ضحكات.
أصوات كؤوس.
موسيقى بعيدة.
وجوه تبتسم.
هدايا.
ورود.
ثلوج تتساقط خلف النوافذ.
وأصوات مديح وعبارات مبتذلة تتردد من أفواه النبلاء في أرجاء المكان.
زهرة الشمال البنفسجية؛
ذلك اللقب الذي تم منحه لأميرة دوقية الشمال في عيد ميلادها الخامس، وفي ذات اليوم...
كنت أشعر باشمئزاز.
"مورغانا.. هل أنتِ بخير؟"
_أخي.
تلك الابتسامة اللطيفة التي لا تفارق وجهه كانت مثل الخلاص بالنسبة لي حتى لو لم تكن حقيقية.
لذلك تمسكت به.
آمنت به.
ورجوت في نفسي أن يخرجني من ذلك المكان بسرعة.
لكن... لماذا لم أستطع النطق بما أريده؟
تلك الابتسامة الدافئة، لماذا شعرت دوماً أنها أبرد من هذا المكان؟
"إن كنتِ متعبة، فهل تريدين المغادرة مبكراً؟"
أخي...
أنا أعلم.
أستطيع الشعور بمشاعر الناس تجاهي لسبب ما.
ومنذ أن كنت في الثالثة، بدأت بتعلم ما عليَّ فعله وما عليَّ تجنبه لإبعاد تلك المشاعر السلبية والباردة من نظرات الآخرين.
لهذا كنت أعلم أنك لا تسأل هذا بدافع الاهتمام.
وكنت أعلم بنوع الأجابة التي تنتظرها مني.
"أنا بخير"، لهذا سوف أبتسم وأفعل ما ترغبون به رغبة بذلك الاهتمام، حتى لو كنت أشعر باشمئزاز من هذا المكان.
"إذا شعرتِ بتعب فأخبريني".
"شكراً لك.. أخي".
لا تقلق أخي،
إذا كان من المطلوب مني أن أقف هناك مثل الدمية على مسرح المزاد، فسوف أفعل،
حتى لو لم أكن أفهم.
أول فتاة تولد في عائلة فيليب بعد ثلاثة أجيال.
لا أعلم كيف بدا لهم الأمر في ذلك اليوم،
ولا أعلم ما يعنيه ذلك.
لكن أعلم كيف شعرت في ذلك اليوم، وعندما ظننت أن الأمور تحسنت عندما أكملت السابعة من عمري وولدت فتاة أخرى في العائلة.
أتى يوم الصحوة قبل عيد ميلادي الثامن بيومين.
وقفت بجانب والدي ممسكة بيده، وابتسامة الفخر والترقب تزين وجهه على غير المعتاد.
يقال إن كل فتاة وُلدت في عائلة فيليب تمكنت من إيقاظ قدرتها الخاصة.
لا بد أن ذلك مذهل، صحيح أبي؟
إمكانية أن تصبح ابنتك فارسة روح أو ساحرة من رتبة روح مغرية حقاً،
ولهذا لم تقم بمنحي لأحد حتى الآن.
"هل أنتِ متوترة؟"
نعم، كنت كذلك.
لكن أيضاً.. كنت أعلم أنني لا يجب أن أظهر ذلك.
خفضت نظري وابتسمت وأجبت بما يريد مني أن أجيب.
لكن هل كان من الممكن أن أفشل في الصحوة؟
"لا داعي للقلق كثيراً"، ابتسم وأضاف: "الكنيسة تستخدم أثراً فريداً من أجل إيقاظ السمة الكامنة في روح الفرد، وبفضل الأثر يكون معدل الفشل شبه معدوم، لذلك عليكِ الاسترخاء فقط، فهمتِ؟"
شبه معدوم... ها.
حسنا من يدفع أكثر يمكنه حصول على فرصة لتجربة الأثر لهذا أنا محضوضة جدا ويجب أن أكون ممتنه..
يال سخرية.
تساءلت دوماً: هل من الممكن أنه وبعد هذا اليوم سوف تتحسن الأمور وتحبني عائلتي أكثر؟
ربما.
لذلك دخلت المعبد وكان الكاهن في انتظاري.
تمتم ببضع كلمات ثم أرشدني إلى الحوض بعد أن غيرت ملابسي.
ثم دخلت هناك وانتظرت كما أخبرني.
