[منظور إدغار سكارليث]
مرت الأيام الثلاثة ببطء، لكنها لم تكن خالية من الأحداث. قضيت معظم الوقت في التفكير في كل ما رأيته، كل ما أخبرني به جاستين، وكل ما ينتظرني لاحقًا. لم أكن ساذجًا لأظن أن هذا كان كل شيء. لا، لقد كان هذا مجرد البداية.
وفي اليوم الثالث، كما توقعت، استدعاني جاستين.
عندما دخلت القاعة السرية، كان واقفًا هناك، عاقدًا يديه خلف ظهره، مظهره الجاد لم يتغير أبدًا.
نظر إليَّ بعينين حادتين وقال بصوت هادئ لكنه يحمل قوة الأمر:
"حان وقت المرحلة الثانية."
لم أكن بحاجة لسؤاله عن تفاصيلها، فقد كنت أعلم ما هي.
5000 وحش.
ليست مخلوقات كابوسية، لكنها ليست طبيعية أيضًا. لقد تم تعديلها بعناية من قبل العلماء، تحوير أجسادها وعقولها لتصبح آلات قتل حية. لا تعرف الخوف، لا تفهم الألم، ولا يمكنها التراجع حتى لو أرادت ذلك.
"ستنشرها عبر جميع الإمبراطوريات الست، بما في ذلك إمبراطورية سكارليث."
رفعت حاجبي قليلًا، لكنه أكمل قبل أن أتمكن من طرح السؤال الذي كان في ذهني.
"إذا لم نهاجم إمبراطوريتنا، فسيثير ذلك الشكوك. علينا أن نجعل الجميع يؤمنون أن هذا هجوم عشوائي، غير موجه."
أومأت برأسي. كان الأمر منطقيًا، لكنه أيضًا كان مخاطرة كبيرة. ومع ذلك، لم أكن هنا لأشكك في الخطة. كنت هنا لتنفيذها.
"متى تريدني أن أبدأ؟"
"الليلة."
ابتسمت بسخرية طفيفة.
"إذن لن نمنحهم أي وقت لالتقاط أنفاسهم بعد الهجوم الأول."
"بالضبط."
نظر إليَّ للحظة، ثم أضاف:
"هذه الوحوش ليست مجرد أدوات. إنهن اختبارات. إذا نجحت هذه المرحلة، فسنكون مستعدين للمراحل القادمة."
تنفست ببطء، ثم استدرت للمغادرة.
كانت الليلة ستكون طويلة... طويلة جدًا.
...
...
...
الليلة كانت باردة... لكن ليس كبرودة قلبي الآن.
وقفت فوق أحد الأبراج العالية في العاصمة، أنظر إلى الأفق المظلم، حيث سيموت الكثيرون الليلة. كان الهواء مشبعًا بالكهرباء، كأن العالم نفسه يحبس أنفاسه قبل الكارثة.
5000 وحش... كل واحد منهم ليس مجرد كائن حي، بل آلة قتل متعطشة للدماء. تم تعديلها بعناية، جُعلت قاسية، لا تعرف الخوف، ولا تتراجع. لا تعرف الرحمة، ولا تفكر سوى في التدمير.
"حان وقت البدء."
رفعت يدي، وأطلقت الإشارة.
وفي لحظة، بدأت الفوضى.
---
إمبراطورية فيرزادن
كان الجنود يسيرون في الدروب الجبلية الوعرة التي تحيط بالإمبراطورية، لم يكن لديهم أدنى فكرة عن أن الليل سيبتلعهم قريبًا.
أول من مات لم يدرك حتى أنه مات.
مخالب طويلة، سوداء، حادة كالسكاكين، انغرست في حلقه قبل أن يتمكن حتى من الصراخ. لم تكن هناك ضوضاء، فقط همس الرياح... ثم الجثة التي انهارت على الأرض، وعيناه مفتوحتان برعب.
ثم انفجر العالم بالصراخ.
الوحوش خرجت من الظلال كالأشباح، بعضها بحجم البشر، وبعضها كان بحجم الأحصنة. عيونها تتوهج باللون الأحمر، وأنيابها تقطر باللعاب السام.
تشققت العظام، تمزقت الجثث، سالت الدماء على الصخور. حاول بعض الجنود القتال، لكن الوحوش لم تكن مثل أي شيء واجهوه من قبل.
