تابع راي طريقه بعد توقف قصير متوجهاً إلى المكتب الذي لم يكن بعيداً عن قاعة الاجتماعات.
في طريقه، لاحظ انشغال الخدم بالضيوف؛ فمراسم الطمأنينة والمأدبة لم تنتهيا بعد، إذ من المفترض أن تستمر لثلاثة أيام، ومن الممكن أن تسفر عن نتائج جديدة قد تغير الواقع الذي سوف تعيش عليه المدن داخل الإمبراطورية.
في وقت لاحق وبمجرد وصول راي إلى مكتبه، كان أول ما فعله هو إخراج "الأثر"؛ ذلك الكتاب الغامض الذي حصل عليه من الإمبراطور السابع.
كان كتاب الحكيم المنسي يتفاعل بطريقة غريبة طوال فترة الاجتماعات وبطريقة مزعجة أيضاً.
عبس راي وفتح الكتاب لفحصه، ليجد أن النصوص كانت تتغير أمام عينيه بسرعة مريبة ثم تستقر، وكأنها شاشة تعرض حالة النظام الجديد بدقة متناهية بينما تحدّث الوضع في الوقت الفعلي.
تخطى راي كل تلك التفاصيل التي أصبحت واضحة وذهب إلى نهاية الكتاب، وهناك وجد الجوهرة التي كان من المفترض أن تكون بلا لون قد تحولت إلى اللون الأسود الداكن ولا تزال هناك هالة فضية تشتعل حولها وتختفي وكأن الجوهرة لا تزال تمتصها.
" أسود؟ " تمتم راي بصوت خافت: "هل يتفاعل الكتاب مع الاجتماعات الرسمية؟"
كان السبب الوحيد لتجاهل التفاصيل هو تأكيد ما إن كان أي تغير قد أثر على الكتاب ومن الممكن ملاحظة ذلك على الفور عند فحص الجوهرة لكن اللون أسود.
هذا شيء لم يذكره الإمبراطور السابع.
ضاقت عينا راي قليلاً، ثم عاد لقراءة التغيرات في الصفحات من أجل التأكد، تاركاً الجوهرة "تشحن" جانباً. وكما توقع، فإن جميع التغييرات التي أجراها في الاجتماع انعكست فوراً على صفحات الكتاب.
وكان من السهل ملاحظة ذلك لأن كل ما فعله هو الموافقة على العديد من قرارات وزراء وأمراء الأركان وزيادة الميزانية وتقديم بعض المكافآت لبعض الأطراف من أجل تحفيز البقية.
هذه التغيرات قد قرأها الكتاب على أنها قد تمت.
"لكن هذا يعني أنه لا يفحص الإمبراطورية بشكل مادي، بل يستنتج التغيير من خلال القرارات التي يتم اتخاذها من طرفي.. صحيح؟"
تساءل راي ثم هز رأسه رافضاً الفكرة،
"هذا يبدو مختلفاً تماماً عما قاله الإمبراطور السابع."
على أي حال الأثر هو أثر لأنه لا يزال غامضاً وحالياً لم يكن هناك وقت للتحليل العميق، لكن فكرة الحصول على واحدة أخرى من تلك الجواهر كانت مغرية فالأولى قد ساعدت في إنقاذ حياته بينما الثانية تبدو غريبة.
لكن اللون أسود مشؤوم بعض الشيء.
لا بأس بما يفعله هذا الأثر طالما ما يفعله إيجابي.
ثم لاحظ راي أن الصفحة الفارغة بعد قسم ركن الروح قد تحول لونها إلى الذهبي، وهو ما يتوافق تماماً مع إعلانه عن اكتمال بناء "العمود السادس".
"مثير للاهتمام.."
'هل لون الصفحات يشير لمستوى اكتمال الخطة التي تم وضعها من أجل بناء النظام؟ '
مجرد استنتاج ولا شيء مؤكد.
لسوء الحظ، لم تتمكن أرثيل من فحصه أكثر وقامت بإعادة الأثر بعد تسليمه لها كاشفة أن الأثر ظهر بعد عصر إيڤان مما يجعل المعلومات عنه في المكتبة معدومة والحل الوحيد من أجل إيجاد شيء مشابه هو المراقبة حالياً ولذلك تم إعادته إلى راي.
في كلتا الحالتين فقد كان الأثر مفيداً جداً من أجل خطة تشتيت الانتباه حيث تم استغلال قدرة الأثر على حساب عدد سكان الإمبراطورية واستخدام الرنين من أجل ربط تلك القدرة مع الفضاء الافتراضي الخاص بري مؤقتاً.
ورغم أن ذلك استهلك كمية فلكية من طاقة ري إلا أنه تمكن من إنشاء صورة افتراضية حول أجساد كل سكان الإمبراطورية.
صورة لهالة تشتعل وتتحول إلى ريشة ثم سحب ريشة نحو العاصمة وتشكل طائر العنقاء.
ومقارنة بتشكل هالة حول كل شخص اعتبره الأثر كأحد سكان الإمبراطورية فإن تشكيل طائر العنقاء فوق العاصمة كان الجزء الأسهل رغم أن العرض قد استهلك كل الطاقة التي تم جمعها من خلال مملكة الأقزام.
في الواقع لولا استمرار أولئك الأقزام خلال كل هذه الأيام بتزويد المكعب بكميات هائلة من موارد المانا من أجل اكتشاف المزيد عنه لم يكن من الممكن القيام بهذا العرض المجنون.
