​إمبراطورية أستر هي أقدم إمبراطورية في هذه القارة وهذا لا جدال فيه، وتبعاً لذلك فإن ظلال أستر كان عليها أن تراكم من القوة ما يكفي لتحافظ على تميزها.

​لكن مع ضعف الإمبراطورية ألم تضعف هذه المنظمة؟

​يا له من أمل زائف! فمهما كانت قوة الظلال، فبينما كانت تضعف فقد كانت قوات العدو تصبح أقوى، وإمبراطورية مفسدة لا بد أنها استثمرت الكثير في هذه المنظمة التي تدعى باسم الغربان.

​والآن أتى غربان يسخرون من العنقاء داخل أرضها قبل أن يتركوا تحذيراً ويختفوا عن الأنظار.

​"مجدداً... هذا شعور مقزز بالعجز"

​لعن راي وغرق في أفكاره حتى وصل وقت الاجتماع.

​في النهاية مهما فكر بالأمر وجد أن أفكاره سطحية دون مزيد من المعلومات، ومهما ظن أن ما حدث سيئ فقد وجد أنه أسوأ مما يظن مع كل فكرة.

​لقد كان هذا تحذيراً وتهديداً واضحاً.

​"كان تحذيراً صحيحاً" عبس راي وتقاطبت حواجبه "ماذا لو لم يكن هذا هو التحذير؟"

​من لون الرسالة إلى إيصال الرسالة مع ظلال نفسها، ثم باسم قائد المنظمة المسؤولة عن جمع المعلومات، وبنبرة أقرب شخص إلى العرش، إلى الكشف عن أنفسهم في النهاية...

​كان كل شيء يهدف لهدف واحد وقد حقق الهدف.

​لكن هل هذا كل شيء؟

​"أرجو أن يكون هذا كل شيء"

​في النهاية، ودون التوصل إلى استنتاج، عاد راي إلى الاجتماع بعد أن حاول تهدئة نفسه.

​فُتحت القاعة ودخل راي بهدوء وكان الجميع لا يزالون في القاعة، فقط المقاعد مختلفة، حيث اجتمع أغلبهم حول ري وألكسندر، وما إن دخل راي حتى نظر له الجميع عدا ري بارتباك.

​ثم وقف ري أولاً ورحب، فلحق به الجميع بسرعة لترحيب برااي ولا يزال الارتباك عليهم واضحاً.

​هل مرت ثلاث ساعات بالفعل؟

​نظر كل شخص إلى الآخر يطرح نفس السؤال، بينما يأخذ راي مقعده ويشير لهم بالجلوس قبل أن يضع الأوراق التي جهزها، ومباشرة بعد ذلك بدأ الاجتماع الثاني في مناقشة المشاكل المهمة حالياً.

​شارك راي في النقاش بصفته إمبراطوراً ورئيس وزراء، وعندما بدأ الاجتماع يدخل في مرحلة مناقشة بين الوزراء قرر راي التراجع وترك مساحة للجميع من أجل التعبير عن آرائهم.

​وبالأستماع لنقاشهم، بدأ راي يقود الجو العام من خلال كسر أي جدار فكري يقع فيه أحدهم من أجل الحفاظ على تدفق طبيعي للحديث، لكن سرعان ما بدأ وزير الداخلية ووزير العدل في جدال عنيف بخصوص القوانين التي يريد وزير العدل تطبيقها على وزير الداخلية فوراً.

​وأصر وزير الداخلية أن الوقت الحالي ليس مناسباً، لكن وزير العدل أصر أكثر أن هذا الوقت غير المناسب لوزارة الداخلية هو أنسب وقت لوزارة العدل من أجل التدخل.

​لم يتدخل راي وترك المحادثة تستمر، فقد تكون نبرتهم عنيفة لكن كان كل شخص منهم يقدم دليلاً وأسباباً على أي اعتراض يضعه، كما أن الجميع لم يراقبوا الوضع فقط، بل كانوا كذلك في مكالمة خاصة مع باقي الأقسام، فقط مورغانا وري يتحدثان بهدوء عن الخطط القادمة.

