وقف الظل ووقف الحراس بانتباه، وامتنع جميعهم عن التدخل عندما اتخذ لين زمام المبادرة في الحديث، ومع غياب وجود أي قائد فكان الجميع ينتظر ما إن كان لين سوف يأمرهم بالهجوم أو لا، بينما انتظر لين الظلَّ أن يجيب.
وأجاب الظل بهدوء: "هدفي بسيط، أريد مكاناً من أجل البقاء خلال الشتاء الأسود ومن أجل شفاء جسدي، وقررت أن أفضل مكان في المدينة يجب أن يكون ملجأ سيد المدينة، ولذلك أبحث عن سيدك".
"ما معنى هذا؟" همس لين لنفسه قبل أن يحدث الظل: "إن كنت تريد مكاناً من أجل الاحتماء فهناك العديد من الملاجئ".
"لا أريد الذهاب لتلك الأماكن المتعفنة، وملجأ اللورد مهما كان تافهاً فهو أفضل من تلك السجون تحت الأرض، لذلك سوف أتكرم بالبقاء في مدينتكم خلال هذا الشهر، وبعد أن أشفي جسدي سوف أغادر وأكافئكم".
"تتكرم؟" هز لين رأسه بسرعة وأجبر نفسه على الهدوء بينما يفحص جسد الظل عدة مرات قبل أن يسأل: "أنت... هل أنت فارس؟"
"هممم... تطرح سؤالاً آخر ولكن لا بأس سوف أجيبك، أنا فارس بالفعل".
"فهمت" رفع لين رمحه وابتلع ريقه طالباً: "يرجى الانتظار هنا قليلاً، سوف أقوم برفع رسالتك إلى سيد المدينة".
أومأ الظل برضى: "حسناً، بما أنه ليس أمراً فسوف أنتظر احتراماً للمحادثة التي جرت بيننا".
أومأ لين دون تفكير بالأمر، وأشار إلى صديقه بالبقاء هنا، ثم ركض مباشرة ناحية المدخل ونزل الدرج اللولبي وصولاً إلى باب يحرسه فارسان، فأوصل لهما الرسالة وشرح لهما ما جرى بتوتر:
"إنه غريب ولست متأكداً من إن كان بشرياً، لكن من طريقة كلامه لا يبدو عاقلاً، ثم هناك تلك الدماء التي تغطي جسده، ومن خلال الملاحظة أعتقد أنه خاض قتالاً قبل قدومه هنا بقليل".
نظر الفارسان إلى بعضهما البعض ثم أومأ أحدهما للآخر، فربت أحدهما على كتف لين وأومأ له: "أحسنت باتخاذ قرار عدم القتال، سوف نعلم اللورد".
أومأ لين، وفي هذه الأثناء خارج البرج، وقف الحراس بتوتر بينما وقف الظل بعيون مغلقة وهو يضم يديه وينتظر، حتى أتى صوت الباب الذي دخل منه لين ففتح الظل عينيه.
ومن بوابة البرج خرج فارسان ولين وشاب بشعر قرمزي طويل وعيون حادة.
نظر الشاب حوله وإلى الجنود المتوترين ثم إلى الظل وابتسم وهو يسأل: "هل أنت الضيف الذي طلب رؤيتي؟"
ابتسم الظل ثم اختفت ابتسامته: "من طريقة سؤالك فأنت سيد المدينة، تبدو شخصاً لطيفاً ومن الممكن إجراء محادثة معك، لكن أولاً سوف أجيب على سؤالك؛ وفي الحقيقة أنا لست ضيفاً لأن الضيف هو من تم دعوته، لكنني هنا لأنني أريد أن أكون ضيفاً لهذا الشهر فقط، وبعدها سوف أغادر وأتفرغ لترك مكافأة لكم على الضيافة".
