7 - الفصل السادس:عندما التقينا مرة أخرى

"طيب... الآن كيف أعود؟ لا أملك مالًا... لا أملك شيئًا أصلًا..."

ضحكتُ وأنا أفتّش جيوبي الفارغة، كأنني ألعب يانصيبًا خاسرًا وأعرف النتيجة مسبقًا. لا شيء. فقط البرد... والصمت... وشمس تميل نحو الظهر.

ثم فجأة...

– "هاي... لقد مر وقت طويل."

صوت. كان دافئًا، كأن أحدهم أشعل مدفأة في ظهري وأنا لا أزال في العراء. رفعت رأسي، والضوء يضرب وجهي من الخلف.

رجل، يقف إلى جانب سيارة سوداء... يرفع قبعته قليلاً لتظهر ابتسامة أعرفها جيدًا. نصف وجهه كان في الظل، لكني لم أحتج لرؤية الباقي.

...شهاب.

نعم، كان هو. ذاك الشرطي... من أيام "قضية الطعن". ذاك الاسم الذي أصبحت قصته خلفي. ذاك الشخص الذي لم أتخيل أن أراه مجددًا... لكنه الآن يقف هنا، أمامي، بنفس تلك النظرة القديمة التي كانت تقول لي: "كل شيء سيكون بخير، حتى لو لم يكن كذلك."

همستُ، وكأنني مصدوم: – "أنت...؟ كيف... جئت إلى هنا؟"

ابتسم شهاب، تلك الابتسامة التي تُشبه ضوءًا خافتًا في ممر معتم. أشار بإبهامه إلى السيارة السوداء، وقال بنبرة واثقة: – "لدي طريقتي... ما رأيك بتوصيلة؟"

في لحظة، شعرت أن رئتي تتوسعان فجأة، كأنني كنت أتنفّس من ثقب صغير طوال اليوم. لم أرد أن أبدو سعيداا... لا أمامه. قلتُ بابتسامة مصطنعة، بصوت يحاول ألا يفضح شكرًا أكبر مما يجب: – "نعم... شكرًا."

أومأ شهاب: – "اركَب من الأمام."

فتحت الباب الأمامي وجلست. أشعة الشمس كانت تخترق الزجاج وتضرب وجنتي، كما لو أنها تبارك لحظة حرية أخيرًا.

المقاعد مريحة، رائحتها جديدة. صوت المحرك كان همسة خفيفة، والسيارة بدأت تنزلق على الأسفلت الرطب كما لو أنها تسير على ذكريات. كنت أشاهد العالم من خلف الزجاج... كل شيء بدا بعيدًا عني، حتى جسدي.

تبادلنا أطراف الحديث. أحاديث خفيفة، لكن دافئة... ذلك النوع من الكلام الذي لا يُقال إلا بين شخصين جمعتهما معركة قديمة، حتى لو لم يتكلما عنها.

ثم، بصوته العميق الذي يحمل ثقل التجربة، قال شهاب: – "في ذلك اليوم... يوم مسرح الجريمة... كنتُ هناك قبل كثيرين. وسط الصراخ وضجيج سيارات الشرطة، لاحظتُ طفلًا صغيرًا يقف في الظل... كان يمسك الهاتف كما لو أنه يمسك بالحياة ذاتها."

أخفض صوته قليلاً، وكأنه يحاول ألا يُوقظ شيئًا كان نائمًا داخله: – "اقتربت منه بهدوء... وتحدثت معه بنبرة لا تخص الشرطة، بل تخص البشر.

وما إن فتح الهاتف... ظهرت المفاجأة. صور، رسائل، تسجيلات... أدلة كفيلة بأن تقلب الرواية كلها، وتُضيء الطريق في ظلمة لم يكن فيها بصيص واحد من الثقة. لكن..."

توقّف شهاب، التفت إليّ. عيناه كانتا تحملان شيئًا آخر. احترام؟ عرفان؟ ربما كلاهما.

– "...لم يكن الهاتف وحده من غيّر كل شيء. كان هناك أنت أيضًا. دورك... لا يُنسى."

...

أغمضتُ عيني.

لم أعرف ماذا أقول. ربما لأنني لم أكن مستعدًا لسماع ذلك.

بقينا في السيارة، الصمت يتسلل بيننا، لكني كنت أعلم أن شهاب ينظر إلي... تلك النظرة التي تطلب جوابًا دون أن تنطق به.

أنا أفهم مقصدك، يا شهاب... لكن إن لم توضح، فلن أتكلم.

