رفعتُ رأسي ببطء وأنا أراقب محمد يُخرج هاتفه من جيب معطفه الأبيض. لم تكن حركة عادية... أصابعه كانت تتحرك كما لو أنها تمسك شيء قابل للكسر. برودة المشهد لا علاقة لها بدرجة حرارة الغرفة، بل بطريقة تنفسه... ببطء... بثقل. أنفاسه كانت تنبعث معها رائحة المعقمات، تسبح في الهواء، وتخترق أنفي مع كل حركة له.
توقف، ثم نظر إلى شاشة هاتفه. طويلًا. نظرة ليست تأملًا... بل عناقًا.
كأن تلك الشاشة كانت الماضي... والذكرى... وربما الندم.
"ربما فقد أحدهم..." لم أستطع كبح هذا الخاطر السخيف. يا لي من أحمق. شعرت بحرارة تصعد من عنقي حتى أذني، فقلت له:
— تـ... توقف، إن لم تكن مستعدًا، لا بأس. آسف، ربما ما كان عليّ سؤالك...
كنت متوترًا. صوتي مهزوز. لكنه... تجاهل كلامي. بل بلطف، كأن كل شيء قيل، لكن لا يحتاج إجابة.
أدار الهاتف نحوي.
كانت هناك صورة.
امرأة، طفلة صغيرة، ورجل واقف إلى جانبهما.
تسارعت أنفاسي، لا أعلم لماذا. شعرت بارتباك، لحظة من تشوش الذهن. شيء ما في الصورة جعلني أظن أنني أعرفها. حدقت أكثر... ثم:
— ...دقيقة، محمد؟ أنت... متزوج؟!
رفع يده، وبلطف غريب مررها فوق رأسي كأنني طفل تذكّره متأخرًا. ابتسم ابتسامة شاحبة، وقال:
— نعم... ألم أقلها لك؟ ثم ناولني الهاتف، وأردف ضاحكًا: — أوه... ربما نسيت. آسف.
لكنني لم أسمعه. في تلك اللحظة، لم أعد أسمع شيئًا.
كنت غارقًا في الصورة.
ابتسامة المرأة... الطفلة الصغيرة... وعينا محمد. كانتا تقولان شيئًا مختلفًا تمامًا عن ابتسامتهما.
همستُ:
— هل... فقدتهم؟
لم أرفع رأسي، لم أكن أريد. كان لدي شعور... غريزي... أن أي إجابة ستكون صادمة.
ثم...
صفعة خفيفة على رقبتي. شهقت، وأمسكت مكانها. التفتُّ بسرعة، بعينين مشتعلتين.
— تبا لك! كان يضحك.
محمد كان يضحك.
أو ربما... يتظاهر بالغضب.
— لما تتشاءم هكذا؟! ابنتي أقل منك بسنة فقط! وزوجتي لم تمت، يا مجنون! لو ماتت... لا أدري حتى ما كنت سأفعل!
نبرة صوته تتماوج، تصعد، تهبط، تتشقق كأنها تبحث عن قرار. كان يتقدّم خطوتين، يعود واحدة. ظلاله تجر نفسها على الأرض الباردة، صوت قدميه يملأ فراغ الغرفة.
لحظة... كأنه يرقص!
ضحكت.
لا، ضحكت فعلًا، من قلبي. ضحكت حتى شعرت أن صدري سينفجر.
— هل تظن الأمر مضحكًا؟ — قالها بوجه مذهول.
— ابنتي تقول إنها تريد حبيبًا! أتصدّق؟! إنها صغيرة، صغيرة جدًا! وأنت... أنت حتى لا تصغي لي أصلًا!
وجهه كان قريبًا. شهيقه الساخن يلامس وجهي، بينما نسيم المساء يداعب الستارة خلفنا. لكنني لم أكن أسمعه.
كنت أضحك...
لأنني كنت أظنه يحمل سرًّا أسود. فإذا به يحمل... حياة.
نقطة.
الغرفة امتلأت ضوءًا ونكاتًا وذكريات صغيرة. تحوّلت من غرفة تعقيم صامتة إلى مجلس أصدقاء على وشك الشواء.
هدأتُ أخيرًا، ثم قلت:
— محمد... لماذا شعرت وكأنك تحمل ذنبًا؟ هذا ليس شيئًا تخفيه...
