[منظور إدغار سكارليث]
تحركتُ خلف جاستين عبر الممرات الباردة تحت الأرض، حيث بدا أن الهواء نفسه يضيق على صدري. كانت الإضاءة الخافتة ترسل ظلالًا باهتة على الجدران المعدنية السميكة، وكل خطوة كنت أخطوها كانت تتردد في أذني، كأنها همسات تحذرني مما أنا على وشك رؤيته.
رأيتُ القلب، ذلك الكابوس الذي لا يمكنني حتى استيعاب وجوده. رأيتُ كارون، الوحش الذي بدا وكأنه يفوق الكائنات الحية رعبًا. ثم المدنس، الكابوس الثالث، الذي ما زلت أشعر بآثاره تتغلغل في عقلي، كأنه لطخ وجودي بشيء قذر لم أستطع التخلص منه.
والآن… حان الوقت لرؤية الرابع.
توقّف جاستين أمام باب ضخم، مختلف عن الأبواب الأخرى. لم يكن مصنوعًا من المعدن فحسب، بل بدا وكأنه مصنوع من مادة غريبة لم أتعرف عليها. لم تكن هناك أي فتحات للرؤية، ولا حتى أدنى علامة تدل على ما يوجد خلفه. لكن كان هناك شيء واضح جدًا… الرهبة التي تسربت عبر الجدران وكأنها شيء حي.
التفتّ إلى جاستين، الذي وقف بهدوء كعادته، لكنني كنت أعرف أن حتى هو يشعر بالقلق هذه المرة. قلت بصوت منخفض، لم أكن أدري ما إذا كنت أستجوبه أم أستحثّ نفسي على المضي قدمًا:
"أي كابوس هذا؟"
لم يجبني جاستين فورًا، بل نظر إلى الباب للحظات، كما لو كان يفكر فيما سيقوله. ثم قال ببطء:
"هذا واحد من الأكثر غموضًا بين السبعة… نحن لا نفهم ماهيته تمامًا، ولا حتى كيف يحتفظ بوجوده."
لم أفهم ما يقصده، لكن قبل أن أسأله، قام برفع يده إلى لوحة تحكم بجانب الباب، وأدخل سلسلة من الرموز السرية. أصدر الباب صوتًا منخفضًا أشبه بالهمهمة… ثم بدأ بالانفتاح ببطء.
شعرتُ بقشعريرة تجتاح جسدي على الفور.
كان الظلام وراء الباب مختلفًا عن أي ظلام رأيته من قبل. لم يكن مجرد انعدام للضوء، بل بدا وكأنه فراغ، كأنه مساحة خالية من كل شيء… حتى من المنطق نفسه.
ثم، وسط ذلك الفراغ، تحرّك شيء.
لم أستطع رؤيته بوضوح في البداية، لكنني شعرت بوجوده. كان هناك شعور غامر بالسقوط، وكأنني اقتربت من هاوية لا قاع لها. كل جزء من عقلي حذّرني من التحديق، لكنني لم أستطع منع نفسي.
ثم… فتح ذلك الشيء أعينه.
لا، لم تكن أعينًا. كانت ثقوبًا سوداء، دوامات من الفراغ المطلق، تمتص الضوء والوجود نفسه.
شعرت بذهني يتصدع للحظة. كأن شيئًا داخلي يُمزق بعيدًا عني. تراجعت خطوتين، لكن الشعور لم يختفِ.
ثم، وسط ذلك الفراغ المتحرك، ظهرت ابتسامة.
لم يكن لها شكل محدد، لم تكن حتى فمًا حقيقيًا، لكنها كانت هناك، ابتسامة بلا معنى، بلا شفقة، بلا منطق.
همس جاستين بجانبي:
"نحن نسميه... 'الهاوي'."
وقفتُ متسمّرًا أمام المشهد المريع، لم أعد متأكدًا إن كنت أتنفس أم لا. ذلك الشيء… الهاوي… لم يكن مجرد مخلوق كابوسي آخر، بل كان شيئًا يتحدى كل ما أعرفه عن الحياة والموت.
بدأ الفراغ نفسه يتحرك.
كأن الظلام الذي يغلفه ليس مجرد عدم وجود للضوء، بل شيء حيّ… شيء ينبض… شيء يراقبني. كل جزء في جسدي صرخ كي أتراجع، لكنني لم أستطع أن أحرك حتى إصبعًا واحدًا.
ثم، من ذلك السواد العميق، امتدت يد.
أو على الأقل، ما يشبه اليد. لم تكن مصنوعة من لحم أو عظم، بل من… ظلام متجسد. الأصابع طويلة بشكل غير طبيعي، وكأنها تمتد وتلتوي عبر أبعاد غير مرئية. كلما تحركت، كانت تترك وراءها أثرًا من الفراغ، كما لو أنها تمحو الواقع نفسه.
