​مع الوقت؛

​تحوّلت الشفقة إلى تجاهل، والتجاهل إلى برود، وفي يوم ما أرسل والدي للقصر بعض الخدم لمراقبتي.

​خدمٌ اعتادوا على إهانتي عندما كنت في الشمال، لذلك توقعت منهم أن يفعلوا الشيء نفسه هنا وخططت أن أتحمل ولم أتوقع منهم المبالغة لحد تجاهل كوني مجرد إنسان.

​يوماً بعد يوم أصبحت أفعالهم الوقحة تزيد.

​وفجأة، تدخلت سلطة عليا في القصر لنقلي إلى قصر آخر، فأصبحت حياتي بعدها مثل الجحيم.

​أستيقظ بماء بارد وآكل ما يتركني على قيد الحياة حتى وإن لم يكن كطعام البشر ثم بدأ عنف جسدي مخفي خلف ابتسامات بريئة.

لا بد أنه كان من الممتع الشعور بالتفوق على مَن يحمل رتبة أعلى منك في المجتمع.

ذلك اللقب الذي لا فائدة منه أصبح مجرد عبئ.

​لكن لم أرد أن أُطرد من هذا المكان، لذلك تحملت.

​وزيارات والدي المتكررة وتجاهله المستمر للعلامات الواضحة كانت تؤكد أن عليَّ الاستمرار في التحمل.

​وفي صباح أحد الأيام، أتى الخبر:

​انتحار الإمبراطور الشاب_

​خبر هز أرجاء القلعة قبل العاصمة وإمبراطورية. فلم أعلم كيف يجب أو ما الذي عليَّ فعله.

​ومساء اليوم أدركت الموضوع.

​طاقة غامضة كان من المفترض أن تنتقل لي بعد موت الإمبراطور، وكانت نظرة والدي باردة وهو يسأل.

​وفي تلك اللحظة لم أعلم ما الذي عليَّ فعله، لكن أجبت بنعم على أي حال.

​"جيد، الآن سوف نتوجه إلى خزنة الكنوز من أجل اختبار ذلك، استعدي فسوف يجتمع النبلاء بعد أيام من أجل إعلان ولايتكِ للإمبراطورية حتى يصل أحد أفراد العائلة الملكية للسن المطلوب".

​هذا ما قاله، لكن ماذا عليَّ أن أفعل؟

​معرفتي بالمانا وما شابه كانت قليلة، ولا أفهم حتى عن ماذا يتحدث، وقبل أن أحاول الاعتذار عن الكذب تم جري إلى القصر الرئيسي الذي لم أزره منذ ثلاث سنوات.

​دخلت وتم إيقافي أمام الخزنة وعديد من الأشخاص حولي.

​لم أعلم ما الذي عليَّ فعله، لكن على أي حال مددت يدي وتوقفت فوراً.

​كنت أعلم.

​وشعرت بذلك فوراً.

​إذا مددت يدي أكثر فسوف أموت، ففكرت وفكرت ولم أجد سوى حل واحد، ولذلك استدرت وسألت والدي بتوتر يغلفه الهدوء:

​"كيف أتحكم بهذه الطاقة الغامضة؟"

​سؤالٌ عقبته نظرات استغراب، وشعرت بانزعاج واضح من والدي يرتفع ويكاد يتحول إلى غضب صامت، لكن تدخل سيسلين طارحاً سؤالاً:

​"ألم تتعلم السيدة كيف تتحكم بالمانا؟ "

​أومأت بسرعة، فنظر الجميع إلى الدوق متسائلين، فتذكر الدوق حقيقة أنني لم أتعلم أي شيء عن المانا أو كيف أتحكم بها.

​تنهد ولم يطلب مني سوى تأكيد امتلاك تلك الطاقة شفهياً.

​واستغللت ذلك رغبة في النجاة، لأجد نفسي أجلس مساء اليوم على مكتب الإمبراطور كولية على الإمبراطورية.

​"من اليوم فصاعداً عليكِ البقاء هنا خلال فترة الصباح والمساء، وباقي الوقت سوف تركزين على تعلم السحر والمانا، وعليكِ إيجاد طريقة للتحكم في الطاقة الغامضة".

​أومأت وقبلت كل ما يقال لي.

​وأتت سيدة البرج الأخضر من أجل تعليمي بعد يومين، ومنها عرفت فقط أن سر الطاقة الغامضة لا تعرفه سوى العائلة الملكية، ويكمن هذا السر في دمائهم نفسها.

​لم أعلم ما يعنيه ذلك، لكن قيل لي أن أبذل جهدي.

​فبذلت جهدي للتغطية على كذبتي.