كانت تتحرك بسرعة خارقة، تتفادى الهجمات بسهولة، ثم تنقض على فريستها كما لو كانت تلعب معها قبل قتلها.
بعض الوحوش كانت تمزق ضحاياها إربًا بأنيابها، والبعض الآخر كان يقطع الرؤوس بمخالبه كما لو كان يقطف الزهور.
لم يكن هذا قتالًا... بل مذبحة.
---
إمبراطورية نيفيريا
في إحدى القرى النائية، كان الفلاحون يستعدون للنوم، غير مدركين أن وحوش الجحيم قادمة إليهم.
الليلة كانت هادئة جدًا، لدرجة أن صوت أول صرخة بدا وكأنه تمزق في نسيج الواقع.
في أقل من خمس دقائق، تحولت القرية إلى بحر من الدماء.
الوحوش لم تقتل فقط، بل كانت تستمتع.
كانت تمزق الأجساد، تلعق الدماء، وتعبث بالأحشاء كما لو كانت أطفالًا يلعبون بألعابهم. بعض الضحايا كانوا لا يزالون على قيد الحياة، يصرخون بجنون وهم يشاهدون أعضاءهم تُنتزع ببطء.
في وسط المجزرة، كان هناك طفل صغير، لم يكن قد تجاوز العاشرة. كان مختبئًا خلف برميل خشبي، يراقب بعينيه المليئتين بالدموع كيف يتم تدمير حياته أمامه.
رأى والده يُقطع إلى نصفين، ووالدته تُسحب بعيدًا وهي تصرخ باسمه. حاول أن لا يتحرك، أن لا يصدر أي صوت، لكنه لم يستطع منع الدموع من الانهمار.
ثم شعر بأنفاس ساخنة خلفه.
استدار ببطء... ورأى الوحش.
كان طويلاً بشكل غير طبيعي، جلده أسود لامع، وعيناه تتوهجان بلون الدم.
لم يكن هناك وقت للهرب.
آخر ما سمعه الطفل قبل أن يغرق العالم في الظلام، كان صوت أسنانه وهي تتحطم بين فكي الوحش.
---
إمبراطورية سكارليث
حتى إمبراطوريتي لم تكن آمنة.
الوحوش انتشرت في الضواحي، هاجمت القرى، قتلت بلا تمييز. كان يجب أن تبدو الأمور وكأنها فوضى عشوائية، وليس هجومًا مخططًا.
أنا نفسي وقفت على سطح أحد المباني، أراقب المشهد.
لم أشعر بشيء.
لم أشعر بأي ندم، ولا أي رحمة.
هذه مجرد خطوة... مجرد مرحلة من شيء أكبر بكثير. كان عليَّ أن أكون مستعدًا لرؤية الدماء تُراق، لرؤية العذاب يُنشر. لأن هذا هو العالم الذي نحن فيه.
العالم الذي لا يعيش فيه إلا الأقوى.
وفي هذه الليلة، أثبتت وحوشنا أنها أقوى من آلاف البشر.
---
في قلب إمبراطورية زاندرا، حيث تُمجّد القوة الجسدية فوق كل شيء، لم يكن أحد يتوقع أن يجدوا أنفسهم في مواجهة وحوشٍ لا تخشى الموت ولا تعرف التراجع. كانت الليلة مظلمة، والهواء يعبق برائحة الدم، حين بدأ الهجوم.
الفوضى تبدأ
صرخات القرويين مزقت سكون الليل، بينما اجتاحت جحافل الوحوش المدينة الأولى على الحدود. لم يكن هؤلاء وحوشًا عاديين؛ كانت أجسادهم ممزقة ولكنهم لم يتوقفوا عن القتال، عيونهم فارغة من أي شعور، أنيابهم تقطر بالدماء، وأيديهم الضخمة تمزق أجساد البشر كأنهم دمى من قماش.
وقف محاربو زاندرا الأشداء في مواجهة هذا الطوفان الدموي، أجسادهم مغطاة بالندوب القديمة، وعزيمتهم لا تهتز بسهولة. تقدم القائد "ريغنار"، أحد أقوى المقاتلين في الإمبراطورية، شاهراً سيفه العملاق وهو يصيح:
"لا تخافوا أيها المحاربون! نحن زاندرا، نحن لا نهاب شيئًا!"
لكنه لم يدرك أن ما سيواجهه هذه الليلة لم يكن شيئًا يمكن للبشر مقاومته.
