ممر ونفق ممتد كأحشاءِ عالمٍ منسيّ.
طويل وهادئ بصورةٍ تبعث على القلق.
كانت الجدران والسقف وحتى الأرضية مغطاةً بآلاف البلورات الزرقاء، بعضها بحجم قبضة اليد، وبعضها ارتفع كالرماح العملاقة، مغروسًا في الصخور السوداء كأن الأرض نفسها أنبتتها عبر قرونٍ مضت.
لا مصدر واضح للضوء، ومع ذلك غمرت الأنفاق هالةٌ زرقاء باردة، ضوءٌ خافتٌ يتنفس داخل البلورات ثم يبهت ببطء، كما لو أن الممر حيٌّ وبقلب ينبض.
وبين حجر وآخر كان هناك ذئب صغير ينام بهدوء.
وفجأة قفز ذئب صغير آخر عليه وأيقظه.
منزعجًا قام الذئب الصغير وبدأ بملاحقته.
وكان هناك ذئب آخر يتثاءب في الخلف بعد أن أيقظه الضجيج المفاجئ، فحدق فيهما للحظة قبل أن يعود إلى النوم.
واستمرت المطاردة بين الاثنين حتى خرجا من النفق إلى مساحة شاسعة ومفتوحة حيث تضيء الأعشاب بألوانها المبهرجة.
وعلى حافة بحيرة كبيرة كان هناك العديد من الذئاب ذات الفرو الأسود تشرب بطمأنينة، وعلى صخور ونتوءات في الأرض تجلس وتنام وتسترخي مزيد من الذئاب.
وفجأة توقف العالم للحظة.
ظهر نفق أسود من عدم فجذب انتباه الذئاب.
مجرد فضول ولا علامة على الخوف. وقد تفاعل قائد القطيع أولًا وظل جالسًا يحدق ناحية النفق.
«خطوة»
ثم خطوة أخرى أسرع... وأخف.
تحرك أنف قائد القطيع فخفّ الحذر من عينيه.
وتردد صوت خطوات ليؤكد أن القادم ليس شخصًا واحدًا، بل شخصين.
شاب بعيون سوداء وشعر أبيض يبدو عليه التعب واللامبالاة، وخلفه رجل بشعر أسود وعيون قرمزية، ملامحه باردة ومن الصعب قراءتها.
وطيف ذئب يحوم حول كتف صاحب الشعر الأبيض.
"قطيع؟" عبس راي وتوقف عندما انكشف المشهد أمامه.
ونظر إلى الخيط الذي يشير نحو منطقة قريبة جدًا، حيث يجلس ذئب يحدق به بنفس نظرة الآخرين، لكنه لم يكن ذئبًا صغيرًا بل كان بالغًا بشكل واضح.
ثم لاحظ ذئبًا آخر يحدق به من الأعلى، وبدا أكثر هيبة من الجميع، كما بدا أكبر حتى من طيف قائد القطيع السابق، ومن مكانته كان من الواضح أنه قائد هذا القطيع.
لكنه لم يتحرك، فقط راقب بهدوء حتى لاحظ طيف القائد يحوم حول صاحب الشعر الأبيض، عندها زمجر بتحذير دون أن ينهض، محذرًا إياه بالابتعاد.
انتبه راي لذلك فرفع عينيه ليجد التحذير موجهًا إلى الطيف خلفه وليس له، فاقترب ري ليشرح له الوضع، لكنه لم يكد يتكلم حتى تحدث راي أولًا يسأل عن شيء آخر:
"لم تمر خمسة أيام، صحيح؟"
[الوقت داخل الهرم المقلوب أسرع بعشر مرات من الخارج، لذلك منذ خروجك أتوقع أنه مر أكثر من خمسين يومًا].
"هل لهذا تأخرت في إخراجي؟" سأل راي وهو يستدير ليواجه ري الذي صمت ولم يجب عن ذلك، ولم ينتظر راي الإجابة.
تنهد وهو ينظر إلى قطيع الذئاب أمامه قبل أن يأمر: "دعنا نتراجع".
[أمرك] أومأ ري دون أن يسأل عن السبب ولحق براي قبل أن يضيف: [إذا أردت شيئًا من ذئب الطيف فلا داعي للتردد، فهي لن تهاجم حامل المفتاح].
"لا أريد شيئًا" تباطأت خطوات راي ونظر نحو الذئب الذي أتى من أجله وتنهد بارتياح: "خمسون يومًا..."
لا أعلم ما حدث، لكن يكفي أنه بخير.
"لكن لم أتوقع أنه كان أنثى".
[عذرًا].
أشار راي نحو الذئب متسائلًا: "المكان الأقرب إلى قائد القطيع يكون ملكًا لزوجة القائد، صحيح؟"
نظر ري حيث يشير راي وأكد ذلك.
هناك، حيث كان يجلس الذئب المرتبط بالخيط الذي كان يتتبعه، يراقب منذ البداية، وفجأة تحركت؛ فتوقف قائد القطيع عن مراقبة الطيف فوق جسد راي ونظر إلى الذئب الأسود الذي تحرك برشاقة ونزل قافزًا بين صخرة وأخرى.
لاحظ راي أيضًا ذلك فتوقف يحدق بها وهي تقترب.