رفع رأسه إلى السقف، وكأنه يبحث بين تشققات الطلاء عن إجابة، ثم أعاد نظره إليّ.
قال بهدوء:
— أهلي... وأهلها. لم يتقبلوا زواجنا. هربنا معًا.
...
كان صوته لا يحمل أي تذمر. بل كان متعبًا. كأنه روى هذه القصة ألف مرة... بصمت.
همس مجددًا، بنبرة فيها دفء وحنين:
— كان الأمر صعبًا... لكننا نجونا. الحب انتصر. ورُزقنا بطفلة.
.
وأنا ابتسمت.
لكن في داخلي، كان سؤال واحد يتمدد:
— لكن... لماذا لم يقبلوا؟ أقصد... ما السبب الحقيقي؟
محمد لم ينظر إليّ مباشرة، بل اكتفى بابتسامة نصف مريرة. ، لمع بريق في عينيه... لا أدري إن كان دمعة، أم ظل ذكرى قديمة مرت من هناك.
— كانت عائلتها... ميسورة. وأنا؟ كانوا يرونني دونها. أقل... كثيرًا.
...
كأن شيئًا غلي فجأة في صدري. غضب؟ حزن؟ أو ربما... ذنب غبي لا أملكه؟
— أليس هذا... لأنك لست وسيم؟ أو عاطل؟!
خرجت الكلمات من فمي بخفة ساخرة... لكنها كانت مُرّة. لم أعرف السبب حقًا. ربما كنت أبحث عن سبب ليفرغ غضبي؟ أو لأنني افترضت أنه يندم... على شيء تافه كهذا؟ يا لي من... أحمق.
محمد رمقني بنظرة جانبية طويلة، ثم ضرب جبهته براحة كفه، فارتد صوت الضربة في الغرفة الفارغة كأنه يوبخني:
— تبا لك... أنت تلمس أوتارًا حساسة، يا هذا.
لكن صوته لم يكن غاضبًا. كان أقرب لتذمر خفيف... كأن كلماتي نبشت قبرًا داخليًا ظل يحاول إغلاقه طويلًا.
لكن... لم أكن أستمع تمامًا.
رأسي كان يشرد بعيدًا...
منذ البداية، كان في داخلي سؤال يصرخ ولا يريد أن يغادرني
الطبيب محمد يبدو عاديًا جدًا
شعره بني داكن، مُجعّد قليلًا، يصل أحيانًا إلى شحمة أذنه. عيناه بنيتان، بشرته بيضاء تميل إلى شحوب مهنة الطب، طوله لا بأس به يقارب 185 ربما... جسده عادي. لا شيء يثير الاهتمام.
لكن...
في الصورة، كانت الزوجة بشعر أزرق. وعينان زرقاوان. حتى الطفلة... نفس العينين.
أفهم الشعر... ربما مصبوغ.
لكن العيون أيضًا؟!
فتحت فمي ببطء... استعدادًا لسؤال لن يكون مريحًا.
— محمد، هل...؟
كرررر...
انفتح باب الغرفة.
كأن الزمن توقف في اللحظة نفسها.
دخلت فتاة صغيرة، خطواتها خفيفة. رائحة تشبه الزهور البرية، لكن فيها لمسة مالحة... كأنها قادمة من البحر.
— السلام عليكم...
قالتها بصوت ناعم، خجول، يكاد يلامس الأرض بخفته.
كان طولها بالكاد يصل إلى 160 سنتيمترًا. شعرها الطويل... أزرق. عيناها... زرقاوان تمامًا.
لقد خرجت من الصورة.
نعم... نفس الطفلة.
لكن الآن... أكبر.
أكبر بكثير مما في ذاكرتي
"ابنتي تصغرك بعام"، هكذا قال محمد مرة. تبًا... أهي... هي؟!
اقتربت منه بخطى صغيرة، عيناها تلمعان بقلق خافت.
— أبي... غدًا عندي مدرسة. أمي قالت أبقى معك الليلة، لأنها لن تكون في المنزل...
توقفت للحظة، ثم همست:
— لن تعود اليوم.
...
الغرفة تجمدت.
قالتها بنبرة حزينة منخفضة، فخيم صمت ثقيل في الغرفة.
لم يكن محمد وحده من تجمد في مكانه...