المعركة الأولى: صدمة المحاربين
اندفع المحاربون لملاقاة الوحوش، سيوفهم تخترق الأجساد المشوهة، قبضاتهم تحطم العظام، لكن الوحوش لم تسقط. أيّ جراحٍ يُحدثونها كانت تُشفى بلحظات، وأيّ أطرافٍ يقطعونها كانت تتحرك وحدها، تهاجم كأنها كائن مستقل.
ريغنار بنفسه، وهو من حطم جماجم التنانين بقبضته، أمسك أحد الوحوش من رقبته وحاول تحطيمه بالأرض، لكن الوحش لم يتأثر. بدلاً من ذلك، انقضت عليه مجموعة منهم، مخالبهم تمزق جلده الصلب، وأنيابهم تغرز في لحمه. صرخ وهو يضربهم بكل قوته، لكنهم لم يتوقفوا حتى بدأ جسده يتفتت بين أنيابهم.
المجزرة الحقيقية تبدأ
في غضون دقائق، تحولت المدينة إلى جحيم من الدماء والأشلاء، صرخات النساء والأطفال تعالت مع أصوات تحطم العظام واللحم الذي يُنتزع من الأجساد. كان المحاربون يتساقطون واحدًا تلو الآخر، قوتهم الخارقة لم تعد تعني شيئًا أمام وحوش لا تموت.
أحد المحاربين، وهو يراقب الكابوس أمامه، همس لرفيقه:
"هذه ليست معركة… هذه إبادة."
لكن لم يكن هناك وقت للحديث، إذ قفز أحد الوحوش عليهما، وبدون أي عناء مزّقهما إلى نصفين.
الدمار الكامل
مع شروق الشمس، لم يتبقَ شيء سوى الدماء والخراب. بعض المحاربين نجحوا في الفرار إلى العاصمة، لكنهم كانوا في حالة من الرعب المطلق، بعضهم كان يهذي، وبعضهم كان يبكي كالأطفال. لم يكن الأمر مجرد هجوم، بل كان إعلانًا بأن إمبراطورية زاندرا، مع كل عظمتها، ليست محصنة من هذا الكابوس القادم.
وبينما كانت الأخبار تنتقل بسرعة إلى العاصمة، لم يكن أحد يدرك أن هذه لم تكن سوى البداية. الوحوش لم تتوقف، وما حدث هنا كان مجرد اختبار صغير لقوتهم الحقيقية…
في أعماق إمبراطورية إيسكار، حيث ترفرف رايات السحرة العظماء، كانت مدينة "فالدرون" الواقعة على الحدود الشرقية للإمبراطورية تنعم بالهدوء منذ عقود. كانت هذه المدينة بمثابة حصن خارجي، يقطنها آلاف السحرة من مختلف التخصصات، لكنها لم تكن محصنة بنفس قوة العاصمة.
جاءت الليلة المشؤومة، حينما انقضت جحافل الوحوش المعدلة بلا رحمة. كانت مقدمة الهجوم شرسة، قوامها مئات الوحوش المتوحشة التي زادتها التعديلات العلمية شراسة. عيونها الحمراء المتوهجة وسط الظلام بدت وكأنها مشاعل جحيم مشتعل.
داخل المدينة، تسلل القلق إلى قلوب السكان عندما سمعوا صرخات الموتى في أطراف المدينة. قبل أن يدركوا ما يحدث، كانت الجدران الخارجية تنهار تحت وطأة الكائنات المهاجمة. هرع السحرة إلى أسلحتهم، وأطلقوا تعاويذهم في محاولة لصد الهجوم.
اشتعلت السماء بسحر النيران والبرق، وانطلقت العواصف السحرية لتحصد أرواح الوحوش، لكن تلك الكائنات لم تعرف الخوف أو التراجع. كان كل واحد منهم وحشًا مجنونًا، يقاتل حتى الموت دون أدنى تردد.
اندلعت معركة دموية بين الطرفين، وفي كل لحظة كان السحرة يسقطون واحدًا تلو الآخر. بعض الوحوش لم تتأثر بالتعاويذ المعتادة، بل واصلت زحفها حتى وهي مشتعلة بالنيران أو ممزقة بأشعة البرق.