بعد كل شيء لقد تم استهلاك طاقة راي نفسها وما تبقى من طاقة مخزنة داخل ري من أجل القيام بالعرض الثاني والذي لم يستهلك حتى 1% من الطاقة التي استهلكها العرض الأول، لكن بذلك تم تمويه خطة تثبيت الهرم خلف العاصمة ولولا استعداد نسخة ري التي في مدينة الضباب من أجل إعادة ملء شيء من مخزون ري الفارغ من خزانة نقابة الخنجر الأسود لكان ري قد توقف عن العمل لعدة أيام بسبب هذا.
في النهاية كان كل شيء من أجل تقييد الكنيسة قليلاً ولكن ما إن نجح الأمر أو لا فذلك يعتمد على النتائج اللاحقة.
بالنظر إلى الوقت فهذا وقت الظهيرة ومن المفترض أن تبدأ الكنيسة في الإعلان عن الوحي بشكل فردي بما أنها لم تشارك في بث مباشر.
"أتساءل ما نوع العرض الذي يقدمونه الآن"
'رؤية كاهن يصرخ بالأساطير سوف تكون شيئاً ممتعاً نوعاً ما'
ابتسم راي وهو يغلق الكتاب لكن ما إن قرر إخفاء الأثر وكاد يسأل أرثيل عن سبب الإرهاق الذي يشعر به حالياً حتى شعر بخيط الدم يناديه.
"الظلال؟ "
عبس راي وكان على وشك إعطائهم إذناً بالظهور، بالنظر إلى التوقيت، يبدو أن الكنيسة قد أعلنت عن الوحي وبما أنه قد طلب منهم المراقبة فلا بد أن هناك أخباراً عاجلة، لكن طرقاً على الباب جذب انتباهه.
"جلالتك" دخلت الخادمة بعد الحصول على إذن وانحنت وخلفها شخصان ينتظران الإذن بالدخول.
سيرين وإيليون.
لقد طلب منهما أن يقابلاه لاحقاً لأن الكلام خلال الحفل وبعد الخطاب مباشرة لم يكن مناسباً، وبرؤية أنهما حضرا فور سماع خبر خروجه من الاجتماع جعل ذلك راي يبتسم بصمت لمدى استعجالهما لتنفيذ كلامه.
على أي حال الحديث مع الظلال يمكن أن ينتظر.
نظر راي إلى الأخوين ثم أشار بهدوء بعد صمت قصير إلى الخادمة بالتراجع بينما دخلت سيرين كلينت وإيليون كلينت ليقدما التحية بعد أن تم إغلاق الباب خلفهما.
"نحيي شمس الإمبراطورية "
استكمل راي جلسته وهز رأسه بإشارة خفيفة رداً على تحية الأخوين، ملوحاً لهما بالجلوس.
جلس إيليون دون تردد، بينما جلست سيرين إلى جواره بهدوء.
لم تمر سوى لحظات حتى بدأ الحديث بين راي والاثنين، وسرعان ما تحول إلى نقاش قصير انتهى سريعاً بعد أن أعرب راي عن دعم مسيرة إيليون ليصبح فارساً ومسيرة سيرين من أجل أن تصبح ساحرة عناصر متخصصة في سحر الماء.
لكن تغير الجو لحظة انتهاء راي من حديثه.
بدا الأخوان صامتين لكن ملامحهما لم تكن جيدة، وفجأة كسرت سيرين هذا الصمت رفضاً للعرض بأدب، بينما صرّ إيليون على أسنانه وبدا أكثر عدائية تجاه العرض نفسه.
ورغم ذلك ظل هادئاً على السطح، رفض وانتظر انتهاء الحديث ثم خرج من القاعة بغضب يكاد ينفجر من طريقة حديث راي، وفي النهاية لم يكلف نفسه حتى عناء الانحناء والاستئذان للمغادرة.
وضع يديه في جيبيه وصرّ على أسنانه واستمر في المشي مبتعداً عن المكتب بينما توقفت سيرين وودعت راي بهدوء قبل أن تلحق بإيليون بسرعة.
ومع صوت إغلاق الباب، تصلب راي في مكانه جالساً خلف المكتب متسائلاً عن سبب ذلك التعبير الذي أبداه إيليون: "هل قلت أي شيء خاطئ؟"
[السؤال الصحيح: هل قلت شيئاً مناسباً أصلاً؟]
"أرثيل"
[حسناً، بطريقة ما ذلك الفتى يشبهك] تحدثت أرثيل مشيرة بهدوء، فأمال راي رأسه مستغرباً:
"إنه أخي الصغير فمن المفترض أن يشبهني قليلاً فلنا نفس الأب، لكن ما علاقة هذا بسؤالي؟"
[لا أقصده في الشكل، لكن على العموم ليس من عادتك أن تتصرف بهذه الطريقة]
"ما الذي تعنينه بليس من عادتي التصرف بهذه الطريقة؟"
[في الواقع لا يهمني كيف تتصرف لكن بما أنك بدوت تتساءل فقلت أن أسأل وأرى ما إن كنت مدركاً للحديث الذي جرى بينك وبين الأخوين لكن... لا يبدو كذلك]
"أعلم يا سيدة: لا يهمني لو انتهى العالم، ألا تبدين مهتمة جداً لهذا الموضوع على عكس عادتك؟"
[حسناً، نوعاً ما، بعد كل شيء يملكون عيوناً ذهبية]
__________
نهاية الفصل
__________