سار اجتماع أنجيلا وإلينا مع نورمان بسلاسة فاقت التوقعات، وبعد ساعة حصلت إلينا على جميع المعلومات التي تحتاج من أجل إعداد تقرير أولي، وبذلك طلبت من نورمان قيادة الطريق من أجل تأكيد جاهزية الطابعات.
"بكل سرور، من هنا من فضلك"
بمرافقة نورمان الذي ظل خلال الطريق يحاول خفض توقعات إلينا وأنجيلا لجاهزية الموظفين قدر الإمكان، سرعان ما وصلوا إلى مصنع، ورغم المساحة الكبيرة إلا أنه لم يكن هناك أكثر من ثلاث طابعات نشطة.
أشار نورمان للمشرف لبدء عملية طباعة جديدة وكان المشرف مستعداً لذلك، وكذلك الموظفون الذين بدأوا في الحركة بسرعة تحت الضغط محاولين إظهار أكبر قدر من الكفاءة تحت عيون المراقبين.
"ابدأ" أعطى نورمان إشارة إلى المشرف الذي أعطى إشارة بدوره إلى العامل الأول من أجل صب كمية معدة من مادة أولية لتبدأ الطابعات في العمل تلقائياً، وفي نفس الوقت بدأ نورمان في شرح مراحل العملية.
...
أولاً وحدة تنقية المعدن..
بدلاً من أفران الصهر التقليدية التي تملأ المكان بالدخان، توجد أسطوانات شفافة مشحونة بطاقة "المانا". يُلقى فيها المعدن الجديد الخام، فتقوم الطاقة بتفتيت الشوائب وفصلها مغناطيسياً، ليخرج المعدن سائلاً ونقياً بنسبة 100%، بلون أحمر متوهج يصب في قوالب لإنتاج "شرائط المعدن المستمرة".
يليها التقطيع الآلي..
تمر هذه الشرائط المعدنية عبر أسطوانات ضخمة تضغطها حتى تصل إلى سمك محدد (بدقة الميكرومتر). ثم، وبسرعة مذهلة، تقوم مكابس سحرية بثقب الشرائط لإنتاج آلاف الأقراص الملساء في الدقيقة الواحدة.
"ما يميز هذه الخطوة هو أن الفائض من المعدن يعود آلياً ليصهر من جديد، دون إهدار غرام واحد"
أومأت أنجيلا بإعجاب على ملاحظة نورمان قبل أن يتابع نورمان الشرح.
"الخطوة الثالثة وهي المعالجة الحرارية السريعة"
تمر الأقراص الملساء ذات حواف مسننة عبر نفق من الضوء الذي يقوم بتسخين سطحها وتليينه في أجزاء من الثانية. وهذا يجعل المعدن مستعداً لاستقبال النقش دون أن يتشقق، ويمنحه اللمعة التي لا تنطفئ مع الوقت.
وبعدها تأتي المرحلة الرابعة، غرفة السك الهيدروليكي.
قلب الآلة الذي صممه ري. حيث هنا لا توجد مطارق يدوية، بل مكبس يعمل بضغط السوائل السحري.
يتم تغذية الأقراص عبر أنابيب حلزونية.
ويسقط المكبس بقوة صامتة وهائلة (توزع الضغط بالتساوي).
هنا القالب ينقش الصورة والنقوش على الوجه والظهر في نفس الوقت، ويرسلها بعدها إلى المرحلة التالية وهي وحدة التفتيش والفرز.
في نهاية الخط، تمر العملات تحت "عين سحرية" (عدسات محملة بخوارزميات ري). إذا كانت هناك عملة واحدة بها خدش بسيط أو نقش غير واضح، يتم طردها فوراً عبر تيار هوائي إلى سلة "إعادة التصنيع"، بينما تسقط العملات السليمة في صناديق خشبية مبطنة بالحرير.
"وكما هو واضح فالعمل المترتب على الموظفين هو مراقبة حرارة الفرن وسرعة عمل الآلة وسرعة الضغط واستهلاك واستجابة لأي مشكلة تظهر في وقت مناسب، ويكفي أسبوع آخر ومن الممكن أن تبدأ الطابعات في العمل بشكل رسمي" أشار نورمان بهدوء بينما تطلق الطابعة زفيرها الأخير تحت إشراف المشرف السمين.
وخرجت أول مجموعة من العملات، وقبل أن تجيب إلينا تدخلت أنجيلا وسألت: "هل كل طابعة يمكنها وضع نقش واحد على عملة أو من الممكن وضع عدة نقوش في نفس الوقت؟"
"عفواً" ارتبك نورمان للحظة قبل أن يجيب بسرعة: "نعم، بخصوص ذلك فالمكبس قابل للفك والاستبدال ولكن ذلك يتطلب فصل التيار عن الآلة والتي سوف تستغرق يومين على الأقل لتعود للعمل"
"ألا يعني ذلك أن الطابعات تستهلك طاقة حتى دون استخدامها؟"
سمع نورمان سؤال إلينا وابتسم وهو يجيب: "سيدة إلينا هذا شيء طبيعي، فغالباً يترك الحداد فرنه مشتعلاً حتى لا يبرد ونفس الشيء هنا، وبالطبع سوف تحتاج هذه الطابعات إلى صيانة دورية كل ستة أشهر مع مراقبة دورية، ومع ذلك يعتبر هذا قفزة هائلة مقارنة بما سبق"
"فهمت" أومأت إلينا بهدوء وهي تراقب الطابعة وهي ترمي العملات في الصناديق الخشبية، وبحسابات دقيقة أدركت أن هذه الآلة سوف تساهم كثيراً وبشكل سلبي في ارتفاع سعر أحجار المانا.