فجأة أظلم العالم تدريجياً، متجاهلاً ضوء الشمس المتسرب عبر النوافذ.
ثم أظلم أكثر حتى غاب الضوء عن المكان، لأجد نفسي في ظلام دامس، بارد و.... فارغ.
أيضا... لقد كان مريحاً ببساطة.
مريحاً لدرجة أن دموعي تساقطت قبل أن أعلم.
ثم مسحت خدي وفتحت عيني بينما ينقشع الظلام.
لقد كنت أشعر بسعادة في في تبك اللحظة مثل الغارق الذي حصل على نفس من الهواء ، واستدرت بسرعة كأنني وُلدت من جديد، لأتجمد على نظرة الكاهن.
"سمة الظلام".. كان ذلك إعلانه بهدوء.
سمة ترافق سحرة الظلام.
سحرةٌ أقرب إلى الظلام منهم إلى النور، فلا يتم اعتبارهم من الفئة الجيدة أو السيئة،
مجرد مجموعة من المجانين المهووسين بالسموم والسحر المحرم، وقد تم تصنيفي كأحدهم قبل أن أتعلم أي تعويذة.
وذلك فقط لأن اغلبية منهم اشرار.
لا بد أن والدي صُدم ذلك اليوم،
لكن لم يظهر على وجهه شيء وظل هادئاً.
لكن ذلك الأحصار بداخلك كنت أشعر به بوضوح يا أبي.
ورغم ذلك، حتى لو كنت أمتلك سمة الظلام، لم يكن ذلك يكفي لأفقد قيمتي.
طالما تعلمت وتدربت، فحتى كساحرة ظلام يمكنني فعل الكثير من الأشياء الجيدة.
لذلك مباشرة تم اختبار نوع القدرة التي أيقظتُها كفرد وُلد كفتاة في هذه العائلة.
وأتى الجواب أسرع من الأول:
"إنها لا تمتلك أي قدرة خاصة".
في ذلك اليوم سمعت صوت انكسار.
نظرت خلفي ولم يكن هناك شيء.
وعدت إلى المنزل قبل أن أفهم شيئاً.
وما تلى ذلك كان عالماً يغمره الهدوء.
والدي الذي عاد معي انفصل عني دون كلمة وذهب لمكتبه، وأتى أخي من بعدها بساعات للاطمئنان عليَّ.
أما أمي فلم تعد إلى المنزل حتى اليوم التالي، وتصرفت كأن الأمر غير مهم، ولكن بعد يومين تم إلغاء الاحتفال بعيد ميلادي بسبب بعض الأعمال.
لم يكن عليَّ عيش ذلك اليوم الجهنمي من جديد.
لقد كنت أشعر بسعادة عند سماع ذلك الخبر لدرجة أنني اعتقدت أنها مكافأة لي، حتى لو استغرب الخدم.
ثم العام الذي بعده، والذي بعده، مروا دون احتفال.
لم أرَ والدي منذ ذلك اليوم.
إخوتي أصبح من النادر أن يزوروني.
أمي أصبحت لا أراها سوى مرة في الأسبوع.
وعندما أكملت أختي الخامسة من عمرها، كنت قد أكملت الثانية عشرة من عمري، وبطريقة ما أصبحنا أقرب لبعضنا البعض.
نقاء مشاعرها تجاهي كان دافئاً فرفضت التخلي عنه.
وتعلقها الشديد بي جعلني أسعى لحمايتها بكل ما أريد.
ثم أتى خبر تقديم يوم الصحوة الخاص بها، خوفاً من أن يتكرر ما حدث معي.
وبينما كان القصر متوتراً، وكنتُ أكثرهم توتراً وخوفاً عليها، أتى الخبر:
سمة النور وقدرة أيضاً!
يا له من خبر سعيد.
انتظرت عودتها يوماً بعد يوم لتهنئتها.
لكن لم يُسمح لها حتى بالاقتراب مني، فكنت سعيدة جداً عندما هربت من القصر الرئيسي للقائي.
ضحكنا ولعبنا خلال تلك الساعات قبل أن يكتشفها الفرسان ويأخذوها بأمر من والدي.
وعندما حاولت إيقافهم، حصلت على نظرة لم أرَ مثلها.
قبل أن أدرك، كانت تلك هي بداية النظرات الباردة التي أتلقاها ممن حولي.