​ودون راحة استمر الاجتماع حتى حل المساء دون نتيجة، بينما عادت سماء العاصمة لتمطر ثلوجاً باردة على هذه المدينة المنهكة.

​واستمر الاجتماع حتى حل الليل وتوقفت المأدبة مؤقتاً، بينما لا يزال إيليون يحطم الدمى الخشبية في ساحة التدريب والغضب بداخله يرفض أن يهدأ.

​وسيرين تراقبه بهدوء بينما تفكر هي الأخرى في محادثتها التي جرت مع هذا الأخ الكبير.

​وفي هذه الأثناء خارج القلعة وعلى أطراف العاصمة وقرب السور، طفل يحفر في الجليد ويكوّن كرة من الثلج ثم يرميها على ميا.

​عبست ميا منزعجة وهي تطلب منه التوقف وتركها تكمل الحديث مع الفتيات، لكنه رفض، فأخذت كرة وبدأت بمطاردته بغضب، لكن لا يزال الطفل يضحك بينما يهرب.

​ولكن فجأة سقط على الأرض عندما داس على شيء صلب.

​وتوقفت ميا عن الركض خلفه عندما رأته يسقط، فبدأت الفتيات خلف ميا يضحكن عليه، ومحرجاً وقف الفتى وهرب بينما يخفي عينيه.

​ابتسمت ميا وهي تراه يهرب، ثم نظرت إلى القطعة الزرقاء التي سقط الفتى بسببها، فجذب شكلها الغريب انتباهها لتتقدم وتحاول سحبها.

​كانت القطعة عالقة داخل الجليد مما جعل استخراجها صعباً في البداية، لذلك اختارت ميا أسهل حل: حفر الجليد حولها لأن الشكل على سطحها بدا جميلاً.

​لكن ما إن أبعدت الثلج حتى سقطت ميا إلى الخلف بوجه شاحب.

​نظرت الفتيات إلى ميا وحاولن الاقتراب، فاستدارت ميا بسرعة وصرخت أن يبتعدن.

​تجمد الأطفال مرتبكين بينما أسرعت ميا لتغطية ما شاهدته، ثم وقفت تنظر إلى المكان وهي تحاول إجبار نفسها على الهدوء.

​يد، تلك كانت يداً بالتأكيد.

​يد بشرية.

​شخص ما مدفون تحت هذا الجليد.

​أي طفل عادي لم يكن يستطيع الحفاظ على عقله في هذا الوضع، لكن عندما تذكرت منظر الرجل الغارق في الدماء قرب خيمتهم خلال الشهر السابق داخل الملجأ، تمكنت من الهدوء.

​مقارنة بذلك اليوم الذي كان فيه منظر دماء وعيون جثة تحدق بها مباشرة، فهي لم ترَ الآن سوى يد بشرية فقط.

​لكن مهما كانت ميا شجاعة وقوية وذات عقلية ناضجة صُقلت بتحمل مسؤولية العيش لوحدها، إلا أن جسدها قد تجاهل نضجها الذهني ووقف يرتجف في مكانه بعد تغطية اليد بالجليد حتى لا يراها الأطفال خلفها.

​وما إن هدأت قليلاً وتمكنت من الحركة حتى استأذنت للعودة للمنزل، لكن ما إن ابتعدت قليلاً حتى تسارعت خطواتها وتحول المشي إلى ركض نحو الشارع والخوف المكبوت بداخلها يعود ليسيطر على عقلها.

​"حارس... حارس... حارس"

​كررت ميا نفس الكلمة وهي تركض.

​لقد اعتاد الناس على وجود حرس الإمبراطورية في كل مكان منذ الخروج من الملجأ، وبما أن فرانكو أخذ مهمة في جانب آخر من المدينة ولن يعود إلا بعد يومين، فكان كل ما تمكنت الصغيرة من التفكير به هو العثور على حارس.