"آه... فهمت" ارتجفت ابتسامة سيد المدينة وتابع: "اسمي سيريس... سيريس أرستاروس، سيد هذه المدينة، مدينة هانا، كيف تحب أن أناديك يا حضرة الفارس؟"
"هذه مشكلة" عبس الظل وأمسك ذقنه يفكر "لقد عرفتَ نفسك لكنك لا تستحق أن تعرف من أكون، لكن إن لم أعرّف نفسي فسوف تكون هذه وقاحة للمحادثة التي نقوم بإجرائها... "
"عفواً.. لكنك لست مجبراً على تعريف نفسك، إذا أردت سوف أناديك بفارس فقط".
"لا تقم بمقاطعتي" عبس الظل ثم اختفى عبوسه "لكن أقدر تفهمك، لذلك سوف أتجاهل وقاحتك، ولكن لا تنادني بالفارس بل نادني شادو".
"حسناً سيد شادو".
"جيد، الآن ننتقل للمهم؛ أريد مكاناً نظيفاً للبقاء وبعض الأشخاص لخدمتي خلال هذا الشهر، ولا أريد أن تأتي وتزعجني كل لحظة لتسأل عن حالي، أنا أعلم أن هذا من الأدب لكن لا تفعل فذلك مزعج، فقط وفر لي مكاناً لنهاية هذا الشهر".
"حسناً" أومأ سيريس ثم أشار: "تفضل معي من هنا إذن".
"أنت شخص متعاون ولا تطرح الكثير من الأسئلة، وأنا أقدر هذا وسوف أححرص على أن تكون المكافأة جيدة".
"شكراً لك سيد شادو" ابتسم سيريس بهدوء بينما يشير نحو المدخل.
أومأ الظل فبدأ بالسير، بينما أشار سيريس بهدوء إلى الفرسان بإخفاء تعابير وجههم الرافضة، وبعد دخول البرج سأل سيريس بهدوء: "بالمناسبة سيد شادو".
قاطعه شادو بهدوء: "لا تنادني بسيد، يكفي شادو، فأنا لست سيدك ولن أكون".
"فهمت، إذاً شادو، أتساءل فقط، بما أنك كنت في المدينة فلماذا لم تقم بزيارتي قبل بداية القمر الأحمر وبذلك كنا لنتفاهم بشكل أفضل؟"
"أعتقد أننا متفاهمون جيداً الآن وبما أنني أعتقد فيعني أن ذلك صحيح، لكنك مخطئ فأنا لم أكن في المدينة بل خارجها، وعندما حلت ساعة الظلام كنت عند ساحل قرب البحر، وبعد بداية القمر الأحمر ركضت حسب علمي بالخريطة ووصلت لهذه المدينة".
"ركضت؟... تحت القمر الأحمر؟"
"ثم كان هناك بعض الحمقى على السور يعترضون طريقي لكن سامحتهم ودخلت المدينة، بعدها بدأ البحث عن مكانك ثم وجدتك".
"أرى... إذاً لقد دخلت عبر الحراس" أمسك سيريس ذقنه ونظر إلى الظل بهدوء، فتحدث الظل بينما ينظر حوله:
"لا تحدق بي كثيراً فقد خرجت من قتال قبل قليل فقط ولا يزال جسدي حساساً، وقد أثقب عينك تلك دون قصد ولن يكون ذلك احتراماً لشخص يضيفني".
"أنا أعتذر".
"على أيٍّ" نظر الظل إلى سيريس وسأل: "أين سوف أقيم؟"
"سوف أرشدك للمكان بنفسي" أومأ سيريس ثم نظر إلى فارس خلفه ورمقه بنظرة، فتوقف الفارس وتابع الظل مع سيريس التوجه ناحية الملجأ بينما تراجع الفارس بسرعة وخرج من البرج.
"سيدي" أوقف لين الفارس، فلوح له الفارس باستمرار المراقبة بينما توجه ركضاً ناحية الجدران الغربية.
