غرفة باردة بجدران مبطنة بالقطن الأبيض... مستشفى للأمراض النفسية.
لم أفهم لماذا حكمت المحكمة عليّ بالبقاء هنا لستة أشهر، تحت ذريعة "التعافي" و"استعادة القدرة على المشي". لكن الجزء الغريب؟ أنهم وضعوني وسط من يُطلق عليهم "المرضى العقليون".
أما إلياس... فقد حُكم عليه بأربعين سنة سجن. عمره سبعة وعشرون... سيذبل هناك. ...جيد.
ابتسمت بخفة، أحدق في السقف الأبيض لغرفتي.
"ربما... هذه أول مرة يبتسم لي القدر حقًّا... حتى وإن كانت ابتسامة مجنونة."
طرقة على الباب. صرير خافت. انفتح الباب.
دخل الطبيب نفسه الذي أنقذ حياتي سابقًا. كان يبدو مرهقًا، لكن ابتسامة هادئة أضاءت وجهه وهو يقول:
"سعيد برؤيتك سالمًا."
ابتسمت ابتسامة خجولة: "أعتقد... نعم."
اقترب خطوة، ونظر مباشرة إلى عينيّ بنظرة دافئة، ثم قال بلطف:
"لا تستغرب... ما تشعر به الآن — من صدمة، فرح، انتصار — طبيعي تمامًا بعد ما مررتَ به."
سألته بصوت خافت، يحمل شيئًا من التوجس:
"لكن... أليس من المفترض أن تخاف مني مثل البقية؟ تدرك أني هنا بتهم تتعلق بالجنون... ومحاولة القتل، أليس كذلك؟"
وهذا بالضبط ما كنت أظنه... التفسير المنطقي الوحيد لوجودي هنا.
تنهد الطبيب بعمق، وقال بصوتٍ هادئ يحمل شيئًا من الفخر:
"لأني طبيب، يا حكيم. وظيفتي أن أقف مع مرضاي... مهما كان الثمن. حتى لو عرّضني ذلك للخطر."
كلماته ضربتني بقوة لم أكن أتوقعها.
كل ما استطعت الرد به كان مزحة باهتة:
"تحاول أن تبدو رائعًا، أليس كذلك؟ أحرجتني فعلًا..."
احمرّ وجهه، وحدق بعيدًا وهو يتمتم:
"ما كان لازم أبدأ معك هالكلام من الأصل..."
وانفجرت ضاحكًا.
ضحكة صافية... حقيقية... ربما الأولى منذ زمن طويل.
رفع رأسه، يبتسم:
"على الأقل... أخيرًا تبتسم من قلبك."
نظرت من النافذة، إلى الغروب وهو يصبغ السماء بألوان البرتقالي والأحمر.
وهمست دون تفكير:
"يا له من يومٍ طويل..."
وضع يديه في جيبيه، أغلق عينيه للحظة وكأنه يتأمل وزن اللحظة، ثم فتحهما مجددًا بنظرة متأملة:
"بالفعل... يوم طويل."
هل أحلم؟ أم أن هذا هو الواقع الذي ظل يرفض الاكتمال؟
مرّت ثلاثة أشهر منذ أن خضت امتحان التخرج من الإعدادية... الآن، بدأ العام الدراسي للثانوية.
وبفضل عائلتي، التي لم تتخلَّ عني، التحقت.
لا أعرف كيف مرّ الوقت، أو متى بدأت أعدّ الأيام أصلًا.
في البداية، كنت ضائعًا.
نادراً ما تحدثتُ إلى أحد.
علاقتي بالممرضين كانت سطحية—أقرب إلى الشك المتبادل.
وبصراحة، كان ذلك منطقيًا.
لو كنت مكانهم... ما كنتُ لأثق بي أيضًا.
لكن مع مرور الوقت... ومع زيارات الطبيب المتكررة... بدأ الجليد يذوب.
لست شخصًا اجتماعيًا—هذه حقيقة.
لكنني لا أرفض الحديث إن بدأ، ولا أهرب منه إن استمر.
الطبيب... محمد.
كان يزورني كثيرًا—ربما أكثر مما ينبغي.
لا أذكر اليوم تحديدًا،
لكني أذكر أنه قدّم نفسه في اليوم الثاني.
ربما شعر بالإحراج لأنه لم يفعل من البداية، أو ربما أدرك أني لم أسأله.
أنسى الوجوه والأسماء بسهولة... حتى تلك التي تبقى قريبة.
كنت أستمع إليه كثيرًا.
علّمني عن الحياة، عن الانهيار... وعن إعادة بناء الذات.
ومع ذلك...
لا يزال هناك شيء بداخلي—شيء لا أستطيع قوله.
هل كل هذا حقيقي؟
لست خائفًا... لكن إن كان كل ما يحدث مجرد حلم — فأتمنى أن أستيقظ منه بسلام.
جلست على سرير المستشفى الرمادي الباهت، ملفوفًا ببطانية بيضاء مهترئة.
شقوق الطلاء تزحف على الجدران كجراح الزمن الصامتة.
نسيم بارد تسلل من النافذة نصف المفتوحة، يلامس وجهي كأنما يهمس:
"أنت ما زلت حيًّا. قلبك، رغم ضعفه... لم يتوقف بعد."
