قبل ساعات... ومع بداية الليلة الدموية،
على أطراف القارة وقرب الساحل،
جالساً بصمت خلال ساعة الظلام، انتظر رقم واحد بهدوء حتى تلاشى الظلام، ثم ابتسم وهو يفتح عينيه عندما انشقت السماء فوقه لتكشف عن القمر القرمزي.
"ها قد بدأنا"
وقف رقم واحد بمرونة، وأخرج سيفه القصير ثم نظر إلى معصمه وهو يمسك السيف، وشاهد المانا يتم تقييدها قبل أن يرفع رأسه بسرعة وينظر نحو البحر الهادئ.
ضاقت عيناه وتمتم بعلم بما هو قادم.
وانبثق من البحر ثعبان أسود بسرعة هائلة، فمال رأس الظل في آخر لحظة، لكن لا يزال الثعبان يترك خدشاً على وجهه أثناء مروره قبل أن يسقط ميتاً خلف الظل.
وأعاد الظل سيفه الممتلئ بالدم إلى غمده، ثم أخرجه نظيفاً على الفور وهو يحدق أمامه، فتكرر الأمر.
وهذه المرة ليس واحداً أو اثنين.
مثل الطلقات، خرجت ثعابين سوداء بلا ملامح من الماء، فمر أحدها من قرب وجهه من جديد، وفعل ما فعله بالآخر عندما رفع خنجراً واستغل قوة الثعبان ضده، فاخترق السيف بطنه، وترك الثعبان يقطع نفسه ويسقط خلف جسده ميتاً.
ثم قفز الظل متفادياً هجوماً آخر، ليأتي هجوم ناحية موقع سقوطه، فمال بجسده بكامله وطعن رأس الثعبان، ثم تقلب عدة مرات متراجعاً قبل أن يعيد السيف إلى غمده ويستدير قبل أن ينطلق مبتعداً عن الساحل.
يركض ويركض قبل أن تميل عيناه قليلاً ويقفز جانباً متجنباً الهجوم، ودون أن يرى بحر الثعابين السوداء خلفه، استمر بالركض تحت المطر بسرعة بينما يتجنب الهجمات المتتالية.
ومع اقترابه من الغابة، لمح عدداً من العيون القرمزية تضيء الظلام بين الشجيرات والأشجار.
لكن لم يتوقف واستمر بالركض نحو الغابة، فبدأت الوحوش بالخروج بأعداد هائلة، وخلفه بحر من الثعابين يمتد على طول الساحل.
واستمرت الحشود بالاقتراب وركض الظل مباشرة إلى الأمام ناحية غول بطول ثلاثة أمتار، فهاجم الغولُ وقفز الظل ثم نزل على قبضة الغول وركض فوق ذراعه ثم استخدم جسده منصة للقفز نحو السماء.
وقفز نحو الوحش التالي ثم التالي مبتعداً وتاركاً الحشود تتصادم خلفه، وغرقت الوحوش في بحر الثعابين السوداء.
تعالت الصرخات الغاضبة والهائجة بينما استمر الظل منطلقاً نحو الأمام، يقفز من وحش إلى الآخر ويقترب من الغابة أكثر ثم أكثر.
ثم قفز من على فأر عملاق وأمسك بفرع الشجرة الأقرب ودفع جسده ليقف على نفس الفرع قبل أن يقفز مباشرة ويتجنب الأشواك.
ثم وقف على فرع آخر ولحظة قفزه، ضربت العديد من الأشواك الفرعَ مجدداً من قنفذ عملاق على الأرض، واستمر رقم واحد بالانتقال من فرع إلى آخر متجنباً الهجمات حتى ظهرت يد عملاقة من نقطة عمياء وصدمته بقوة محدثة صوت انفجار.
عاجزاً، تدحرج جسد الظل عدة مرات قبل أن يصطدم بفرع شجرة عملاقة ويسعل جرعة من الدم، قبل أن يرفع عينيه ليرى ما الذي هاجمه.
شيء عملاق، وحش بطول تسعة أمتار يقف متعالياً ويقترب منه، بينما تهز كل خطوة من خطواته الأرض تحته.
"تسك... ماندلا، أن تهاجمني فجأة تعني أنك لا تحترمني لكن لا بأس سوف أسامحك"
ثم هاجم ماندلا من جديد.
لم يتردد الظل في تجنب الهجوم عبر دفع نفسه بعيداً والدوران على الأرض عدة مرات، ثم وقف وركض مبتعداً.