...
انتهى الاختبار وحان وقت مغادرة الاثنين، وبعد فحص العملات قررت إلينا أخذ بعضها إلى القصر، وكان نورمان متعاوناً في إعداد حفنة في صندوق خشبي صغير.
ومباشرة بعد توديع نورمان، دخلت إلينا وأنجيلا في مناقشة حول ما سبق بعد أن انطلقت العربة نحو القصر.
"ما رأيك أنجيلا؟"
"الكفاءة، السرعة، من الممكن أن يقال إن تلك الطابعات متفوقة في كل جانب، لكن اعتمادها على مصدر طاقة وحيد والذي هو المانا يجعلها تحت رحمة تقلبات السوق"
"هذا رأيي أيضاً" أومأت إلينا برأسها: "لكن من جانب آخر فإن استغناء تلك المطبعة عن خبراء في تزوير العملات وإمكانية تدريب أي شخص على استخدامها تعوض القيمة المضافة في الطاقة المستهلكة، ولا ننسى أن عملية الطباعة سريعة جداً"
"نعم، يتبقى أن نعرف رأي جلالته بهذا"
"سيكون من جيد لو وافق على خطة مقترحة"
أومأت أنجيلا متفقة، فهذا الجانب هو الأكثر إزعاجاً حالياً فهو يشل قطاع وزارة المالية والبنك المركزي في نفس الوقت، ويضيف عليهم عملاً لا فائدة منه سوى إعطاء وهم للإمبراطورية أن الأمور تسير بشكل جيد.
"أرجو أن يسير الاجتماع كما هو مخطط"
تمتمت أنجيلا بينما استمرت العربة في الانطلاق نحو القصر.
وفي هذه الأثناء كان راي جالساً على مقعده يفكر بهدوء بينما يلعب بقطعة من الحديد الأبيض، وكانت هذه إحدى حراشف أستر التي تم العثور عليها على الجزيرة التي زارها رقم واحد في مهمة لتتبع الإشارة التي وصلت إلى الظلال.
حسب قول أوميغا فقد أكد رقم واحد أن تلك الجزيرة كانت أحد أعشاش التنانين، لكن حدثاً غيّر تضاريس الجزيرة، ومن آثار القتال تم تأكيد أن الآثار تعود لخمس سنوات فقط.
ومن بين الجثث التي لا تزال صامدة وسط الضباب الدموي الذي غطى الجزيرة، وجد رقم واحد ذراعاً وعديداً من الحراشف استجاب لها الظلام حول جسده مما يؤكد أنها تعود لأستر، ورغم أنه أمضى سنة كاملة في البحث إلا أنه لم يجد أي دليل آخر وقرر العودة سريعاً بسبب اقتراب موعد القمر الأحمر.
بعد توضيح السبب طلب أوميغا الإذن في إرسال مزيد من الأرقام لتلك الجزيرة لتمشيط المكان واسترداد ما يمكن استرداده، فما كان من راي إلا الموافقة لأن ذلك يتعلق بحامي الإمبراطورية.
"سحقا" تنهد راي ولعن ثم وضع القشرة البيضاء وسأل ري: "ما رأيك ري؟"
[ما رأيي في ماذا؟] سأل ري دون أن يرفع عينيه عن الأوراق.
"في ما ذكره أوميغا"
[هل ذلك مهم؟]
"لا أعلم، لكن لو عاد أستر فذلك سوف يسبب مشكلة، ولو مات وانتشر خبر موته فذلك سوف يسبب مشكلة أكبر و أسوء من هذا كله أن تظهر معلومات عنه لا نعرفها"
[ألا تعتقد أنك تفكر أكتر من لازم فقط]
"ربما... وربما لا" تنهد راي وسأل: "بالمناسبة كم متوسط عمر التنانين؟"
[لا أعلم.. كلما كان التنين أقوى عاش أكثر]
"تقصد كلما عاش أكثر أصبح أقوى"
[لا، بل كلما كان أقوى عاش أكثر]
"ماذا يعني هذا"
"طق طق طق"
قاطع صوت طرق الباب الحديث وجذب انتباه راي فأعطى الإذن بالدخول لمورغانا بهدوء.
ابتسم راي ورحب بها قبل أن يسأل عن سبب مجيئها.
"أعتقد أنه يجب أن ترى هذا" تقدمت مورغانا وممرت مجموعة من أوراق.
مرتبكاً أخذ راي منها الوثائق وأخذ لحظة لقراءتها بينما جلست مورغانا تنتظر أن ينتهي قبل أن تسأل عما إذا كان لديه خطة لذلك.
وقبل أن يتحدث راي، سأل راي عرضاً: [هل تلك الأخبار متعلقة بحالة عملة الإمبراطورية؟]
"كيف حزرت؟"
[أطلعني أكيرا عن وضع وبما أنها أكثر مشاكل استعجالا حاليا ظننت أن جلالتك لن تكون مستعجلة ان لم يكن هذا السبب] أجاب ري على سؤال مورغانا قبل أن يحول انتباهه إلى راي: [بالمناسبة، الاجتماع المقرر مع وزارة المالية ومديرة البنك المركزي له علاقة بهذا الموضوع]
"لقد حدث هذا أسرع مما توقعت" أومأ راي برأسه ردا على راي وتمتم بهدوء قبل أن يقوم بطرق فظهر أحد الظلال راكعاً أمام المكتب.
"جلالتك"
"راقب الوضع في العاصمة وأخبرني عن أي استعدادات للتجار والشركات للتحرك بعد فتح أبواب المدينة"
"أمرك"
____________
نهاية الفصل
____________