نظرت إلى ساقي الملفوفتين داخل البطانية... كأنني أبحث فيهما عن بقايا الحرب الأخيرة التي خاضتها روحي.
"لقد كان الأمر سريعًا... أسرع مما تخيلت."
وكأن الزمن استجاب لأفكاري الهائمة— انفتح الباب مجددًا بصوت خافت.
دخل الطبيب محمد بهدوء، بابتسامة خفيفة تجمع بين الأسى والدفء.
عينيه تجولتا عليّ بنظرة أب تشاهد ابنه الضائع بعد العاصفة.
قال بصوت ناعم متعب:
"اليوم... يوم حريتك، يا حكيم. انتهى علاجك. حان وقت العودة إلى البيت."
نظرت إليه بدهشة.
عيناي تحملان مزيجًا من الأمل والخوف.
"ألم يكن من المفترض أن تبقى ثلاثة أشهر إضافية؟ لقد حسبت الأيام... لم أصل حتى إلى النصف. لماذا الآن؟"
أجاب محمد بابتسامة مطمئنة:
"تعافيت أسرع مما توقعنا. صحيح أن هناك ندوبًا بداخلك... لكنها لن تمنعك من عيش حياتك كما تريد."
كلماته تسربت إليّ كأشعة الشمس في برد الشتاء.
ومع ذلك... جزء مني لم يصدق بعد. ربما لأن جزءًا صغيرًا بداخلي تعلّق بهذا المكان الغريب.
والجزء الآخر؟ كان يكره فكرة العودة إلى المدرسة.
ليس الآن... ليس مع بداية فصل جديد وكل صخبه وفوضاه.
تمنيت لو بدأت من منتصف العام.
(حكيم، يتمتم لنفسه): "... تبًا."
سمع محمد كلمتي بوضوح، لكنه لم يرد مباشرة.
اكتفى بأن رفع حاجبه، ثم سأل مازحًا:
"ماذا قلت؟"
(حكيم): "أعني... أنا راجع البيت اليوم؟ وبالمناسبة، أقدر آخذ هذا؟" — أشرت إلى الروب الأبيض الضخم الذي كنت أرتديه.
ضحك محمد بخفة:
"خذه. على حسابي."
(حكيم بسرعة): "لا، كنت أمزح!"
لوّحت بيدي، أرفض بلطف، لكنه أصر:
"قلت خذه."
وفي النهاية... وافقت.
ضحكنا سويًا — ضحكة قصيرة لكنها صادقة، قادمة من أعماقنا، تحمل ارتياحًا غريبًا... وطعمًا عابرًا للسلام.
وفي تلك اللحظة... لاحظت شيئًا في عيني محمد.
كان يحدّق بعيدًا... إلى شيء لا يُرى.
تعبيره — خليط من الفرح... أو ذكرى بعيدة لم أستطع فكّ شيفتها.
(حكيم فجأة بجدية): "محمد... ممكن أسألك سؤال؟"
ابتسم بلطف، وهو يلتفت إليّ:
"بالطبع."
(حكيم): "هل عندك ندم في حياتك؟ شيء تتمنى ما أحد يكرره أبدًا؟"
سكون هادئ عمّ الغرفة.
لم يُسمع سوى حفيف الستارة مع نسيم الهواء.
تلاقت نظراتنا.
وللحظة... شعرت أنني أقرب لهذا الرجل الغامض من أي وقتٍ مضى.
أجاب محمد بنبرة حذرة وهادئة:
"لماذا تسأل؟"
نظرت إليه بثبات:
"لأنك تعطيني الكثير من النصائح... لكن أحيانًا، تبدو غائبًا في أفكارك، وكأن هناك ظلًا على وجهك لا أستطيع قراءته."
هز محمد رأسه ببطء، كأنما يحاول طرد الذكريات القديمة، ثم قال بنبرة جافة محسوبة:
"أنا طبيب. من واجبي أن أنصح من ضلّوا الطريق... خاصةً إذا كنت قد عرفت شخصًا مثلهم يومًا ما."
لكن... لقد نصحتني حتى قبل أن تعرفني...
دخل ضوء الشمس من النافذة، يرسم خطوطًا ذهبية على الجدران البيضاء الباهتة.
خارجًا، زقزقت العصافير بخفوت.
وحدة التبريد العتيقة أصدرت أزيزا خفيفًا، تبرد الجو قليلًا.
لاحظت تردده.
كان على وشك أن يسألني "متى؟"... لكنه تراجع.
كأن ذكرى ما سحبته إلى الوراء — إلى يوم كنت أغرق في دمي... متهمًا بمحاولة القتل.
نظراته ازدادت ثقلًا.
وفي عينيه — ومضة من الذنب... أو الشوق... أو ربما كلاهما.
فقلت، وكأني أنا الطبيب الآن:
"بإمكانك أن تتحدث بصراحة... أنا هنا لأسمعك."
عاد الصمت الثقيل.
تراقص النسيم مع الستارة.
تأرجح الضوء على وجه محمد المتردد.
أخيرًا، رفع عينيه — كمن حسم أمره:
"هل تريد أن تعرف حقًا؟"
(حكيم، بصوت داخلي): أومأت بثبات.
"نعم... أريد أن أعرف."