123 - [ليلية القمر الأحمر (الظلام)]

​مدينة الكوثر... ساحة الحرس الإمبراطوري الجنوبي.

​لقد اقترب الوقت.

​تفصلنا بضع ساعات عن ذلك الوقت المشؤوم.

​"أيها القائد.. الحراس مستعدون."

​تنهد وأومأ برأسه: "أنا قادم."

​يا ترى كم سوف ينجو، ومن سوف ينجو من هذه الكارثة؟

​انسَ الأمر.

​هذا ليس وقت التفكير بذلك، فأنا أمام قلوب ترتجف لفكرة ما هو قادم.

​ليس هناك من لم يعش هذه الليلة من قبل، لكن بعضهم مجرد جنود جدد وهذه هي المرة الأولى لهم في الخطوط الأمامية.

​دعنا نركز على ذلك فقط.

​"اسمعوا جميعاً".. أمام حراس الإمبراطورية.

​أخرج رودس سيفه العملاق وطعن به الأرض مسبباً موجة من الهواء أعادت قلوب الجنود من الهاوية.

​"اسمعوني أيها الأوغاد"

​"لم يبقَ سوى بضع ساعات لموعد موتكم."

​"ولا تفكروا في هرب أو نجاة من هذا الإعدام."

​"كل ما عليكم فعله هو الموت."

​"لكن قبل أن تموتوا، تذكروا ما الذي تتركونه خلفكم وتقدموا للأمام، وتخلصوا من كل ما يهدد إرثكم."

​"لا تتوقفوا مهما حدث."

​"اقتلوا، اقتلوا، واقتلوا حتى تصعد أرواحكم إلى السماء."

​"إن فقدت سلاحك استخدم قبضتك، وإن فقدت قبضتك استخدم أقدامك، وإن فقدت أطرافك استخدم أسنانك، لا تستسلم حتى النهاية."

​"حتى لو كنت تحتضر، استخدم تلك الروح اللعينة والعن تلك الوحوش حتى بعد الموت."

​"هل تفهمون؟"

​"أمرك!" اهتز المكان بصوت رجل واحد.

​فرفع رودس السيف وأشار به: "فليتخذ كل واحد منكم موقعه، إن سمعت أنين بكاء أي عاهرة منكم فسوف تقابل سيفي قبل أن تقابل نهايتها المشرفة."

​"من هذه اللحظة فصاعداً انسوا أنكم جنود."

​"أنتم قادة ومهمتكم واحدة."

​"لا يجب أن يتخطى أي شيء لعين هذه الجدران."

"مفهوم"

​"مفهووم" أومأ الجنود بروح واحدة.

​.....

​وفي هذه الأثناء... مدينة رين.

​المدينة التي حل عليها اليأس بعد الكارثة التي ضربتها مؤخراً، ورغم كل المحاولات فلم تجد نفسها مستعدة لهذه الليلة، لتقف القوات المسؤولة عن الدفاع أمام قائد يرتجف أكثر من جنوده.

​وكان نائبه يحدق به ببرود قاتل.

​لكن على عكس القائد، كانت حالة الجنود مسترخية.

​بعضهم تنهد وابتسم: "رؤية هذا الوغد خائفاً بهذه الطريقة كل مرة تريحني نوعاً ما."

​"لا تقل ذلك، المجندون الجدد مرعوبون."

​"هههه، هل هناك داعٍ للتوتر؟ فهذه مدينة محكوم عليها بالهلاك، كل ما علينا فعله هو تأخير العدو حتى تشرق الشمس، صحيح؟"

​"ماذا تقصد يا جوردين؟"

​"لن ننجو" ابتسم جوردين بهدوء "هذه المدينة لن تنجو."

​"أأيها اللعين!" متقدماً، سحب أحد الحراس جوردين من قميصه وصرخ بوجهه: "هل تعرف ما تقوله؟"

​"الحقيقة؟" نظر جوردين خلفه، وكلماته شلت أجساد الجنود حتى أصبح الصف المنظم فوضوياً.