عند بوابة المدينة الشرقية، تجمع عشرات السحرة في محاولة أخيرة لحماية المدنيين الفارين. شكلوا حاجزًا سحريًا هائلًا، لكن الوحوش بدأت تضغط عليه بشدة، مخترقة طبقات الدفاع الواحدة تلو الأخرى.
وفي اللحظة التي كادت المدينة أن تسقط، ظهر أحد كبار السحرة، العجوز "أرماندو فاليرا"، وهو أحد أقوى سحرة إيسكار. رفع عصاه وبدأ يردد تعويذة قديمة، جعلت السماء تشتعل بلون أحمر دامٍ. انطلقت ألسنة نيران سوداء التهمت الوحوش في لحظات، لكن قبل أن يتمكن من القضاء عليها جميعًا، انقض أحد الوحوش العملاقة عليه، ممزقًا جسده إلى أشلاء قبل أن يسقط محترقًا بجانبه.
كانت الأرض قد تحولت إلى بحر من الدماء والجثث، ورائحة اللحم المحترق امتزجت بدخان السحر المتصاعد. رغم خسائرهم الفادحة، استطاع السحرة صد الهجوم في النهاية، لكن بثمن باهظ. لقد فقدوا العديد من كبار قادتهم، وتحولت مدينة "فالدرون" إلى أنقاض.
في قلب إمبراطورية سكارليث، حيث تتعالى أصداء صليل السيوف وصيحات المعركة، تحرك فرسان الإمبراطورية بسرعة، مستجيبين للكارثة التي حلَّت على إحدى المدن البعيدة عن العاصمة. المدينة كانت في فوضى عارمة، الوحوش المعدلة تجوب شوارعها، تمزق كل ما يعترض طريقها. صراخ الضحايا امتزج مع زئير الوحوش، بينما تصاعد الدخان الأسود في السماء.
تحرك الفرسان بانتظام مذهل، دروعهم المعدنية تعكس ضوء القمر، وسيوفهم تقطر بدماء الوحوش. في المقدمة، وقف القائد غاريوس، أحد قادة فرسان سكارليث ، بشعره الأبيض وندوبه التي تحكي قصص حروب لا تُحصى. رفع سيفه عالياً، قبل أن يهوي به على رأس أحد الوحوش، مشقوقاً جسده إلى نصفين.
كانت الوحوش شرسة، لا تعرف الخوف، تهاجم حتى في لحظاتها الأخيرة. أحد الفرسان لم يكن سريعاً بما فيه الكفاية، فانقض عليه وحش بأنيابه الحادة، ممزقاً حلقه قبل أن يُقتل بسيف آخر اخترق جمجمته. الدماء تناثرت في كل مكان، الهواء أصبح مشبعاً برائحة الموت.
في وسط المدينة، كان هناك وحش ضخم، ضعف حجم البقية، عيونه الحمراء تتوهج كالجمر. زمجر بقوة، صوته يهز الأرض، قبل أن ينقض على مجموعة من الفرسان، يطيح بهم كأنهم دمى قماشية. سقط فارس أرضاً، يحاول الزحف بعيداً، لكن المخالب الحادة مزقت جسده إلى أشلاء، أمعاؤه تناثرت على الأرض بينما الوحش يلتهم قلبه.
لكن الفرسان لم يتراجعوا. قفز غاريوس نحو الوحش العملاق، مستخدماً سيفه الضخم ليقطع أحد أطرافه. الوحش صرخ غاضباً، موجهاً ضربة بمخالبه، لكنها لم تصب سوى الهواء. استغل الفرسان الآخرون الفرصة، غرسوا رماحهم في جسده حتى اخترقت عظامه، ومع ضربة أخيرة من غاريوس، انفصل رأسه عن جسده.
المعركة استمرت ساعات، وكل دقيقة كانت أشبه بيوم كامل من الرعب. شوارع المدينة تحولت إلى أنهار من الدماء، الأشلاء البشرية ممزوجة بجثث الوحوش، المنازل محترقة، والجثث المتفحمة تنبعث منها رائحة الموت الكريهة.
وأخيراً، عندما بزغ ضوء الفجر، لم يبقَ أي وحش على قيد الحياة. كان الفرسان واقفين وسط ساحة المدينة، أنفاسهم متقطعة، سيوفهم تقطر بدماء الوحوش. لم يكن هذا انتصاراً، بل مجزرة.
وقف غاريوس يتأمل الجثث المتناثرة، قبل أن يغمغم بصوت منخفض: "اللعنة..."