حتى أنا، الذي لطالما زعمت أنني "أقرأ النفسيات"، بقيت واقفًا، عاجزًا عن تحديد الشعور الحقيقي في نبرة صوتها.
ثم فجأة...
— كنت أمزح معك!
قالتها بضحكة خفيفة، لسانها يخرج بخفة، كأنها ممثلة بارعة في دور طفلة تخدع الجمهور.
شعرت بعقلي يتعثر... هل... صدقتها؟!
وقبل أن يتمكن محمد من الرد، فُتح الباب من جديد، بخفّة مطلقة، تتبعها خطوات أكثر نعومة، ورائحة دافئة تشبه الفانيلا الممزوجة بالمطر.
دخلت امرأة طويلة، ربما بطول 170 سنتيمترًا، تحمل علبة كعك أنيقة، وابتسامة دافئة سبقتها إلى الغرفة.
قالت، بنغمة صوتٍ تشبه لحن ليلٍ ناعم:
— هيماري، توقفي عن إزعاج والدك. ألا ترينه مشغولًا؟
لكن هيماري نفخت خديها، وأمالت رأسها قليلًا كأنها تؤدي مشهد احتجاج طفولي مدروس:
— أردت فقط أن ألعب معه!
محمد مد قبضة يده، ثم مسح على شعرها بقوة طفيفة:
— هيماري!
— آآآآه! أبي، توقّف!
ضحكتُ.
كانت حركتها خفيفة، أقرب لرقصة صغيرة، فيما بدا محمد كعملاق يطارد فراشة.
ملامح وجهه جمعت بين الصرامة المرحة وحنان الأب.
لا أعلم لماذا، لكن قلبي انكمش للحظة. المشهد أمامي، بتفاصيله الصغيرة، بشعرها الذي تحرك مع يد والدها، بصوتها، بضحكته، بوقوف الأم هناك... أيقظ فيّ شيئًا.
شيئًا يشبه الحنين لذكرى... لم أعشها قط.
ضحكتُ بخفة، وصدى ضحكتي ملأ الغرفة، امتزج مع صوت الأقدام الصغيرة التي تدور حول السرير. لكن سرعان ما قطعت الزوجة هذه الفوضى بابتسامة جادة:
— توقّف! ستكسر عنقها هكذا.
تحررت هيماري فجأة، وهي تلتقط أنفاسها كأنها انتصرت في معركة مصيرية. التفتت الأم نحوي، وانحنت قليلًا بحرج:
— عذرًا... أزعجناك بصراخنا.
رددت بصوت دافئ، وعيناي تلمعان بصدق:
— على العكس... هذا أفضل شيء حدث لي منذ مدة.
لكن محمد لم يدع الجو الهادئ يطول. قال ساخرًا وهو يشير إلي بإصبعه:
— طبيعي... إنه مريض! لا يهتم بما حوله!
وقبل أن ينهي كلمته، تلقّى ضربة خفيفة من زوجته على رأسه. كان الصوت خافتًا، لكنه بدا كصفعة صغيرة أيقظت الجميع. قالت بلهجة جدية تخفي ابتسامة:
— لا تتحدث هكذا! اعتذر فورًا!
عقد محمد حاجبيه بارتباك طفولي، وتلاشى مزاحه سريعًا. تنهد:
— حسنًا... آسف.
ضحكت مجددًا... لكن هذه المرة كنت أضحك لإغاظة محمد، ضحكة صافية، نقيّة، تنبع من صدري. كانت ضحكتي تلك خفيفة، لكنها بدت لمحمد مجرد تنمّر عليه. فكيف لا يعتبرها كذلك وتعبيره كان عبارة عن قبض يده غاضبًا بطريقة مضحكة، خاشيًا أن تكتشف زوجته الأمر وتعيد توبيخه.
بينما ساد الصمت، لم يكن هناك سوى صوت الريح العابرة خلف النافذة. تراقصت الستارة البيضاء على نسمة خفيفة، بدت كأنها تهمس لهم جميعًا:
"هذه...هي العائلة."
كم أحببت تلك اللحظة. شعرتُ أن شيئًا في قلبي يذوب وسط هذا الدفء الغريب. الهواء كان باردًا يدخل من النافذة المفتوحة، يلامس وجهي كنسمة ناعمة تعيد لي الحياة، ويحرك أطراف الستارة البيضاء التي تتمايل كأجنحة طائر يحلّق بكسل.