وبعد نصف ساعة من الركض وصل ليجد الأمور بخير وأخذ بمناقشة الأمر مع القائد، لكن أكد القائد أن لا شيء غريباً حدث، فقط بعض الوحوش التي ظهرت فجأة وتم القضاء عليها، فأومأ الفارس:
"حسناً استمروا بالحراسة".
عبس الفارس ونظر نحو السماء:
"علي أن أسرع".
متخذاً مساراً عبر السور، تمكن الفارس بسرعة من الوصول إلى نقطة مراقبة ثانية لكن لم يكن هناك شيء غريب، فاستمر بالركض فوق السور بينما تعلن السماء عن نهاية الليلة ليتراجع الضوء القرمزي وتتجمع الغيوم الكثيفة ويبدأ الثلج بالتساقط فوق بحيرة من الدماء أمام الفارس.
وقف هناك متجمداً مكانه ومرتبكاً لحظة وصوله إلى نقطة المراقبة الثالثة، ثم سمع شهيقاً أيقظه فنظر حوله ليجد أن هناك جندياً لا يزال على قيد الحياة، فركض بسرعة وأمسكه: "أنت... هل تسمعني؟"
"سي.. سيد أزيلاند".
"جيد أنت تسمعني، أخبرني ما الذي حدث هنا؟"
"هذا.. هذا..."
"اهدأ بـ..." توقف أزيلاند عندما لمست حبة من الثلج أنفه فعبس وحمل الجندي بسرعة: "أولاً علينا مغادرة هذا المكان".
"سيدي".
"لقد رُفعت القيود عن المانا" أخذ أزيلاند نفساً طويلاً ثم زفر وحرر المانا في جسده وأطلقها بقوة لتتخلص من كل بقايا قيود القمر الأحمر، فاشتعل جسده بضوء أزرق نيلي واختفى تعب الركض حول المدينة، ثم حمل الحارس وقفز من فوق الجدران وانطلق مثل السهم نحو البرج.
وفي هذه الأثناء كان الجنود أمام البرج يتحركون أيضاً، ومن يقفون فوق السور لم يتخلفوا عن ذلك فركض الجميع ناحية الملجأ، وأمام البرج انفجر الهواء فجأة وظهر الفارس وهو يحمل الجندي.
نظر حوله فوجد أن لين وباقي الجنود قد تركوا مكانهم، فأومأ برأسه وأشار للجندي بالدخول معه إلى البرج ليأخذه مباشرة إلى سيريس.
وفي هذه الأثناء كان سيد المدينة جالساً بتوتر خلف مكتبه ومتسائلاً عن سبب وجود فارس وقنبلة متحركة في مدينته.
.......
ومع تساقط الثلوج مرت الأيام الباردة ببطء.
وبعد عشرة أيام غطت العالمَ طبقةٌ كثيفة من الثلج، وتساقط الثلج طوال هذه الأيام تحت ظل غياب العواصف، فغطى الطرقات وسقط على المنازل ودفن الشجيرات وزين الأشجار وأخفى سقف البحار المتجمدة، واستمر بالسقوط باستمرار حتى دُفن العالم تحت طبقة من الستار الأبيض.
وفوق هذا الستار وفوق الغيوم الكثيفة وقفت شخصية بعيون ذهبية وقرون مكسورة تحدق بهدوء في هذا العالم الأبيض.
عالم مدفون تحت طبقة من الثلج الأبيض.
حدق بهدوء واخترقت نظرته الغيوم ومرت تحت الغطاء الأبيض، ثم فجأة انشق الفراغ قربه ومن الفراغ ظهرت قطة سوداء بعيون ذهبية وجلست على كتفه بهدوء، لينظر لها ويسأل: «#####»
نظرت القطة إلى وجهه ثم إلى الأرض البيضاء تحت الغيوم قبل أن تشير بإيجابية ليبتسم راضياً.
___________
نهاية الفصل
___________