعة.
الذعر... انتشر كالنار في هشيم.
الكل شعر بذلك:
كنت أخفي ورقة رابحة... لم ألعبها بعد.
نعم... اللعبة انتهت.
ثم... سُمِعت خطوات تركض في الممر.
صرخات حرّاس الأمن، مشوشة متوترة:
"توقّف! هذا ليس ملعب أطفال!"
رفعت رأسي—أخي الصغير اقتحم القاعة كعاصفة.
يتنقّل بين الضباط برشاقة لا تصدّق،
وخلفه عائلتي، تحاول اللحاق به، تمنعهم الأذرع العسكرية.
كان المشهد عبثيًا—طفل في السابعة ينساب بين رجال مدجّجين وكأنها لعبة!
وصل إليّ، يلهث، وفي يده الهاتف—ذلك الذي أخذه مني سابقًا.
وفيه... كل الأدلة: تسجيلات، صور، حقائق.
تناولت الهاتف بهدوء.
عيني التقت نظرة إلياس المتجمّدة.
ثم التفتُّ إلى القاضي، وألقيت الهاتف بلُطف على مكتبه، وابتسمت بثقة:
"عذرًا على التأخير، سيدي القاضي. أعتقد أن وقت الطبق الرئيسي... قد حان."
حدّق القاضي بي للحظة، ثم أمسك الهاتف.
بدأ يشاهد... يستمع... يقرأ...
سقوط الصمت على القاعة هذه المرة... كان كأن الزمن توقف.
لكنني رأيتها في عينيه.
الشرارة. تلك التي كان يخفيها طوال الجلسة.
نظرة رجل... كان يعرف الحقيقة، لكنه كان مقيدًا بعدم وجود دليل.
والآن... أصبح لديه ما يكفي... لهدم كل شيء.
ضرب القاضي المطرقة، الصوت هزّ جسد إلياس المرتجف:
"يبدو أنك لم تعد المتهم الحقيقي... أليس كذلك؟"
تجمّد إلياس.
ثم... انهار.
استدار نحوي، صوته بالكاد يُسمع، شفتاه ترتجف، وعرقه يتصبب:
"أرجوك... انسَ كل هذا. لا تسمح للشيطان أن يفرّق بيننا يا أخي..."
ورغم الغضب الذي يغلي في داخلي...
ابتسمت بهدوء:
"معك حق. لم أرد قط أن أرسلك إلى السجن."
تنفّس براحة.
إلى أن أضفت، ببرود قاتل:
"لكن بشرطٍ واحد: مئة مليون دينار سنويًا. في حالتك... أربعة مليارات. وتشمل كل من تعاون معك."
شهقات.
صراخ خافت.
الذعر انتشر.
إلياس اندفع نحوي، قبض على ياقتي، عروقه نابضة، عينيه متسعتان:
"أنت مجنون؟! من سيدفع كل هذا؟!"
نظرت إلى القاضي بثقة، وحدّقت في عينيه:
"أعتقد أن من حقي طلب هذا... أليس كذلك؟"
كتم القاضي ابتسامته... ثم أومأ.
عندها، انفجر إلياس.
سحب سكينًا مخفيًا.
الشفرة لمعت تحت الضوء الخافت وهو يندفع نحوي، عينيه مليئتان بالجنون.
لكنني كنت مستعدًا.
أمسكت النصل بين يديّ المقيّدتين—صوت المعدن صرخ وهو يحتك بالأصفاد.
ثم نطحته بجبهتي—صدمة مؤلمة، لكنها أسقطته أرضًا يصرخ ويتلوّى.
حاول النهوض—لكن قبضة فولاذية أمسكت عنقه.
الضابط ذاته.
الرجل الأسمر... الذي آمن بي.
قال بصوت حاد كالسيف:
"توقّف هنا. خطوة واحدة إضافية... وستندم."
ثم التفت إليّ، بابتسامة خفيفة آسفة:
"عذرًا على التأخير."
ضرب القاضي المطرقة مجددًا:
"بناءً على الأدلة المقدمة، تأمر المحكمة باعتقال إلياس فورًا بتهم الاعتداء، وتزوير الأدلة، ورشوة الشهود. ويبدأ تحقيق شامل... فورًا!"
اندفعت الشرطة العسكرية.
الخطى تهتزّ مع الأرض.
قبضات من حديد تثبت إلياس.
صرخ، وجهه محمر، مشوه بالغضب واليأس:
"لا! هذا مستحيل! أنتم جميعًا ضدي!"
وأثناء سحبه كوحش جامح... نظرت إلى القاضي.
نظر إليّ... ثم تمتم:
"أحسنت... تلك ليست شجاعة عادية."
لم أُجب.
لم يعد هناك شيء لأُثبته.
لأول مرة... ربحت معركة لم يؤمن أحد بنجاتي منها.
ثم—دخل والدي القاعة كعاصفة غاضبة.
ثيابه ملطخة بالدم—لأكنها ليست له.
وقف كجبل لا يتحرك، رغم محاولة الحراس إيقافه.
أمي اندفعت نحوي، احتضنتني وكأنها تخشى أن أختفي مجددًا.
ووالدي... وضع يده الثقيلة على كتفي، وهمس بفخر عميق:
"أحسنت يا بُني."
ذلك الإحساس... لا يُضاهى.
كنا عائلة من جديد.
نظرت إلى أخي الصغير— البطل الصامت ... الذي اقتحم القاعة بيدين صغيرتين وأنقذني.
شكرته... بعيني.
وقبل أن ينطق القاضي بالحكم الأخير...
اندفعت عائلة إلياس إلى الداخل، يصرخون، يبكون:
"انتظر! سندفع الفدية! فقط... لا ترسله للسجن!"
فاضت القاعة بالهمسات، بالدهشة.
ابتسمت بهدوء:
**"حسنًا.
لكن لن أنتظر السداد دفعة واحدة.
مليار دينار سنويًا... عن كل واحد من التسعة المشاركين."**
انهارت والدة إلياس، تصرخ:
"أنت لست إنسانًا... حتى الوحوش تُظهر بعض الرحمة!"
نظرت إليها... بابتسامة باردة:
"إذن... لماذا تطلبون الرحمة من وحش... لن تتمكنوا أبدًا من ترويضه؟"
هذه القضية... كان من المفترض أن تنتهي هنا.
لكن ما حدث بعد ذلك... كان أغرب مما تخيلتُ يومًا.