ثم اقتربت هيماري فجأة بخطوات صغيرة، تُسمع خشخشتها على الأرضية اللامعة، وقالت بصوتها العذب:
— ألا تستطيع المشي؟
نظرتُ إليها... فضولها بريء، لكنه أربكني. أجبت وأنا أحاول ألا أُظهر توتّري:
— لا... أستطيع المشي الآن. واليوم هو آخر يوم لي في المستشفى.
ردّت ببساطة، وهي تدير جسدها بنشاط طفولي:
— الحمد لله.
قالتها كأنها تهنئني بنجاح، بلا أي تكلّف أو مبالغة.
وأنا الذي أراها مجرد جسد نحيل يغطي نصفه شعر طويل أزرق... لكن ما كنت أفكر فيه هو: هل قرط القطط الذي في أذنها... لماذا يناسب تعبير وجهها حقًا؟
توقفتُ عن التفكير... مجرد فضول لا أكثر.
قالت الأم بنبرة فيها دفء:
— كنت أظن أني سأحتفل في المنزل، لكن ربما هنا أفضل...
فتحت صندوق الكعكة ببطء، وكأنها تفتح كنزًا.
قال محمد مستغربًا، وعيناه تعكسان بريق انعكاس الغروب:
— تحتفلين بماذا؟
وما إن انفتح الصندوق، حتى خرجت رائحة الشوكولاتة الحلوة وانتشرت في الغرفة، امتزجت مع نسيم الظهر، كأنها تبعث الفرح في كل نفس.
ظهرت كعكة مزينة بكريمة بنية، مكتوب عليها بخط أنيق:
"عيدميلاد سعيد – 36"
توقف كل شيء للحظة. الزمن... الأصوات... حتى الهواء بدا ساكنًا. رأيتُه — الطبيب الذي بدا دومًا قويًا متماسكًا — يعجز عن الكلام. عيناه تتلألآن برطوبة لم يستطع إخفاءها.
كان عيد ميلاده اليوم. وكان قد نسيه.
ربما من تعب الأيام... أو من كثرة المرات التي تجاهل فيها الآخرون تذكيره. لكنه الآن... تذكّره شخصان يعنيان له العالم كله.
ابتسم محمد، ثم ضمّ عائلته بقوة. سمعت أصواتهم الصغيرة تقول: «عيد ميلاد سعيد» في آنٍ واحد، واختلطت مع صوت الريح الخفيف في الخارج، الذي بدا كأنه يصفّق لهم هو الآخر.
وبحماس مفاجئ، صرخ محمد:
— أوه! حسنًا، لنبدأ بأكل الكعكة!
تذوقتُ قطعة من الكعكة... ناعمة ورطبة، ذابت على لساني وتركت أثرًا دافئًا من الشوكولاتة الحلوة. قلت بصوت خافت، امتزج بحفيف الريح القادمة من النافذة:
— لذيذة.
ضحكت زوجة محمد ضحكة قصيرة تناثرت في الغرفة كأجراس صغيرة:
— أعددتها بنفسي!
كانت تضع يدها على فمها بخجل طفولي، بينما وجهها يضيء بابتسامة صافية. وجدتُ نفسي أبتسم دون وعي... لكن شيئًا في داخلي بقي صامتًا وثقيلًا.
أنا لست فردًا من هذه العائلة.
هم يعيشون لحظتهم... وأنا... مجرد زائر، أو عابر ذكرى، يراقب دفئهم من وراء زجاج بارد.
بعد قليل، حين انتهت الجلسة، اقتربتُ من الطبيب محمد، وصوت خطواتي على الأرض الملساء.
قلت بهدوء اختلط بنبرة امتنان خفية:
— أعتقد أن وقتي انتهى... تأخرت.
ودّعتني العائلة بودّ صادق. كانت الوداعة دافئة ومؤثرة، صريحة كأشعة شمس في صباح شتوي، كأنها تقول بصمت:
"انتبه لنفسك."
خرجت من باب المستشفى، فأُغلق خلفي ببطء، ووقفت للحظة أتأمل الشارع شبه الخالي...
فمن سيخرج في وسط هذا جو حار؟ لاكن لم أعتقد أني سأرى وانسي شيئا مهما في نفس وقت....