​ومن حسن الحظ لاحظت ثلاثة حراس يدردشون مع بعضهم ويضحكون بينما يتجولون بزيهم الجديد البارز، فبدأت تنادي عليهم بينما تقترب، وعندما سمع الحراس صوت النداء توقف حديثهم وألقوا نظرة، وما إن لاحظوا وجه الطفلة المرعوب بينما تقترب منهم حتى أمسكوا سيوفهم حذراً من وجود شخص خلفها، لكن لم يكن هناك أحد.

​وصلت ميا والخوف قد عقد لسانها وهي تحاول الشرح، بينما نظر الفرسان لبعضهم البعض بارتباك، لكن بتذكر الأوامر، عبس أحدهم وحاول تهدئتها قبل أن ترشدهم ميا إلى اليد المدفونة تحت الثلوج.

​وفي هذه الأثناء كان نفس الشيء يحدث في العديد من الأماكن في مدينة أستر والعديد من المدن الأخرى:

​جثث بيضاء وأطراف مدفونة تحت الثلج في أماكن متفرقة.

​وبعد تلك الليلة الطويلة تحت مطر الثلوج الخفيف، وصل الفجر وحل صباح اليوم التالي على القلعة ليتم استكمال المأدبة والاجتماع الذي توقف ليلة الأمس.

​لكن حتى بعد وصول راي ودخول القاعة، فقد تأخرت مورغانا وليلى بشكل غريب، مما ترك القاعة صامتة بينما يرمق الوزراء راي الجالس بصمت بنظرة عابرة من وقت لآخر.

​أن تأتي بعد الإمبراطور كانت إهانة للبروتوكول الملكي بغض النظر عن السبب، فذلك لا يعني إلا أن الطرف الآخر يضع وقته واهتماماته فوق هيبة الحاكم.

​ومع ذلك، نظراً لأن راي أتى للاجتماع في وقت محدد اليوم ولم يتأخر قليلاً كالمعتاد، فمن الممكن أن ينتهي الأمر باعتذار من الطرف الآخر ما لم يكن ذلك إشارة لإهمال أو تقصير جسيم، فإن لم يكن هناك عذر قاهر يجعله يغض النظر عن هذا التصرف فماذا سوف يكون مصير ليلى؟

​هل من المعقول أن ليلى ومورغانا تحاولان إرسال رسالة سياسية والتمرد على النظام الجديد؟

​لمعت هذه الفكرة في عقول الوزراء لكن بسرعة حاولوا تغطيتها، فلم تبدُ مورغانا ولا ليلى من هذا النوع، ومع ذلك استمر انتظار راي لنصف ساعة أخرى قبل أن يأتي صوت من الجانب الآخر من الباب.

​انفتح الباب لتدخل ليلى وهي لا تزال تحاول التقاط أنفاسها، وخلفها مباشرة دخلت مورغانا أيضاً، ويبدو أنها أتت ركضاً إلى القاعة أيضاً، فسأل راي مباشرة وبهدوء:

​"هل تأخرتما في النوم أم ماذا؟"

​بينما يحاول الاثنين التقاط أنفاسهما، انحنت مورغانا اعتذاراً وفعلت ليلى نفس الشيء، وبسرعة تحدثت مورغانا وهي تقترب من راي وفي يدها تقرير: "جلالتك، عليك النظر لهذا بشكل عاجل".

​صمت راي ينظر إلى مورغانا مطولاً قبل أن يتنهد ويأخذ الوثيقة من يدها ويترك أمر تأخرهما جانباً في الوقت الحالي.

​وفي نفس الوقت تقدمت ليلى من أجل وضع تقرير آخر قبل أن تتراجع خلف مورغانا، ورفض الاثنان الجلوس قبل أن يسمح لهما راي بذلك.

____________

نهاية الفصل

____________

2026/08/16 · 21 مشاهدة · 1239 كلمة
Ryuzaki
نادي الروايات - 2026