"لا تنظر إليه مباشرة لفترة طويلة."
صوت جاستين قطع السكون المروع، لكنه لم يكن صوتًا هادئًا كعادته. لأول مرة، شعرتُ بقلق حقيقي في نبرته. نظرتُ نحوه بسرعة، فقط لأستعيد السيطرة على أنفاسي المتسارعة.
سألته بصوت مرتجف، وأنا أحاول أن أسيطر على فوضى أفكاري:
"ما… ما هذا بحق الجحيم؟"
جاستين لم يلتفت إليّ، عيناه ظلّتا مثبتتين على المخلوق داخل الحجرة المغلقة. ثم قال بصوت منخفض جدًا، كما لو أنه يخشى أن يسمعه المخلوق:
"هذا ليس مجرد مخلوق كابوسي، إدغار. هذا شيء مختلف… شيء كان موجودًا قبل أن نعرف ما تعنيه كلمة 'الخوف'."
كنت أستطيع أن أشعر بذلك في أعماقي. هذا لم يكن مثل كارون، ولا مثل القلب أو المدنس. أولئك كانوا وحوشًا مرعبة، لكن على الأقل يمكنني استيعاب وجودهم، حتى لو كان ذلك بصعوبة.
أما هذا… هذا كان خطأ في الوجود نفسه.
ثم، فجأة… ابتسم الهاوي.
لا أعرف كيف، ولا لماذا، لكنني رأيتُ الابتسامة، رغم عدم وجود ملامح على ذلك الوجه الفارغ. مجرد انحناءة غير طبيعية في الفراغ، وكأن العالم نفسه قد تشوّه ليشكل تلك الابتسامة.
شعرتُ بشيء داخلي ينكسر.
لم يكن شيئًا ماديًا. لم يكن عظمًا أو عضلة، بل شيء أعمق من ذلك… شيء في ذهني.
الذكريات.
كنت أنساها.
ببطء… بدأت أشعر بفراغ داخلي، كأن أجزاء من حياتي تُنتزع مني. وجوه مألوفة، أماكن، أحداث… كلها كانت تتلاشى ببطء، وأنا أدرك ذلك، لكنني لا أستطيع أن أوقفه.
"أغلق الباب، الآن!"
جاستين صرخ فجأة، ويده تحطمت على لوحة التحكم بجانب الباب. عاد المعدن الثقيل لينزلق ببطء، لكن كل لحظة كان الباب مفتوحًا كانت بمثابة قرن من العذاب.
قبل أن يُغلق تمامًا، كان الهاوي لا يزال يحدق بي. أو على الأقل، شعرتُ بأنه يحدق بي. لا أعلم إن كان يملك أعينًا حقيقية، لكنني كنت أعلم أنه يراني… وأنه عرفني الآن.
ثم، وللحظة أخيرة قبل أن يُغلق الباب تمامًا…
سمعتُه يضحك.
لم يكن صوتًا. لم يكن حتى همسًا. كان مجرد شعور، كأن الضحك لم يكن مسموعًا، بل مزروعًا داخل رأسي مباشرة.
وبعدها… ساد الصمت.
انحنيتُ للأمام، أتنفس بصعوبة، أدرك أنني كنت أرتجف. نظرتُ إلى يدي، فوجدتُ أنها مغطاة بالعرق، وعيناي كانتا تدمعان دون أن أفهم السبب.
التفتُّ إلى جاستين، الذي كان يقف مستقيمًا، لكنني لاحظتُ كيف كانت قبضته مشدودة بشدة، وكأنه يحاول إخفاء ارتجافه.
قلت بصوت متقطع:
"ما… ما الذي حدث للتو؟"
أجابني جاستين، لكن هذه المرة، كان صوته أثقل من أي وقت مضى:
"الهاوي لا يقتل بيديه، إدغار. إنه شيء أسوأ من ذلك… إنه يجعلك تنسى أنك كنت موجودًا من الأساس."
ظللتُ أحدّق في الباب المعدني المغلق، محاولًا استيعاب ما حدث للتو. كان جسدي لا يزال يرتجف، وأشعر كما لو أنني فقدتُ جزءًا من نفسي هناك… خلف ذلك الباب.
التفتُّ نحو جاستين، كان صامتًا لبرهة، وكأنه يحاول أن يقرر من أين يبدأ. ثم تنهد ببطء وقال بصوت منخفض:
"الهاوي ليس مثل بقية الكوابيس، إدغار. ليس مثل كارون، أو المدنس، أو حتى القلب."
تراجعتُ خطوة للخلف، لا أعلم إن كان هذا بسبب كلماته أو بسبب الشعور الثقيل الذي لا يزال يحيط بالمكان، وكأن المخلوق كان لا يزال يراقبنا رغم أنه خلف جدار سميك من المعدن والطقوس السحرية.