​حتى القائد الذي يقف أمامهم مرتجفاً انكمش على نفسه وبدأ في البكاء.

​فابتسم جوردين ونظر لهم ببرود: "هل تتوقع من هؤلاء حماية حياة نصف مليون شخص؟"

​"حثالة لا تستطيع حتى حماية نفسها من الموت."

​"أنت!"

​"توقف!" رفع الجندي يده ليلكمه فأوقفه صوت نائب القائد.

​"أي كلمة أخرى وسوف تتعاملون معي قبل الوحوش" أخرج نائب القائد سيفه وأنزله على رأس القائد المرتجف قاطعاً رقبته وهو يتابع ببرود:

​"ليستعد الجميع، سوف أستلم القيادة من الآن."

​"لقد... لقد قتله!"

​"هل من اعتراض؟"

​ابتلع الجنود ريقهم وبدأوا بالتحرك بسرعة لتنفيذ أوامر نائب القائد، الذي وقف يحدق لرأس القائد المقطوع بعيون تعرف عواقب ما فعله.

​لكن سرعان ما تلاشى أي أثر للمشاعر بعينه.

​وحدق أمامه بهدف ثابت:

​الدفاع عن ما تبقى من هذه المدينة التي فقدت قائدها.

​.......

​العاصمة... مدينة أستر.

​"ماذا؟ ماذا نفعل يا يورو؟" تحت الأرض.

​في متاهة أنفاق تحت المدينة، وفي أحد مساحات الملجأ المعزولة، وقف سون أمام يورو متوتراً وهو يرى حراس المدينة يتفقدون الناس ويطرحون أسئلة بينما يقتربون منهم.

​وقف سون يمسك بكمّ يورو وهو ينظر لهم خائفاً: "إذا عثروا علينا ونحن نحمل هذه المخدرات سوف ينتهي أمرنا!"

​"اخرس يا سون."

​"لكن... لكن..."

​"قلت اخرس، فقط اجلس بهدوء وراقب."

​"سمعت أن الإمبراطور صارم مع هذه الأشياء هذه الأيام، هل سيتم إعدامنا؟"

​"إن قلت شيئاً آخر... سوف أقوم بقتلك بنفسي."

​ابتلع سون ريقه وهو ينظر إلى حارسين يقتربان تدريجياً منهم بينما يفحصان الحقائب.

​"يورو!"

​"اصمت، لن يجدوها إذا صمتّ."

​أمر يورو، وسرعان ما تحققت مخاوف سون.

​أتى أعضاء حرس المدينة ليطرحوا أسئلة بدأت بالاسم والوضع والمدينة أو القرية التي أتوا منها.

​"أتينا من مدينة الكوثر... قبل أيام." تحدث يورو بينما تردد سون قبل أن يجيب.

​"فهمت، لا داعي للتوتر، نريد التأكد من بضع أشياء فقط." أشار الحارس مهدئاً سون قبل أن يتابع طرح أسئلته.

​وطلب الآخر أن يفتحوا أغراضهم للتأكد مما إن كانوا يحملون أي شيء ممنوع.

​"لـ.. ليس هناك شيء!"

​غبي!... لعن يورو.

​"نريد التحقق فقط." ابتسم الحارس وهدأه قبل أن يبدأ في التحقق، وقبل أن يقول سون شيئاً أكثر، سحبه يورو وأشار له بنظرة صارمة تأمره بالهدوء.

​وبدأ الحارس يستخرج ما في الحقائب.

​طعام، ملابس، بعض اللحوم والأعشاب، وبعض الأغراض الغريبة، فتوقف عند أحدها وسأل: "ما هذا؟"

​"إنه مجرد داعم أستخدمه للعجلة، كنت قلقاً أن يُسرق مني لذلك أحضرته معي."

​نظر الحارس للأداة وضرب بها كفه عدة مرات ثم أشار: "يبدو ثقيلاً ومن الممكن استخدامه كسلاح حاد."