​لم أعلم إلا بعدها عن سبب عدم نقل الطاقة الغامضة لي أو لأي ابن من أبناء المحظيات.

​فبحثت أكثر وتعلمت عن السحر أكثر، وراقبت الأخبار من خلال التقارير التي تدخل مكتب الإمبراطور بشكل مستمر، بينما وافقت على كل أمر من والدي وختمت عليه بيدي على كل وثيقة دون سؤال.

حتى الأن لا أعلم لماذا لم يأخد مني ختم فقط ويختم الأوراق بنفسه.

لم يكن الأمر مهما.

​كلما تعلمت أكثر، كلما بدأت أشعر أن الأغلال التي تقيدني تصبح أخف، حتى أتى اليوم الذي انتقمت فيه من الخدم.

​لقد كان ذلك الشعور بعد قتلهم بيدي، فارغاً.

​واكتشف والدي ذلك أسرع مما اعتقدت.

​لكن لم يقل شيئاً، غير أن حذره تجاهي قد زاد، فتوقفت دروس تعلمي للسحر بعد أن وصلت للحلقة السادسة.

​وفي يوم من الأيام بينما أنا نائمة، دخل الفرسان وسحبوني إلى السجن قبل أن أدرك ما الذي يجري حتى.

​سجن بارد بأصفاد تمنع تدفق المانا تحت حراسة من لا يملكون نظرة إنسانية.

​تلك النظرات المشبعة بالشهوة والترقب كانت مثل الخنجر على رقبتي، تنتظر الفرصة فقط.

​ثم أتى خلاصي عندما تم نقلي لمكان آخر قبل أن يحدت شيء وأصبحت تحت رعاية الكنيسة.

​وعندما ظننته خلاصاً، تبين أنه مجرد عذاب أكبر، وبدأ العذاب بسلسلة من الاستجوابات عن شيء لم أفعله.

​"كاذبة، كاذبة، كاذبة، كاذبة".

​استمرت الكلمة تتكرر، وصوت السوط ينهش ما تبقى من لحمي، فيأتي كاهن من جديد ليشفي جسدي فقط ليتكرر الأمر ويتكرر، حتى أتى يوم الإفراج.

​وللمرة الثانية يتم نقلي لمكان آخر.

​وهذه المرة مباشرة نحو المقصلة؛ أمشي في أطول طريق إلى هناك، مسحوبة بسلاسل وببطء في ممر وقف الناس على جانبيه وأمطروني باللعنات والصخور.

​لكن تلك المشاعر التي كانت تتدفق نحو منهم كانت أقسى من ضربات الصخور، و قبل أن أدرك، وجدت أن رقبتي على المقصلة وقد قُطع الحبل بعد الخطاب.

ورغم أنني بحث وبحث إلى أنني لم اجد خلال الخطاب أحدا من العائلة

​ليالها من حياة لا تستحق أكثر من ابتسامة ساخرة على هذه الأوضاع المزرية.

​وعندما ظننت أن الأمر انتهى، استيقظت على دلو الماء البارد كما كنت أفعل كل يوم.

​نظرت حولي وبأرتباك، ثم أمسكت رقبتي قبل أن أدرك أنني لست ميتة.

​نظرت أمامي وإذ هي نفس تلك الخادمة، تقف هناك سالمة فكنت أتساءل هل دخلنا نفس الجيحم.

أردت إستخدام المانا فورا لرد على صراخها لكن...

المانا لم تستجب، وبدأتْ تقول ما لا أفهمه، فنظرت حولي ونحوها وأدركت بعدها أين أنا، وعندها فقط سمعتها تعلن أن والدي سوف يزورني غداً قبل​ أن تقوم بتركي شاردة حتى أدركت حقيقة عودتي بالزمن.

​"إذاً في النهاية كنت أمتلك قدرة حقاً".

​يا لسخرية هذا العالم!

​لكن هل سوف يتكرر ما حدث إذا لم أفعل شيئاً؟

​لم أكن أرغب بذلك.

​الفكرة فقط بما حدث كانت تجعل بدني يرتجف.

​لا، ولا أريد أن أعود لذلك المكان.

​لكن ما الذي يمكنني فعله الآن؟

​كان هناك شيء واحد؛ لمست صدري ويبدو أن عادتي في جمع المانا تلقائياً كانت قد جعلت جسدي قادر على الحركة رغم إصابته.

هل أهرب

لم يكن ذلك ممكنا. و لن أتمكن من الهرب بهذه القوة فقط.

​هل أتحمل وأتدرب من جديد قبل الهروب؟

​كان ذلك مستحيلاً يظا مع اقتراب الشتاء الأسود.

