فتح راي التقرير الأول الخاص بمورغانا، وكان التقرير يحمل في طياته شائعة مرعبة بدأت تنتشر كالنار في الهشيم ليلة الأمس عبر أزقة العاصمة والمدن المجاورة.
شائعة لم تكن مجرد أقاويل عابرة يبثها العامة في المقاهي والملاجئ، بل شيء انفجر فجأة وهز الإمبراطورية خلال ساعات قليلة جداً.
وبدأ التقرير بسرد الإعلان الباهت للوحي من طرف الكهنة حيث كان تفسير الوحي الأول هو أن هذه الإمبراطورية سوف تسقط بسبب لعنة، وما إن يتم القضاء على تلك اللعنة فسوف يبارك النور هذه الأرض من جديد.
لكن ما أعلن عليه الكاهن كان شيئاً يعلمه الجميع، فكان رد فعل الوحيد لمن حضر لحظة إعلان الوحي هو تساؤل بينهم عن ماهية اللعنة فقط.
وبما أن الكاهم لم يؤكد ما هي اللعنة، فقد ظل الأمر غامضاً، لكن حتى الغبي استطاع ربط هذا الوحي مع الشائعات وتوجيه تساؤل ما إن كانت اللعنة هي الإمبراطورة.
لكن كل ذلك الحديث انجرف مع حديث عن الهرم المقلوب والتنين والعنقاء، لكن فجأة ودون سابق إنذار...
كلام بعض المجانين في العديد من المدن يعيد انتباه الجميع، فعندما صرخ كل واحد منهم أن بقاء اللعنة على قيد الحياة سوف يدمر هذه الإمبراطورية وأن أول علامة لذلك هو مرض عظيم لن يعالجه إلا النور.
وبدأ العامة في اكتشاف العديد من الجثث في العديد من المناطق الحيوية في كل مدينة، وفي كل مرة يتكرر الأمر، وعندما تم تأكيد نوع المرض الذي ظهر فجأة، أصبحت تلك المقولة لها صدى في كل بقاع الإمبراطورية.
واستمر التقرير في تأكيد مدى سوء الوضع وصعوبة السيطرة عليه، فقد أصبح حتى الموظفون في الركن وحتى الأطراف مترددين أمام هذه الحقائق الواضحة.
وحتى من لا يزال مستعداً للتحرك بلا مبالاة من أجل دحض الشائعات وجد نفسه ينجرف أمام قسوة خوف الشعب من هذا الطاعون الأبيض.
توقف راي واختفت تعابيره وحل معها برود وهدوء غير عادي عندما رفع رأسه إلى مورغانا وسأل: "هذا المرض اسمه الطاعون الأبيض؟".
أومأت مورغانا وأكدت، فأشار لها راي بالجلوس دون مزيد من الأسئلة، وما إن فتح ألكسندر فمه ليعترض حتى أشار له راي بصمت ونظر إلى ليلى: "هل تقريرك له علاقة بما قلت؟".
"أجل جلالتك"، أجابت ليلى بسرعة، فسأل راي عن سبب تأخرها، لكن مثل مورغانا فقد غادرت الأمس القلعة بعد تلقي رسالة بعد الاجتماع ومن أجل التحقق وكتابة التقرير، فقد كان عليها الذهاب لعدة مدن من أجل تأكيد الوضع، وبسبب تأخر النقل صباح اليوم تأخرت في العودة بسرعة.
مع الاستماع لكلمات ليلى، لم يجد الوزراء ما يعبرون عنه، لكنهم لا يزالون يجهلون ما الذي تتحدث عنه ليلى.
أمرها راي بالجلوس أولاً، وما إن فعلت حتى سأل بينما يأخذ تقريره: "إذاً ماذا اكتشفتِ، هل هو الطاعون الأبيض حقاً؟".