​"يمنع إحضار أسلحة إلى الملجأ" تحدث الحارس الثاني بينما يدون شيئاً "نظراً لاحتمالية استخدام هذا الشيء كسلاح، فسوف نقوم بتسجيله باسمك، تعال إلى المكتب من أجل استلامه لاحقاً."

​"لا بأس معي" أشار يورو بيده دون امتناع، فأومأ الحارس مقدراً تعاونه قبل أن ينهي الفحص بتأكيد:

​"حسناً ليس هناك شيء غريب.. شكراً لتعاونك."

​"بكل سرور."

​«أيها الملعون!»

​فجأة دوت صرخة في مكان ليس ببعيد.

​شجار جديد على المكان.

​نظر الحراس نحوه للحظة وتابعوا التسجيل قبل أن يغادروا في اتجاه معاكس بعد توديع سون ويورو.

​نظر سون نحو الشجار ليلاحظ قدوم حراس بزي مختلف نحو مكان الشجار بسرعة للتعامل معه.

​فتنهد مسترخياً.

​ومع دخول آخر شخص إلى الملجأ، تم إغلاق الأبواب.

​ويسيطر السكون على المدينة، ولا يبقى في المدينة سوى حراس الأسوار.

​وساعات قليلة قبل أن يفي العالم بوعده.

​فركض الجنود لمواقعهم بسرعة.

​وفي هذه الأثناء...

​بحر الفوضى، خندق راج أريو.

​فوق سطح البحر الهادئ رغم سوء الطقس والأمطار المتساقطة، حلقت شخصية سوداء تحت الغيوم منطلقة نحو اليابسة.

​انعكس ظل الشخصية السوداء على السطح الهادئ رغم قطرات المطر، وفجأة حرك رأسه ونظر نحو ظله عابساً.

​"هناك شيء!"

​لم ينتظر ليرى ما هو ذلك الشيء.

​اصطدم جسده بالهواء وتحول مسار طيرانه بشكل عمودي وبزاوية قائمة، واندفع صعوداً نحو السماء، وخلفه؟

​ظهر ظل صغير ونما وتوسع بسرعة حتى غطى مساحة تصل لعشرات الأمتار، وبدأ السطح الذي لم يتأثر حتى بقطرات المطر بالهيجان كاشفاً عن صفوف من أسنان مدببة، ووجه مخلوق اندفع من الأعماق صاعداً نحو السماء خلف الشخصية السوداء.

​مثل حوت يطارد ذبابة.

​كان فرق الحجم هائلاً، ولم يتوقف الشخص عن التحليق حتى اخترق جسده الغيوم الكثيفة ويستمر بالاندفاع وسط قطرات الماء الباردة وشرارات البرق وصوت الرعد.

​ثم اخترق الغيوم من جهة أخرى ليصعد نحو سماء هادئة.

​واستمر بالانطلاق صعوداً لتبرز أسنان بين الغيوم قبل أن تبدأ بالاقتراب من بعضها البعض وينغلق فم الوحش على الغيوم، ثم يبدأ بالسقوط قبل أن يكشف عن جسده بالكامل عائداً نحو البحر، تاركاً أمامه فجوة في السماء.

​ولاحظت الشخصية السوداء ذلك، فتحول مسار طيرها بزاوية قائمة عائدة لمسارها نحو اليابسة.

​متجاهلاً الوحش تماماً.. مستعجلاً.

​وتردد صوت انفجار الماء تحت ثقل حجم الوحش خلفه.

​وبينما يحلق، رفع عينه لا محالة نحو السماء، يحدق في القمر المصفر الذي بدا كأنه يقترب وينمو فضاق تعبيره وانطلق بشكل أسرع نحو اليابسة مخترقاً الهواء وتاركاً خلفه موجة صوتية.

​«صوت الجرس»

​وفي أعقاب الهدوء الذي خيم على القارات الست والجزر والدول المنتشرة في كل بقاع الأرض.

​بدأ صوت رنين الجرس يعلو في كل مدينة فور أن توقف سقوط الثلوج فجأة وبدأت الغيوم تتلاشى.