قفزة ثم تستقر، ثم تقفز مجددًا نزولًا ووصولا إلى الأرض ثم توقفت ونظرت إلى راي قبل أن تتقدم ببطء.
كان راي يراقبها دون أن يتراجع، دون خوف و تحركت عيناه فجأة لينظر خلفها حين وقف قائد القطيع ونزل أيضًا وبشكل أسرع، وقف أمامها مانعًا إياها من التقدم بينما ظل يحدق في الطيف بحذر.
[يبدو أنها تتذكرك].
"هل تعتقد ذلك؟" سخر راي بينما يركز على ظهر يده ويخفي طيف الذئب، فانخفض حذر قائد القطيع أمامه، وتركها تمر لكنه لا يزال يراقب.
راقب ري بهدوء أيضا من جانب وهو ينظر إلى راي يقترب من ذئبين بنفسه؛ فكان أحدهما أطول منه ارتفاعًا ويبدو بشكل واضح أنه ذكر وقائد القطيع، بينما الأقل ارتفاعًا اقتربت أكثر عندما مد راي يده قربها لتقرّب أنفها من كفه تستنشق الرائحة قبل أن تتفاعل.
تفاعلت بحماس وهي ترمي نفسها على راي و تراجع قائد القطيع عندما لاحظ تفاعلها مع راي، ليبتسم راي ويستقبلها دون توتر.
عانقها وعبث بفروها قبل أن يحدق بها مكررًا أفكاره: "يسرني أنك بأمان".
متفاعلةً مع راي، قامت بلعق وجهه بالكامل عدة مرات ليبتسم ويعود بعض الضوء الذهبي لعيونه السوداء، ثم نظر راي إلى الذئب القائد الذي جلس جانبًا بتعبير منزعج.
مد يده بعد أن وقف ، فحدق به الذئب القائد طويلًا وحدق بكفه قبل أن يدير رأسه جانبًا.
"لا تبدو ودودًا".
قبل أن يتنهد راي مستسلمًا، وجد الذئب بجانبه يزمجر بتحذير، فتفاعل القائد مع ذلك التحذير وبدا كما لو أنه تنهد قبل أن يقترب.
ابتسم راي ووضع يده فوق رأسه قبل أن ينظر إلى ري.
واختفت ابتسامته وهو يسأل ببرود: "هذا الختم الذي بظهر كفي، ماذا يفعل؟"
[إنه علامة] توقف ري قليلاً قبل أن يجيب: [علامة أنك جزء من القطيع، عادة يحملها كل من يعترف بهم زعيم العشيرة على أنهم جزء منها].
[وبذلك، إذا كان هناك احتمالية لموت كل القطيع، فسوف يحاول أحد حاملي هذه العلامة النجاة، ويحمل أطياف عشيرته للبحث عن حجر الشعلة ومساعدة القطيع في الحصول على أجساد جديدة].
[بذلك يحافظون على بقاء العشيرة].
"قالت أرثيل إن لا شيء يموت داخل الهرم" تحدث راي بينما يربت على رأس الذئب الأنثى ويضع يده الأخرى على رأس الذكر.
[نعم، مفهوم الموت هنا مختلف، هذا كل ما في الأمر].
"ماذا لو تم القضاء على القطيع بالكامل؟"
[عندها تتفرق الأطياف لتبحث عن حجر الشعلة بنفسها وتجدد شعلتها بنفسها، وكل ذئب بعدها إما يجد عشيرة أخرى داخل الطابق الأول أو ينشئ واحدة بنفسه].
[للعلم، فقوة الذئب لا تختفي بعد الموت، لذلك من السهل على قادة عشائر سابقة أن ينشئوا عشائر جديدة].
"أرى" نظر راي إلى الذئبين أمامه وسأل: "هل يمكنني الحصول على علامة من هذا القائد أيضًا؟"
[هذا...] توقف ري مترددًا في الإجابة.
"أخبرني مباشرة".
[الأمر مثل الحصول على اعتراف من ملكين].
[وبما أن العلامة تمنحك حق استخدام قدرة اللهب الأسود، فإن الحصول على علامة أخرى من قطيع آخر قد يعزز تلك القدرة، وبما أن جسدك غير مستعد لذلك فقد...]
"ماذا سوف يحدث؟" سأل راي عندما توقف ري، فأجاب الأخير بعدها مباشرة:
[سوف تلتهمك تلك القدرة].
[اللهب الأسود ليس لهبًا طبيعيًا، فهو يتغذى على حيوية الجسد ليقدم العديد من التعزيزات، لكن جسدك حاليًا...]
"لقد فهمت" قاطع راي فلم يتابع ري.
واقفًا أمام الذئبين، صمت قليلاً قبل أن يومئ برأسه وهو يربت على الذئب القائد: "لا أعلم ماذا أفعل الآن غير الاستمرار بالتقدم، لذلك أعتمد عليك في الاعتناء بها".
ضاقت عينا الذئب القائد فابتسم راي: "هل تسخر مني الآن؟"
تفاعل القائد وأدار رأسه جانبًا قبل أن يعود للنظر إلى راي.
"حسنا، سوف أغادر الآن، لكني سأعود".
وقفت الذئاب الأخرى أيضًا لتقترب، فابتسم راي مشيرًا إلى ري: "سوف نغادر أيها المكعب".
[أمرك].
__________
نهاية الفصل
__________