​وكان من المستحيل أن أتمكن من الهروب من دوق الشمال، فبعد العمل بجانبه لعدة سنوات أدركت ورأيت كم عدد الأشخاص الذي تخلص منهم في الأيام التالية فقط بعد معرفة أسمائهم.

​ثم صدفة أو قدراً، سمعت اسم الإمبراطور.

​خيط النجاة الوحيد الذي أمكنني التفكير به بعد أن قطع والدي كل الخيوط الأخرى.

​لذلك سألت وأصررت على الحصول على إجابة فقط لمعرفة في أي يوم نحن، وهناك أدركت أن هذا الخيط سوف ينقطع صباح الغد.

​لذلك أصررت وأردت مقابلته، ولم أمانع إن ركعت ورجوته وأخبرته بكل شيء لمجرد الحصول على فرصة للنجاة أو تأخير موته.

​لكن مهما حدث، كانت القيود حولي أقوى مما ظننت، وبمساعدة الحراس تم رميي مجدداً في غرفتي، وعندما ظننت أن الأمر انتهى...

​حدث ما لم أتوقعه... دعوة من الإمبراطور نفسه!

​هل سمع أنني أرغب بمقابلته بشدة؟

​هذا ممكن، لكن من غير الممكن أن جواسيس والدي هم من أوصلوا الخبر، وكان ذلك يعني أنه يملك عيناً وأذناً داخل هذا القصر.

​إنه يعلم بكل ما كان يجري معي وكيف يعاملونني لكن لم يتدخل.

​عندما أدركت ذلك كرهته على الفور حتى قبل أن أقابله.

لكن لا يهم أحتاج أن أستغله.

أحتاجه إن أردت النجاة.

​عليَّ مقابلته ومنعه من قتل نفسه على الأقل أولا.

​وعندما ظننت أن المقابلة سوف تكون في المكتب، اتضح أنها دعوة للعشاء.

​ومن السخرية أنني فور وصولي لم أجد أنني الوحيدة التي تم دعوتها للمكان.

​لم يكن الأمر مهماً، جلست على المقعد الوحيد الفارغ وتجاهلت من تجاهلوا وجودي، حتى انفتح الباب ودخل المعني بالأمر، فحاولت الهدوء وإخفاء غضبي ونظرت له فقط لأرى ما لا يمكن فهمه.

​الإمبراطور؟

​لا... تلك المشاعر التي تحيط بجسده، هل كانت مشاعر شخص يخطط للانتحار؟

​نهضت الزوجة الثانية لتسأل عن حاله فلمست رأسه، وشعرت فوراً بانزعاجه منها، ولم أعلم ما الذي عليَّ فعله من أجل منعه من الاستجابة لأمرها.

​قد يكون مريضاً، لكن هناك شيء مهم يلزمنا الحديث عنه.

​لكن قبل أن أتحرك، عارض فكرة الزوجة الثانية وجلس ليبدأ بفحص الطاولة سراً، كما لو أنه شخص غريب عن المكان.

​لم أهتم ولم يكن لدي مزاج للأكل، لكن تظاهرت بالأكل حتى نهض وأمرني بلقائه في الغرفة.

​كان في نبرته شيء من مزاح، مما تركني مرتبكة أكثر مما كنت عليه.

​لماذا يمزح معي؟

​ظللت أتساءل عن ذلك، ولم أهتم لما تقوله المحظيات في وجهي، وعندما حان الوقت توجهت إلى الغرفة برفقة الخدم متطلعة بعض الشيء لكيف سوف يتعامل معهم.

​وكان من المريح أنه طردهم عند الباب بطريقة لم أتوقعها، فلم أتمكن بعدها إلا من طرح سؤال واحد:

​"أنت لست الإمبراطور، صحيح؟"

​سألت كأنني أختبره، وقبل أن أعتذر وجدته يعترف بذلك ببساطة.

​شخص من عالم آخر تلبّس هذا الجسد.

​كان غريباً لكن لم يعد أي شيء من ذلك مهماً، فقد كان يموت من أعراض إيقاظ القدرة.

​أسرعت وبسرعة لاستخدام التعويذة الوحيدة التي أستطيع تحملها ولا تحتاج المانا.

​تعويذة القلب الواحد، وتحملت نصف ألمه حتى شعرت بالموت يقترب أكثر مما ظننت.

​لكن لسبب ما... فكرة الموت في تلك اللحظة لم تكن بذلك السوء .

__________

نهاية الفصل

____________

...(╥﹏╥) I'm sorry

2026/06/11 · 10 مشاهدة · 1431 كلمة
Ryuzaki
نادي الروايات - 2026