"أجل جلالتك، من أعراض المرض نعتقد أنه الطاعون الأبيض"، أجابت ليلى دون تردد، "لقد قمت بتأكيد الأمر مباشرة بصفتي كيميائية، وبعد فحص العديد من الحالات ليلة الأمس فهناك احتمال كبير أن جميع الحالات الأخرى مصابة بنفس المرض وهو الطاعون الأبيض".
ساد صمتٌ مرعب على القاعة، ثم انطلقت الهمسات المذعورة بعد إدراك ما الذي تتحدث عنه ليلى: "انتشار الطاعون؟!".
رفع راي يده فجأة فصمت الجميع. لم ينطق بكلمة، لكن الجو حوله كان يعلمهم أن الصمت هو كل ما يريد، ثم بهدوء وضع الأوراق على الطاولة بعد الانتهاء من مراجعتها.
لقد تم تأكيد ذلك.
لا شك في الأمر والتقرير كان واضحاً رغم أنه فوضوي بعض الشيء بسبب التسرع في كتابته، لكنه أدى الغرض وأكد أن هناك مرضاً انتشر في المدن داخل الإمبراطورية.
نظراً لأن الأبواب لم تفتح، فمن الممكن إغلاق المدن ومنع أهل القرى من العودة لقراهم حتى يتم إيجاد حل للمرض، لكن هل هذا لا يختلف عن فرض حجر صحي على الإمبراطورية بالكامل وخنق اقتصادها؟
ومن بين جميع الأمراض، لماذا كان هذا المرض بالضبط؟
بعد صمت قصير رفع راي عينيه ونظر إلى ليلى مطالباً بمزيد من التفاصيل عن المرض نفسه وليس وضع الحالات التي ذكرها التقرير، فتقرير مورغانا وتقرير ليلى أيضاً كُتبا بطريقة تفترض علم راي بالمرض.
لكن مهما بحث لم يجد إلا معلومات وقصصاً عن تاريخ هذا المرض ونتائج ظهوره والممالك التي هلكت بسببه قبل أن يتم اكتشاف العلاج.
ومن شرح ليلى فقد كانت طبيعة المرض واضحة؛ فهو يبدأ بالتحنيط الجليدي حيث لا تظهر على المصاب بقع سوداء أو ما شابه، بل يبدأ الجسد بفقدان حرارته تدريجياً، وتلك العملية تنقسم إلى ثلاث مراحل.
وفي المرحلة الأخيرة تتحول سوائل الجسد إلى بلورات دقيقة تحت الجلد مما يجعل الجثة بيضاء كالثلج الناصع بعد أن يتجمد صاحبها حتى الموت، وهذه عملية تأخذ وقتاً طويلاً يراقب فيها الشخص نفسه يموت ببطء.
ولذلك عرف هذا المرض باسم الطاعون الأبيض حتى يسهل تمييزه عن باقي الأمراض.
وقد يكون الجزء الأسوأ هو العدوى الصامتة.
هنا لا ينتقل المرض عبر الهواء، لكن البقاء بجانب المريض لعدة دقائق قد يُعدي، كما أنه ينتقل بشكل مؤكد عند لمس المريض، حتى مع الوقاية فلا يشعر المصاب سوى ببعض البرودة في أطرافه قبل أن تبدأ أعراض المرض.
"ماذا عن تقرير الشهود؟" سأل راي مدركاً.
حسب طبيعة المرض، فكل من لمس أو وجد الجثة فمن المفترض أن يتم عزله وتصنيفه كأحد المصابين.
"جلالتك"، أرادت مورغانا أن تشير إلى ملفها الذي كان يحتوي على بعض التفاصيل بخصوص هذا، لكن يد راي أوقفتها عن متابعة كلامها، وسقطت نظرة راي على وزير الداخلية فقط ينتظر إجابة على السؤال.
تجمد وزير الداخلية غير عالمٍ بماذا يرد.
وزيرة الصحة وحتى مورغانا ليسا هم من كان عليهم التأخر عن هذا الاجتماع، بل وزير الداخلية.