مع غياب كل طاقته كان يعتمد على جسده فقط، ومع تعزيز القمر لهذه الوحوش، كان القتال مستحيلاً مع الأعداد التي تحيط به.
ولم يستغرق الظل سوى لحظات حتى وجد نفسه محاطاً من كل اتجاه، ودون انتظار كان الهجوم مستمراً؛ فبينما يقترب ماندلا ببطء، كانت الوحوش الأصغر تحاول قتله دون تردد.
فهاجم الذئب، وقفز الظل متجنباً أنيابه، ثم انحنى لتجنب ذيل فأر قد ثقب هجومه الأرض، ثم دفع الظل جسده مبتعداً عن دودة تهاجم من تحت الأرض والتهمتْ دون تمييز أي شيء، فأعاد الذئب الهجوم مجدداً لكن هذه المرة انتظر الظل حتى آخر لحظة قبل أن يتدحرج مبتعداً ويتجنب الذئب، وفي نفس اللحظة خرجت دودة أرض أخرى حيث كان يقف والتهمت جسد الذئب بالكامل قبل أن يدرك.
وبعد التدحرج عدة مرات اصطدم الظل بجذع شجرة قبل أن يقف بسرعة وهو يتنهد.
أخذ بعض الأنفاس ثم لاحظ ظل القمر تحت جسده يتضاءل، فرفع رأسه بسرعة ليجد صخرة عملاقة تنطلق نحوه، فتحرك بسرعة مبتعداً عن نطاقها لتسقط الصخرة وتدمر الشجرة وكل ما يعترض نطاقها.
توقف الظل ونظر إلى السماء وهناك وجد خمس صخور قد أطلقها ثلاثة من ماندلا في نفس الوقت نحوه، فنظر الظل بسرعة خلفه وكانت الوحوش تحيط به من كل مكان فلعن قبل أن يركض جانباً ثم أخرج سيفاً.
استعد ثم اختفى ومر بين الوحوش بسرعة هائلة، وظهر خلفهم على مسافة من موقعه، فتحركت الوحوش لتدور وتنظر نحوه قبل أن يعيد سيفيه إلى الغمد ويبدأ بالركض بهدوء ناحية الأمام أثناء تساقط الوحوش خلفه في برك من الدماء.
وبعد ثوانٍ دوى صوت انفجار تساقط الصخور العملاقة بينما استمر الظل في الانطلاق مباشرة نحو الجبل.
وتكرر الحصار عدة مرات ولعدة ساعات، فيقاتل عندما لا يكون هناك مخرج، ويتجنب القتال عندما تكون هناك فرصة للهروب.
وسرعان ما وصل إلى الجبل وقفز بسرعة بينما أنفاسه تكاد تنقطع، خرج من الغابة وبدأ بصعود الجبل، حتى وصل إلى صخرة عملاقة تشبه البيضة وتسد مدخل الكهف.
نظر الظل حوله قليلاً ثم نظر إلى الوحوش التي تتبعه.
حشد من الوحوش وخلفهم العديد من عمالقة ماندلا بأجساد واضحة حتى فوق الغابة، وخلفهم بحر من الثعابين السوداء قد ابتلع بداية الغابة.
تأمل الظل المنظر للحظة ثم استدار دون مبالاة باحثاً عن مدخل حول الصخرة فوجده؛
ثقب صغير في زاوية عليا من الصخرة.
دون تردد قفز الظل نحو المدخل الصغير ورمى جسده بداخله، قبل أن يخرج سيفه ويدمر المدخل خلفه ثم غاص متوجهاً نحو نهاية المدخل.
زاحفاً وبسرعة، سرعان ما وصل الظل ناحية المخرج ليترك جسده يسقط ناحية الظلام.
توقف للحظة واستقام جسده، ثم قام بنفض الغبار عن ملابسه وانطلق إلى الضوء القرمزي في نهاية الكهف.
وترددت أصوات الوحوش خلفه قبل أن يصل إلى مصدر الضوء ويتوقف ويحدق في الأسوار أمامه.
"هل هذه هي؟"
سأل وهو يحدق أمامه.
أسوار ومدينة خلف تلك الأسوار.
مدينة داخل الجبل وقمر أحمر واضح في السماء، توقف الظل قليلاً ثم قفز من المدخل وتزحلق على منحدر رملي وصولاً إلى الأرض، ثم انطلق بسرعة نحو الأسوار.
لينطلق سهم من السماء ويجبره على الوقوف في منتصف الطريق.
عبس الظل وتوقف، وضرب السهم الأرض قرب قدمه فرفع رأسه ليسمع النداء:
"توقف!"
