​حقيقة أن إمبراطورية قد تبدأ عداوة مع كنيسة لم تكن خفية على النبلاء ناهيك عن الذين يعملون بجانب الإمبراطور، وبينما ظل اعتقاد النبلاء مجرد اعتقاد دون دليل فإن الوزراء كان لديهم تأكيد واضح أن راي يخطط إلى رفع يد الكنيسة بشكل كامل عن سياسة الدولة.

​تبعا لذلك لا يمكن أن تقف الكنيسة ساكنة وتقبل ذلك ببساطة خصوصا بعد أن قام راي بخداعهم واستغلالهم في بداية هذه التغييرات قبل استبعادهم.

​حتى لو كانت فرصة استعادة هذه الإمبراطورية لقوتها ضعيفة إلا أن الطرف الآخر لا يخطط للانتظار ومراقبة الوضع ببساطة.

​"رغم ذلك"

​إلى أي مدى من الممكن أن يتمادى الطرف الآخر.

​تنهد راي وتكلم بهدوء، لكن كان الجميع يشعر بذلك الغضب المكبوت بداخله من خلال نبرة كلامه: "في النهاية، إما الخضوع للكنيسة لأنها تملك 'سر التطهير'، أو المخاطرة بفناء الشعب".

​'إذاً هذا هو التحذير والتهديد الحقيقي وسبب إرسال الرسالة' ابتسم راي بسخرية عندما صدق حدسه.

​الآن أصبح الأمر واضحا.

​هذا فوز للكنيسة مع وضع خيارين على الطاولة:

​اعتذر واخضع للكنيسة وأثبت إخلاصك بالتخلص من اللعنة بنفسك وسوف تقف الكنيسة وتبارك أفعالك وتساعدك على إنقاذ الإمبراطورية.

​أو استمر في ما تفعله وسوف تجد نفسك عدواً للكنيسة وتهلك مع هذه الإمبراطورية.

​في كلتا الحالتين الكنيسة تفوز.

​خطوة عبقرية ولا يبدو أنهم يمانعون اللعب بحياة الناس من أجل مصالحهم.

​'لكن هذا يؤكد أن الغربان تمكنت من كشف قوة الإمبراطورية' أمسك راي ذقنه يفكر ثم لم يستطع إلا السخرية من نفسه 'واعتقد أنني السبب في ذلك'.

​سابقا ومع وضع فوضوي فقد كانت قوة الإمبراطورية مجهولة للقوى الخارجية مما يجعل جمع المعلومات صعباً على أي جواسيس.

​لكن مع النظام الجديد الذي رتب تلك الفوضى فلم يكن على أي جاسوس سوى التسلل إلى الركن الثاني والحصول على كل المعلومات جاهزة.

​'وهذا يعني أن هناك جاسوساً في الركن الثاني، أضف على ذلك وجود بعضهم في القصر وأتوقع أن هناك فأراً في كل ركن من أركان النظام الجديد'.

​هذا يجعل الوضع أسوأ.

​لكن الأسوأ من هذا كله أن الطرف الآخر لا يخفي نفسه بل حتى إنه وخوفاً من أن نسيء الفهم فهم يقومون بتزويدنا بعديد من المعلومات دون ترك أدلة.

​'نحن من فعلنا ذلك فلا داعي البحث عن جاني'.

​"يال لطفهم".

​الآن ماذا... ما الحل.

​ساد صمتٌ مرعب في القاعة، وبدت الملامح غارقة في اليأس؛ فانتشار الطاعون في هذا التوقيت هو أسوأ ما يمكن أن يحدث حالياً. وقطع راي هذا الصمت بسؤاله لوزيرة الصحة: "إلى أي حد وصل انتشار المرض؟".

​أجابت ليلى بنبرة يملؤها الأسى: "أعتذر يا جلالتك، لا نزال نفحص الأمر".

​أومأ راي و لم يقل شيئاً ولم يلقِ اللوم على أحد، رغم أن خلل وصول الأخبار يقع بوضوح على عاتق وزارتي النقل والداخلية إلا أنه من غير الممكن الضغط على هاتين الوزارتين من أجل فعل ما هو فوق قوتهما.