لكن لماذا هذا الشخص المسؤول عن الحرس الامبراطوري وهم من تعاملوا مع الوضع بسرعة، جالسٌ هنا مرتبكاً من الكلام الذي يقال في حضرته؟
أخفض وزير الداخلية رأسه ولم يقل شيئاً.
ليس هناك عذر، وأصبح سبب تأخر مورغانا وليلى أكثر من مفهوم، وبتجاهل حقيقة تأخرهما تنهد راي وأمر وزير الداخلية بمغادرة القاعة والتحقق من الوضع.
وبعد مغادرة سيدريك أمر راي أن يستمر الاجتماع.
في نفس الوقت ومع وصول الأخبار إلى النبلاء في القصر تم إيقاف المأدبة وأصبح التوتر مسيطراً على القاعة حتى اضطر راي نفسه للظهور من أجل تهدئة الوضع بعد نهاية الاجتماع ومعرفة التفاصيل من رئيسة الخدم.
ومن أجل ضمان سلامتهم طلب منهم البقاء في القلعة، ففي أسوأ الأحوال من الممكن أن يتدخل راي شخصياً من أجل علاج من يمرض بما أنه الوحيد الذي يحمل سمة النور.
وصباح اليوم التالي يستمر الاجتماع لكن هذه المرة يركز على الطاعون الأبيض، وقد عاد سيدريك بعديد من التقارير حيث لم ينم منذ أن غادر اجتماع صباح أمس أملاً أن يتوقف تقييم الامبراطور نحوه بانخفاض أكثر.
وبدأ سيدريك أولاً تحت أمر راي بتقديم تلخيص من الشهود وكذلك شهادة الحراس الذين عثروا على الجثث، ثم زاد عبوس راي.
"هناك شيء غريب،" وضع راي الأوراق فوق الطاولة وتكلم أخيراً: "توقيت ظهور هذا الطاعون غريب."
"جلالتك، يبدو هذا مصنَّعاً بشكل واضح،" تحدث سيسلين، فنظر الجميع إليه متفقين معه.
"حسب علمي،" تابع مارتس مباشرة: "صحيح أن هذا الطاعون قد يظهر في 'الشتاء الأسود' بعد ليلة 'القمر الأحمر'، لكن احتمالية حدوث ذلك ضعيفة جداً. لماذا تعاني منه العاصمة الآن بعد انتهاء الشتاء الأسود وفصل الشتاء، ولماذا ظهر مباشرة بعد الانقسام بيننا وبين الكنيسة؟". ثم سأل بحدة: "وما هو علاج الطاعون الأبيض؟".
أجابت وزيرة الصحة على ذلك: "إجابة على سؤالك، العلاج الوحيد المعروف هو 'عملية تطهير' تقوم بها الكنيسة للحد من انتشاره في المرحلة الأولى، ثم محاولة إنقاذ من دخل المرحلة الثانية. أما أصحاب المرحلة الثالثة والأخيرة، فيتم عزلهم وحرق جثثهم".
"هل هناك طريقة أخرى؟" سأل راي.
"لا توجد حالياً"، أجابت الوزيرة بتأكيد، "سمعت أن بعض الأعشاب تقلل سرعة انتشار المرض في الجسد لكن لا يمكن لإمبراطورية أن تحصل عليها حالياً".
سأل راي بعد صمت قصير: "كم يعيش المريض بعد الإصابة؟".
"يعتمد ذلك على حجم بنية الجسد"، أوضحت ليلى: "بنسبة للبضر فلا يحتاج أمر أكثر من ساعات قليلة للطفل وأيام للبالغ حتى تبدأ المرحلة الأولى بعد الاصابة. أما في المرحلة الثانية عندما تظهر الأعراض بوضوح ويفقد الجسد حرارته ويصاب بالشلل. فهي تستغرق سبعة أيام للطفل وشهراً كاملاً للبالغ، قبل الدخول في المرحلة الثالثة والتي تعرف بمرحلة 'الموت الصامت'؛ حيث يظل المريض عالقاً داخل جسده، واعياً بالعالم حتى بعد توقف قلبه".
___________
نهاية الفصل
___________