"تسك... لا تأمرني" عابساً انطلق الظل مجدداً نحو الأسوار دون انتظار بينما أصوات التحذير تتعالى، فتحول التحذير إلى هجمات من السهام أمطرت ناحيته، فتجنبها وأخرج سيفه ليدافع ضد الهجمات التي لم يتمكن من تجنبها.
ولحظة إخراج سيفه تغيرت سرعته، فانطلق وبشكل أسرع ناحية الأسوار، ثم قفز وطعن السور وشد يده ودفع نفسه صعوداً قبل أن يطعن السور مجدداً ويعيد دفع نفسه، وكرر العملية حتى وصل إلى قمة السور.
مرتبكين، وقف الجنود برماحهم يحدقون بالجسد الذي صعد فوقهم فجأة، ثم سقط بينهم قبل أن يقف بهدوء ويتنهد:
"لقد وصلت"
"مكانك!" رفعت الرماح في نفس الوقت وتوجهت ناحية الظل والخوف بادٍ على وجوه الجنود "لا تتحرك!"
"أخبرتكم... لا تأمر..."
قاطع صوت ثقيل من خلف الجنود: "هاجموا!"
"عندما يتكلم أحد فاستمع له أولاً قبل أن تتحدث"
أخرج الظل سيفاً آخر واختفى، وظهر خلف الجنود وأمام القائد، والسيف يقف على بعد شعرة واحدة من رقبة القائد، وكرر: "هل تفكر في قتلي دون أن تعرف حتى سبب تواجدي هنا؟ أليس عليك أن تسأل؟ أليس عليك محاولة القبض علي واستجوابي؟ هل فكرت بقتلي مباشرة؟"
تحطمت رماح الجنود وتساقطت على الأرض بينما يقف القائد مرتبكاً مكانه أمام تلك العيون الذهبية.
"أجب عندما يسألك أحد"
ابتلع القائد ريقه ونظر حوله ووجَد كل من حوله يمسك بما بقي من قضيب الرمح، والصدمة والخوف باديان على وجوههم، فسأل القائد بصوت مرتجف: "أنت.. ماذا تكون؟"
"أنا أسألك.. عندما أفعل أنت تجيب، وعندما تجيب سوف أفكر بسؤالك ثم أجيب.. هكذا العملية"
"أنت... فارس؟ وحش؟"
"وحش... هل قارنتني حقاً بوحش الآن؟ هل أبدو لك كواحد؟"
"أنا... أنا أعتذر، دعنا نتحدث"
"لا تأمرني" أعاد الظل سيفه وهو يكرر قبل أن ينظر حوله:
"لكن سوف أقبل اعتذارك إذا أخذتني إلى سيد هذه المدينة" سأل بينما يحدق ناحية المدينة، ثم تنهد وهو يغلق عينيه ويعلق: "أيها الأحمق"
حرك الظل سيفه على الفور وصد هجوم القائد، فقطع سيف القائد وقطع رقبته، واختفت يده للحظة قبل أن تظهر في مكان آخر، ثم أعاد السيف إلى غمده وجسد القائد يسقط بعد أن تم قطعه لأشلاء.
"لقد أعطيتك فرصة، ولأنني فعلت فهذا يعني أنني أظهرت لك الرحمة لكنك لم تقدر ذلك وحاولت قتلي بينما أتحدث وأنت لا تعرف حتى من أنا، فإذن أنت تستحق الموت دون أن أعرف من تكون"
"وأنتم" تحركت عينا الظل نحو الحراس وسأل: "هل ترغبون باللحاق به؟"
"و.. و.. ووحش!"
صرخ الجنود وتركوا ما تبقى من أسلحتهم المحطمة واستداروا للهرب بجنون، فتنهد الظل وأخرج سيفه وهاجم، فأمسك أقربهم من شعره ومرر السيف على عنقه وتركه، وركض إلى جنديين فطعن أحدهما من مؤخرة عنقه وغرس سيفه بعدها في قلب الآخر، وتابع الهجوم حتى خفت الأصوات من حوله وصمتت.
فنفض سيفه قبل أن يتنهد: "أخيراً بعض الهدوء"
نظر الظل إلى الجثث حوله وعبس: "أنتم من طلب هذا"
"لقد منحتكم فرصة لكنكم لم تقوموا بتقديرها، فهربتم وصرختم وقمتم بإهانتي، لكن سوف أسامحكم"
"الآن" نظر الظل نحو المدينة وسأل: "أين سيد هذه المدينة؟"
_____________
نهاية الفصل
_____________