​وكان راي مدركاً لمدى إمكانياتهم الحالية لذلك لم يعاتب إلا عندما لا يفعل أحدهم شيئاً كان في حدود إمكانياته، لكن مع ذلك، شعروا بوطأة التقصير عندما اعتذرت وزيرة الصحة بدلاً من أن تقدم إجابة شافية وذلك بسببهم.

​عادت نظرة راي إلى الحاضرين ودرس ملامحهم قبل أن يسأل: "هل يملك أحدكم أي حل لهذه المشكلة؟".

​ولأول مرة يطرح راي هذا السؤال.

​بالنسبة له لم يعد هناك شيء سوى الاعتماد على المكعب والهرم أملاً في أن يكون هناك مخرج من هذا الحصار لكن قبل ذلك، سأل الحاضرين أملاً في الحصول على شيء من وجهة نظر مختلفة.

​لكن صمت الجميع كان الإجابة الوحيدة التي قدموها.

​ثم كسر ري هذا الصمت بنبرة يملؤها الغضب المكبوت: [جلالتك، هل تسمح لي أولاً بالذهاب من أجل تحليل المرض؟]

​رفع راي عينيه نحو ري مدركاً تماماً ما يرمي إليه؛ فقدرة التحليل سوف تكون مفيدة هنا، لكن ري كان يحتاج لإعادة طرحها رسمياً أمام الوزراء لشرعنة الخطوات القادمة. سأله راي مواكباً لذلك: "بماذا تفكر؟".

​[لدي قدرة خاصة على التحليل. قد لا أصل للعلاج، لكن يمكنني على الأقل كشف السبب الحقيقي خلف المرض من أجل أن نتمكن من فرض حجر صحي حتى الحل لذلك أطلب الإذن بفحص أحد المرضى].

​أومأ راي برأسه ببطء، في النهاية يجب الاعتماد على وسائل غير طبيعية من أجل حل هذا الوضع "حسناً، يُرفع الاجتماع حالياً. لتتوجه الأطراف المعنية للحصول على مزيد من المعلومات، ويتابع الآخرون أعمالهم. فليبقَ أمر ركن الروح وأمر ركن الاستخبارات فقط، ويغادر الجميع".

​"أمرك".

​بدأت القاعة تفرغ ببطء شديد، وعلت المكان وقع خطوات ثقيلة تُعبر عن عجز الحاضرين وقلة حيلتهم.

​وبينما يتجه الجميع نحو المخرج مال بعضهم نحو ري من أجل طرح سؤال رغبةً في الحصول على قشة أمل وسط هذا الظلام. بينما لم ينظر الباقي إلى ري حتى بعد المغادرة من القاعة بصمت قبل أن يقتربوا منه للحصول على إجابة.

​مدركاً ذلك، ابتسم ري قبل أن يطمئنهم بأن الوضع لا يزال تحت السيطرة حتى الآن [حتى لو ساء الأمر أكثر فطالما جلالته لم يتحرك شخصياً فذلك يعني أن هناك مخرجاً، لذلك ثقوا في القائد الذي يقودكم حالياً].

​ترددت نظرات الوزراء لبعضهم البعض بينما تنهد البعض واستمر في طريقه قبل أن يتردد صدى صوت تنهيدات في الممر قبل أن يبتسم البعض ويودع ري.

​"لكن بتفكير بالأمر" سأل سيلاس بينما يسير بجانب سيدريك عن شيء استوعبه حالياً: "أليس أمر ركن الاستخبارات هو المسؤول عن جلب المعلومات؟"

​نظر سيلاس إلى وزير الداخلية بنظرة من الواضح معناها.

​لماذا طوال الاجتماع لم يطرح راي أي سؤال على مارتس، بل اعتمد على مورغانا وليلى ووزير الداخلية سيدريك؟

​ابتسم سيدريك ولم يجب على الفور فقد كانت الإجابة واضحة، فهناك معلومات من الممكن مشاركتها مع الوزراء وهناك معلومات من الأفضل عدم مشاركتها.

​في وقت سابق وبعد مغادرة الجميع، خيّم هدوءٌ ثقيل على القاعة الواسعة، ولم يبقَ سوى راي ومارتس ومورغانا.