وعندما خرجت إلى المجتمع وبدأت أشارك في الحفلات بعد إتمام الخامسة عشرة من عمري، أدركت...
أن العالم يعرف بالفعل بوجودي.
أميرة وزهرة الشمال البنفسجية اتضح أنها مجرد زهرة سامة.
رغم غرابة تلك الشائعات في أول يوم لظهوري، إلا أنه ولسبب ما لم يكن ذلك مؤلماً.
وفي يوم ما، تعرضت أختي لحادث عندما هربت من جديد للقائي.
وكان ذلك اليوم الذي أرى فيه والدي من جديد منذ وقت طويل.
لقد اشتقت له حقاً، ولا أمانع إن كان كل ما أستطيع الحصول عليه منه هو تلك النظرة الباردة على وجهه.
لم أعلم لماذا أتى، لكن ركضت بسرعة من أجل استقباله، فتلقيت صفعة أعادتني للواقع.
"لا تقتربي من أختك مجدداً".
ذلك كل ما أتذكر أنه قاله قبل مغادرته.
وعلمت لاحقاً أنها تعرضت لإصابة وهي تبحث عني.
كم تمنيت لقاءها من جديد في ذلك اليوم.
خلاصي ونوري الوحيد اختفى فجأة ودون سابق إنذار، فبكيت في تلك الليلة كما لم أبكِ من قبل.
ثم مرت الأيام باردة.
يوماً بعد يوم، وحفلة بعد أخرى، وكنت أعيش بصمت، لكن ذلك الصمت لم يكن يعجب الجميع.
لماذا كل ذلك؟
لماذا؟
سألت وسألت حتى توقفت عن السؤال.
وفي يوم من الأيام، استدعاني والدي للمكتب وكان يبتسم.
لقد كان سعيداً جداً.
شعرت بحزن لأنه يبدو أكبر مما أتذكر ويبدو متعباً، لكن أسعدني أنه في مزاج جيد،
حتى أتى الخبر:
"استعدي، لقد تم اختيارك لتصبحي زوجة الإمبراطور الأولى، أليس هذا خبراً يستحق الاحتفال؟"
"زوجة؟"
آه... هذا ما كانت تهمس به تلك الفتيات سابقاً.
فتاة وصلت لعمر العشرين ورغم جمالها إلا أن أحداً لم يرغب في التقدم لخطبتها.
تنهدت وابتسمت في ذلك اليوم دون أن أقول شيئاً.
ثم أتى يوم لقاء زوجي أسرع مما توقعت، عندما أخذني والدي معه في رحلة على غير العادة.
لم تكن الرحلة مرحة حقاً.
ظل وظل يؤكد على ما عليَّ فعله وما عليَّ تجنب فعله بشكل متكرر، حتى وصلنا إلى القصر، فقدمني إلى من إشتراني .
عندما التقت عيني بتلك العيون الذهبية، خفضت رأسي بابتسامة عاحزة.
يبدو منزعجاً، لكن على الأقل لا ينظر لي بتلك النظرة المليئة بالحسد والكراهية.
وانتهى الترحيب أسرع مما بدأ، وتم تركي في القصر لتعلم قواعد العائلة الملكية، فشعرت كأنما دخلت إلى عالم جديد.
مكان يحترم وجودي حقاً.
أتمنى لو استمر ذلك لوقت أطول.
خدم يعاملونني باحترام، وفرسان يخفضون رؤوسهم فور مروري، لقد كانت هذه المشاعر العادية دافئة ببساطة.
ورغم غياب صاحب هذا الفضل، إلا أنني انتظرت.
وأتى يوم الزواج لينتهي أسرع مما بدأ، وتُركت في غرفة مظلمة أحمل بعض التوقعات.
فربما حياتي سوف تتحسن من جديد.
وحل الصباح وأنا أنتظر.
ولم أحد للواقع حتى دخل الخدم، و كانت نظرة الشفقة واضحة على وجوههم، ورغم ذلك أخبروني بشتى أنواع الأعذار.
لكن مر يوم.. أسبوع.. وشهر.
وأدرك الجميع أن لا مكان لي في القصر.
وحتى الميت لن تحزن عليه لأكثر من أسبوع.
_____________
نهاية الفصل
_____________
صورة لمورغانا الصغيرة... تبا أشعر أنني شخص سيء لكتابة هذا الماضي الأن
عزيزتي أتمنى أن يكون مستقبلك حالي أفضل..