​سماء صافية وليلة خيمت على كل بقاع العالم.

​ومن كان يتمتع بحرارة الظهر كان مستعداً للتحول المفاجئ للسماء لظلام الليل البارد.

​وتحول الليل إلى الظلام، وأمام غضب الظلام تراجع الضوء وانطفأ، فسقط كل كاهن وكل من يملك سمة النور أرضاً، يتنفس بصعوبة ويلهث محاولاً الحصول على ذرة من هواء.

​نبض القلب الخائف.

​من الإمبراطورية المقدسة إلى تحت المعابد في كل دولة حيث يختبئ الكهنة، وحتى رئيس الكهنة نفسه لم يكن هناك من يستطيع الذهاب لمساعدته.

​فقط ركع جميع من في المعبد ممسكين بقلوبهم.

​وفي هذه الأثناء تلاشى السحر الذي يقيد سرير راي.

​فنظرت مورغانا إلى راي وهو عابس يلمس قلبه وسألت: "هل أنت بخير؟"

​لم يجب راي.

​وقبل أن تجيب نزل الظلام على هذا العالم.

​واختفت كل الأصوات وكل مصدر للضوء وكل نجم في السماء، ليدخل العالم في صمت طاغٍ وظلام دامس.

​"مورغانا؟" نادى راي ولكن لم يكن هناك صدى لندائه.

​كانت مورغانا أمامه مباشرة ولكن لم يكن هناك حتى ظل لوجودها، فمد يده يبحث عنها حتى لمس شيئاً.

​شعر؟.

​ثم شعر بيد صغيرة تلمس ظهر كفه ولكن لم يكن هناك صوت، والعالم كان مظلماً لدرجة أنه لم يسمح بأي ضوء بالتواجد داخله.

​انطفأت الأضواء والمشاعل وحتى الأحجار السحرية.

​وتلاشى سحر هذا العالم.

​ليخيم ظلام دامس لساعة كاملة.

​وحتى الوحوش في الغابات توقفت مكانها أو ركضت برعب طفل لم يفهم ماذا يحدث.

​«كسر»

​مثل صوت مرآة تنكسر.

​صوت شق السماء وظلامها.

​شق كشف عن قمر قرمزي أعاد لهذا العالم نوره.

​نور أحمر أعاد إشعال المشاعر المطفأة والأصوات الغائبة وضوء الأحجار الدافئة.

​لتصرخ الغابات والجبال بصوت هز أركانها، واستمر نور القمر القرمزي ينتشر ليغطي كل بقاع العالم.

​ليبدأ المطر بالتساقط.

​رفع قائد حرس الإمبراطورية يده فوق الأسوار وصرخ:

​"استعدوا!"

​أمر واحد ولم يكن هناك من ينتظره.

​كان الجنود جاهزين فوق الأسوار يحدقون ناحية الغابة، واقفين تحت المطر الذي بدأ يذيب الثلوج التي تراكمت طوال أسبوع سابق بسرعة هائلة.

​ولم تكن هناك حركة حتى ذابت كل الثلوج لتهيئ المسرح لما هو قادم.

​فضاقتا عينا أحد الجنود وهو يحدق ناحية الأفق.

​"هناك!"

​صرخ، ولم يكن بحاجة لذلك فحتى الهمس كان مسموعاً بين أنفاس الجنود.

​وسرعان ما رأى الجميع ما ينظر له.

​[الموجة الأولى]

​قادمة.

​ومن أربعة اتجاهات حول العاصمة؛ ركضت، صرخت، هاجت، وداست على بعضها البعض، وبأعين قرمزية كانت رغبتها واحدة:

​التدمير.

​ليبتلع الجنود ريقهم ويشدون على أسلحتهم.

​فهذا البحر الأسود من المخلوقات لن يواجه أحد غيرهم.

___________

نهاية الفصل

___________

2026/05/25 · 31 مشاهدة · 1532 كلمة
Ryuzaki
نادي الروايات - 2026