"إذن… ما هو؟"
نظر جاستين إليّ نظرة عميقة قبل أن يقول:
"هو 'عدم'. هو خطأ في الوجود ذاته. هو شيء لا يجب أن يكون هنا، ومع ذلك… هو موجود."
ارتجفتُ مجددًا. كان صوته هادئًا، لكنه كان يحمل في طياته خوفًا لا يُخطئه أحد. لم يكن هذا الرجل يخشى شيئًا بسهولة، لكن هذا المخلوق؟ … هذا الشيء؟ حتى جاستين لم يستطع إخفاء رعبه منه.
سألته ببطء:
"كيف أتيتم به إلى هنا؟"
صمتَ للحظة، وكأنه يتذكر شيئًا بشعًا، ثم قال:
"الحقيقة؟ نحن لم نحضره… لقد كان هنا دائمًا."
شعرتُ ببرودة قاسية تزحف على عمودي الفقري.
"ماذا تقصد؟"
نظر جاستين إلى الأرض وقال بصوت ثقيل:
"قبل 200 عام، أثناء إحدى محاولات العائلة لاكتشاف أصول مخلوقات الكابوس، حاول أحد أسلافنا – شخص طموح أكثر من اللازم – أن يستخدم طقوس استدعاء محظورة… أراد أن يستحضر أحد الكوابيس مباشرة، ليتمكن من دراسته وفهم طبيعته."
شعرتُ بقلبي ينبض بسرعة. الطقوس المحظورة؟ لم تكن شيئًا يتحدث عنه الناس بسهولة، حتى داخل العائلة.
تابع جاستين، وعيناه شاردتان، كأنه يسترجع مشهدًا لم يكن يريد تذكره:
"لكن بدلًا من أن يستدعي مخلوقًا يمكنه فهمه… فتح الباب أمام شيء لا يمكن لأحد أن يفهمه."
"الهاوي خرج من العدم."
تجمدتُ في مكاني.
"خرج؟"
نظر إليّ مباشرة وقال بصوت هادئ جدًا، لكن كل كلمة كانت تحمل وزنًا ثقيلًا:
"لم يظهر. لم يتسلل. لم يُستدعَ. لم يأتِ من مكان آخر. بل خرج من الفراغ ذاته، كما لو أنه كان هنا منذ الأزل… لكنه قرر أن يكشف عن نفسه فقط في تلك اللحظة."
أحسستُ بعرقي يبرد. شيء مثل هذا…؟ لا يمكنني حتى تصوره.
"إذن، أنتم لم تمسكوه؟"
ضحك جاستين بسخرية، لكنها لم تكن سعادة… بل يأسًا.
"إمساكه؟ نحن لم نقيده، إدغار. لم نحبسه، لم نسيطر عليه… هو فقط… قرر البقاء هنا."
أشعرُ بأن روحي تكاد تهرب من جسدي.
"انتظر… ماذا؟"
"نعم."
صمتَ جاستين قليلًا، ثم قال بصوت بطيء جدًا، وكأنه يخشى أن يسمعه شيء آخر:
"الهاوي يستطيع أن يخرج متى شاء. يستطيع أن يذيب هذه الجدران كما لو أنها لم تكن موجودة من الأساس. حتى النصل الذي صنعناه، والذي أثبت قدرته على إضعاف مخلوقات الكابوس… لا يؤثر عليه."
كدتُ أتراجع أكثر، لكنني أُجبرت على الثبات في مكاني.
"إذا كان بإمكانه المغادرة… فلماذا هو لا يزال هنا؟"
عند هذه النقطة، التقت عينا جاستين بعيني مباشرة، وكان في نظرته شيء لم أره من قبل. لم يكن مجرد خوف، بل رهبة.
قال بصوت بالكاد كان يُسمع:
"هذا هو السؤال الذي لا نملك له إجابة… وهو أكثر ما يرعبنا."
شعرتُ بقلبي ينبض بعنف داخل صدري.
"إدغار… هذا المخلوق ليس محبوسًا. هو فقط… 'يريد' أن يكون هنا."
مرت لحظات من الصمت القاتل، لم أعد أسمع سوى أنفاسي المتسارعة. كل شيء بدأ يصبح أكثر جنونًا.
"لكن لماذا؟"
ابتسم جاستين ابتسامة خفيفة، لكنها لم تكن تحمل أي سعادة.
"هل تظن أنني لم أحاول أن أفهم؟ لقد أرسلت أقوى العقول في العائلة، أقوى السحرة، أعظم العلماء… لكن لا أحد استطاع أن يقدم إجابة واضحة."
ثم اقترب مني قليلًا وقال بصوت منخفض:
"ولكننا جميعًا نعرف شيئًا واحدًا… فقط شعور داخلي… لكنه واضح كالشمس."