ابتسم شهاب بخفة، نبرة صوته فيها سخرية هادئة: – "أنت، ألا تستطيع قول الحقيقة؟ في النهاية، يستحيل أن يكون أخوك الصغير هو من أحضر الأدلة. أكنت تخطط لهذا منذ البداية؟"

كان صوته هادئًا، لكنه يحمل تلك الحدة الخفية... تلك النغمة التي يستخدمها المحققون الطيبون عندما يبدأون

الاستجواب الحقيقي

.

لا أعرف لماذا، لكن لم أكن قلقًا. لم أشعر أني تحت ضغط. بل على العكس... كأن اعترافي لا يهم.

أجبت وأنا أنظر مباشرة إلى عينيه، بتعبير خالٍ من أي تردد: – "نعم. تستطيع أن تقول إني كنت أخطط لهذا منذ البداية."

هز شهاب رأسه، كمن يسمع أمرًا كان يشك فيه. – "حقًا؟! إذاً، أنت حتى اخترقت كاميرات المراقبة التي كانت توثّق حادثة الاعتداء؟ وخطّطتَ للقتال من أجل المال... يعني، كنت تقاتل من اجل نفسك في النهاية."

– "ليس بالضبط، لكن... نعم، قريب." قلت ذلك ببرود، كأن الأمر لا يعنيني كثيرًا.

في الواقع... هو كذلك.

ذلك اليوم لم أعد إلى المنزل لأجل الطعام. كان هدفي الحقيقي هو الوصول إلى واي فاي، كي أبدأ اختراق الكاميرات.

لكن...

متى تعلمت البرمجة أصلًا؟ متى بدأت أفهم هذه الأشياء؟ متى بدأت أضحك عند الطعن؟ متى صرت أشعر بالحماس حين أقاتل؟

لا أذكر. لا أفهم نفسي. فلتتوقف أفكاري الآن... فلأستمع فقط لشهاب.

– "أتسمعني؟؟؟؟؟؟؟؟؟!!" صرخ في أذني فجأة!

صرخة اخترقت جمجمتي حرفيًا.

– "آآآآه! أنا أسمعك!" قلت ذلك وأنا أبتعد، ممسكًا أذني.

عاد إلى مقعده، وعيناه تنظران للأمام، كأن وجهته واضحة حتى لو كنى في الليل: – "كما قلت لك... لقد كرهت الفساد. لقد زرع جذوره في كل مكان، حتى في الجيش نفسه. هذا... خطير بحق. أريد القضاء عليهم. أريد تصفيتهم."

كان يتكلم بغضب حقيقي... صوته يحمل غضبًا ناضجًا، لا انفجارًا أحمقًا.

قلت بهدوء: – "شهاب، أهذا سبب مساعدتك لي حينها؟"

التفت إليّ، بنظرة سخرية صادمة، وقال: – "أتمزح؟! ألم تكن تستمع؟!"

أعدت النظر للأمام... حاولت التظاهر بالبراءة: – "أوه... الحقيقة؟ نعم، سمعتك... نوعًا ما." التفتّ إليه مبتسمًا: – "حسنًا، لم أستمع. هل تعيد؟"

رمقني بنظرة قاتلة. – "عَبْدُ الحَكِيمْ!!!"

– "آسف، آسف! إنها... درجة الحرارة، نعم، الحرارة هي السبب!"

تنهد شهاب، ثم قال بتعب خفيف: – "ما أقبح عذرك... على كل حال، نعم، بسبب الفساد ساعدتك. وأوه، لم يبقَ كثير على منزلك."

أومأت ببطء: – "نعم... فعلاً. وأيضًا... قبل أن أصل... شكرًا لك، شهاب. حقًا... شكرًا."

كلماتي خرجت صادقة... أكثر مما كنت أتوقع.

شهاب ابتسم براحة: – "أنا من يجب أن يشكرك... ولنَـبقَ على تواصل."

– "أكيد... خذ رقمي."

شهاب بنبرة ساخرة: – "اكتبه بنفسك... أنا أسوق."

هززت رأسي، وتنفست بخفة. تقبلت الأمر، فليس من المنطقي أن يأخذ شرطي مخالفة بسبب هاتف... مع أنه... لا أحد هنا أصلاً. نحن في حيٍّ كأنما اقتُطع من

روما القديمة

، لكن بلا أثر حضاري.