​لم تتغير نبرة راي، بل ظلت باردة وحادة كما كانت؛ فالموقف لا يحتمل أي تهاون، والتفت نحو مارتس وسأل بهدوء: "قدّم تقريرك."

​أومأ مارتس قبل أن يقف: "ما اكتشفناه هو أن مواقع الجثث لم تكن عشوائية، بل استهدفت الأماكن الأكثر حيوية في أكثر من 30 مدينة".

​أخذ مارتس قلماً وأشار إلى الخريطة على الطاولة ورسم خطوطاً تربط بين تلك الأماكن، كما أكدت مورغانا أن تلك المدن هي التي انفجرت فيها الشائعات وتابع مارتس:

​"من الآثار، فقد تم دفن الجثث بعد الشتاء الأسود مباشرة وقد تم استخدام نقش إخفاء من أجل إخفائها عن أعين العامة مما جعل اكتشافها مستحيلاً، وبسبب طبيعة المرض في الانتشار ببطء في الجسد فقد حصل على كل الوقت الذي يحتاجه من أجل أن يصيب أغلب سكان المدن".

​أضف لذلك حقيقة أن المدن مغلقة مما جعل الطاعون يتجول بحرية لعدة أسابيع.

​"بحسن الحظ وبسبب الانتشار المكثف للدوريات وحراس الإمبراطورية، كان من السهل على المواطنين الذين عثروا على الجثث إبلاغ أقرب دورية فوراً. ومن خلال مراجعة الشهادات، نرى أن الجثث بدأت تظهر ما بين الساعة الواحدة والثالثة مساءً قبل يومين."

​توقف مارتس قليلاً ثم تابع: "بعد البحث أكثر عن أي دليل، لم نجد سوى حالة مريبة واحدة؛ حيث وجدنا تاجراً ساعد شخصاً مجهولاً قبل شهر للوصول إلى البوابة المغلقة مقابل ثمن رمزي".

​"كان ذلك الشخص يحمل حقيبة غريبة، وقد وضعناه تحت دائرة الاشتباه حالياً ولا نزال نبحث في أمره لكن من الآثار المتروكة فيفدو أن ذلك الشخص لم يقصد إخفاء آثاره، إلا أنه وبعد تتبعها والوصول إلى مكان إحدى الجثث يختفي كل أثر لوجود ذلك الشخص."

​أومأ راي برأسه بهدوء متوقعاً ذلك، ثم تابع مارتس: "وهناك أمر الشائعات، فقد وجدنا أن هناك بعض المحرضين يحاولون نشر أخبار عن وجود طاعون أصاب الإمبراطورية. وقد انتحر بعضهم فور القبض عليهم، بينما لا يزال الباقون تحت الاستجواب والمراقبة. سأوافي جلالتكم بالتفاصيل قريباً."

​"هل تقريرك دقيق؟" سأل راي سؤالاً أربك مارتس تماماً: "هل قالت الشائعات إن الطاعون أصاب الإمبراطورية أم أصاب العاصمة فقط؟"

​نظر مارتس إلى تقريره وصمت؛ لم يكن متأكداً، فقد تلقى التقرير من مرؤوسيه ولم يراجع التفاصيل الدقيقة بنفسه. ونظراً لأنه لم يجب، تدخلت مورغانا لتؤكد أن الشائعات تنتشر بعبارة أن المرض أصاب الإمبراطورية.

​تنهد راي وسأل مجدداً: "حسناً، ماذا عن ذلك الشخص الغامض؟ هل وجدت أي شيء غريب في الجثة أو المنطقة التي أوصله التاجر إليها؟"

​"سأحتاج للتحقق من ذلك قبل أن أجيب جلالتك،" خفض مارتس رأسه معتذراً، فظل راي صامتاً قليلاً قبل أن يحول انتباهه إلى مورغانا:

​"هل يتزامن تقريرك مع نشر الأخبار عن 'عبدة الشياطين' وجعلهم السبب في عدم حضور الكنيسة للمراسم؟"

_____________

نهاية الفصل

_____________

اليوم ايضا؛) عدت فصول لعيون 2580

2026/08/16 · 23 مشاهدة · 1286 كلمة
Ryuzaki
نادي الروايات - 2026