سألته ببطء، وأنا أشعر بأن كلماته ستزيد من رعبي:
"ما هو؟"
ثبتَ عينيه في عيني وقال:
"إنه ينتظر شيئًا."
"ينتظر ماذا؟"
لم يجبني فورًا. ظلّ ينظر إليّ لثوانٍ طويلة، ثم قال بهدوء شديد:
"نحن لا نعلم… لكننا متأكدون من شيء واحد."
تقدّم خطوة أخرى، حتى كاد أن يهمس مباشرة في أذني:
"ما دام هنا… فهذا يعني أن الكابوس الحقيقي لم يبدأ بعد."
ظللتُ واقفًا في مكاني، أحاول أن أستوعب كلمات جاستين. كان الأمر أكبر من مجرد مخلوقات كابوسية قوية… هذا المخلوق، "الهاوي"، لم يكن حتى محبوسًا. كان بإمكانه المغادرة متى شاء، ومع ذلك، قرر البقاء هنا.
لكن لماذا؟
لم أستطع التخلص من الشعور العميق بالقلق الذي بدأ يتسلل إلى صدري. إذا كان هذا المخلوق الذي رأيته للتو ليس حتى أقوى الكوابيس، فكيف سيكون شكل الثلاثة المتبقين؟ هل سنتمكن حتى من النظر إليهم دون أن نفقد عقولنا؟
بينما كنت غارقًا في أفكاري، سمعت صوت جاستين يقطع الصمت الثقيل:
"يكفي لهذا اليوم، إدغار."
نظرتُ إليه، فوجدتُه يتأملني بعمق، وكأنه يقيّم مدى تأثير هذه المشاهدات عليّ. لكنني لم أتردد، لم أكن بحاجة إلى وقت للتفكير.
"متى سنرى الثلاثة المتبقين؟"
لم يكن في سؤالي أي تردد، ولا أي خوف.
ابتسم جاستين ابتسامة خافتة، وكأن ردي لم يكن مفاجئًا له، ثم قال بصوت هادئ:
"ليس اليوم، ولكن قريبًا… قريبًا جدًا."
لم أجادله. كنت أعرف أن ما رأيته اليوم كان كافيًا ليهز أعماقي، لكنني لم أكن مستعدًا للتوقف هنا. أردت أن أرى البقية، أردت أن أفهم طبيعة هذه المخلوقات، أردت أن أعرف كل شيء.
أدرتُ وجهي نحو الباب المعدني الضخم مرة أخرى، حيث كان "الهاوي" لا يزال خلفه… أو ربما لم يكن هناك أبدًا، وربما كان في كل مكان. شعرتُ بوخزة باردة في قلبي، لكنني لم أسمح لها بالسيطرة عليّ.
"حسنًا." قلت بهدوء، ثم نظرت إلى جاستين مباشرة. "عندما يحين الوقت، أرني كل شيء."
نظر جاستين إلي بعمق، ثم تنهد قليلًا قبل أن يقول بصوت هادئ لكنه يحمل ثقلًا هائلًا من الرهبة:
"إدغار، هناك شيء يجب أن تعرفه… الهاوي هو أقوى مخلوق من بين الكوابيس السبعة."
كانت كلمات جاستين تتردد في رأسي كصدى في كهف عميق.
"الهاوي هو أقوى مخلوق من بين الكوابيس السبعة."
لم أظهر أي ردة فعل واضحة، لكن داخلي… داخلي كان مضطربًا.
لقد رأيت القلب، ورأيت كارون، ثم المدنس، وكل منهم كان وحشًا خارج نطاق الفهم البشري، لكن جاستين كان يخبرني الآن أن هناك واحدًا أقوى من الجميع.
ظللت صامتًا للحظات، لكن جاستين واصل حديثه، وكلماته كانت ثقيلة، كأنها تحمل وطأة قرون من الرعب المكبوت.
"حتى كارون، وحتى المدنس، لا يمكن مقارنتهما به. الثلاثة المتبقون مرعبون بما يكفي، لكنهم ليسوا في مستوى الهاوي. ومع ذلك…"
توقف للحظة، وكأنه يمنحني وقتًا لاستيعاب كلماته، ثم أكمل بصوت منخفض لكنه مليء باليقين:
"هذا لا يعني أنهم أقل رعبًا."
شعرت بوخزة باردة تزحف عبر عمودي الفقري. لم يكن الأمر مجرد كلمات، لقد كنت هنا، كنت أرى بأم عيني وأشعر بالرعب الخام الذي ينبعث من هذه الوحوش.
إذا كان الهاوي هو الأقوى، فماذا عن الثلاثة المتبقين؟ هل يمكن لعقل بشري أن يستوعب مدى رعبهم؟ "هم لايقلون رعبا عنه. "