بيوت الحي مبنية على مرتفعات أشبه بتلال صغيرة، كأنها وُضعت فوق طُلل جبلية، والطريق المؤدي لها عبارة عن طلعات طويلة ومرهقة، مثل قيادة سيارة صعودًا إلى السماء.

ومع أن بعض البيوت بدت وكأنها اشتراكات VIP في نادٍ سكني راقٍ... إلا أن منزلنا كان الاستثناء الوحيد. منزل بطابق واحد، مع جدران باهتة، شقوقٌ في الزوايا، نوافذ غير متناسقة، وسقف يبدو كأنه لم يُكمل منذ البداية. لا هو مهجور... ولا هو حي. كان كأن أحدهم بدأ بناءه، ثم تركه على وعدٍ لم يعد يومًا ليكمله.

أو هكذا... أتذكره.

شهاب: وصلنا.

توقفت السيارة بهدوء أمام منزلي القديم... أو ما كنت أظنه كذلك.

رفعت رأسي ببطء نحو الواجهة. تسمرت نظراتي.

كان هناك طابق ثانٍ... بناء جديد يلمع تحت شمس الظهيرة الحادة، التي ألقت بظلال صارمة على جدرانه البيضاء النقية.

أما الطابق الأرضي، ذاك النصف المتهالك الذي كان يشبه رئة لا تعمل بالكامل، فقد صار الآن بيتًا حقيقيًا. مكتملًا. متناسقًا. كأن الحياة قد استوطنت زواياه بعد غيابٍ طويل.

كم مرّ من الوقت؟ ما هذا الذي أراه؟

أنا متأكد... كنا نعيش في بيت ناقص. بيتٍ احتوانا رغم كل شيء. أما الآن؟ فهو بيت جميل. مريح. كامل.

لكن داخلي؟ شيء ما كان يلسعني. لسعة خفيفة... مثل حريقٍ صامت لا يصرخ.

فرح؟ نعم، شعرت بالفرح لأن عائلتي تعيش في مكان أفضل. لكن... أليس هذا المال... مالي؟

أنا متأكد. ربحت القضية. مليار كاملة. لكن، تبا لعمر الخامسة عشرة. أُعطيت أموالي لإدارة العائلة. أموالي... وهذا المنزل الجديد؟ لا أملك منه سوى اسمي.

وقفت صامتًا للحظة، أراقب "بيتي" الجديد كما يراقب شخصٌ فيلمًا لا يعرف نهايته.

لفحني هواء الصيف الحار، حاملاً معه رائحة التراب والصخر والرمل. كانت الأرض غير معبّدة، كأن الحي بأكمله يصرخ: "هذا المكان لم يكتمل بعد". حيٌّ لعـين... لا يشبه شيئًا.

أغمضت عيني للحظة. نسمةٌ خفيفة كسرت الحرارة، رفرفت أطراف قميصي، ففتحت عيني مجددًا. في صدري... حنينٌ وضياع.

تمتمت بصوت بالكاد خرج من شفتي: – شهاب... أريد البقاء في السيارة.

لكن صوته جاء صارمًا، بلا تردد: – انزل الآن.

نزلت. وقفت أمام السيارة، نظرت إليه، وقلت بابتسامة: – لا تمت في رحلتك، لازال لديك هدف... مع أنه لن يتحقق.

رفع حاجبه بخفة وقال: – حسنًا، حسنًا... لنرَ.

ثم، بكل وقاحةٍ مرحة، زاد سرعة السيارة فجأة. النتيجة؟ وجهي امتلأ بالغبار.

ابتعدت وأنا أمسح الرمل عن عيني وقلت بغضب: – شهاب يا لعين! مت!!!

تنهّدت. نظرت للمنزل. هذا هو...

حدّقت فيه طويلًا، كأنني أحاول أن أفهم شيئًا ما. تمتمت: – آه... كانت نهضة طويلة.

ثم ابتسمت، ابتسامة صغيرة كمن اقتنع أخيرًا. في النهاية، أن ترى عائلتك سعيدة... هذا كل شيء.

لكن... نحن لم نتفق على هذه الحرارة العالية!

ضحكت بخفة. كنت أعيش كوميديتي الخاصة، كالمجنون الذي يهمس لنفسه وسط الشارع.

لكن كما يحدث دومًا... عندما تظن أن الحياة أخيرًا تبدأ بالتماسك... يأتي شيء لا تتوقعه. شيء يخرب كل شيء. كل ما بنيته... ينهار. فجأة. بلا إنذار.

2025/07/20 · 36 مشاهدة · 1321 كلمة
Frost_AR
نادي الروايات - 2026