تمتد منطقة راكان الكبرى لعدة كيلومترات مما يعني أن التجول للبحث عن وحش آخر هو مجرد إضاعة للوقت، فالوحوش تحترم مناطق بعضها البعض.
وهذا من أساسيات النجاة داخل الهرم.
بالعودة إلى الحاوية، قرر راي مغادرة المكان بما أنه لم تعد هناك حاجة للبقاء بعد تحقيق هدفه، لكنه لا يزال يسأل: "ماذا سوف تفعلون إذاً؟"
"سوف ننتظر عودتك سيدي"، أجابت نيرو بسرعة، "وبما أن الحاوية قرب منطقة راكان فسوف يكون من الأفضل نقلها قرب البرج، وهناك يمكننا التدريب في انتظار عودتك".
تثاءب راي متعباً وهو يسأل: "إن أمكنكم تحريك الحاوية فِلمَ لا تعودون إلى السماء؟"
آه... صحيح.
ذلك مستحيل، الحاوية تملك قوة كافية لدفع نفسها من أجل هبوط آمن فقط، وقد تم استخدام نظام الهبوط ذلك للنزول إلى هذه الأرض بسلام، ومن الممكن تشغيله لتحريكها فقط لأن قوة الدفع لا تكفي للعودة إلى السماء.
كانت آسيا قد أشارت لهذا من قبل.
إذاً يبقى البرج الخيار الوحيد للعودة إلى جزر في السماء.
"حسناً، ماذا عن القدوم معي؟" سأل راي من باب النقاش.
بعد قضاء وقت مع هؤلاء الثلاثة ورغم الإزعاج البسيط الذي يشعر به بسبب تضاد أقطاب المانا الفطرية بينهم، إلا أنه قد يكون من الممكن استخدامهم.
لكن بعد السؤال تنهد مستسلماً وهو يرى تعبيرهم بعد أن نظر الثلاثة لبعضهم البعض بتوتر فأشار بهدوء: "يمكنكم الرفض".
"نحن..." أخذت نيرو زمام القيادة ثم توقفت كما لو أنها ترغب في صياغة رفضها حتى لا يحمل أي نوع من الإهانة، وفي النهاية تابعت: "أعتقد ببقائنا هنا والتدريب في البرج فسوف نكون أكثر فائدة لك سيدي".
"فهمت"، ابتسم راي ولم يجعل الأمر أصعب عليهم.
كان مجرد اقتراح، وبتفكير بالأمر فقد أبدوا حماساً أكبر كلما أخذ الحديث منعطفاً وركز على برج المحن.
لم يعلم راي لماذا، وفي النهاية لم يفهم ولا يريد أن يفهم السبب، كما أنه وبسبب التعب الذي أصابه فلم يعد لديه أي فضول بشأن طبيعة هذا العرق، لذلك تجاهل ذلك وطلب منهم الاعتناء بأنفسهم قبل أن يغادر.
لكن مباشرة قبل أن يختفي راي أوقفته نيرو واقتربت بسرعة من أجل منحه ورقة عليها العديد من الأنماط.
"ما هذا؟"
"إنه مفتاح فتح الصندوق الصغير"، أشارت نيرو إلى كل علامة ثم أشارت إلى أن كل وجه على الصندوق يفتح بنمط مختلف وداخل كل وجه هدايا مختلفة.
شيء معد من باب المجاملة أو الاحترام.
ففي النهاية يتم استخدام نظام الفصل هذا حتى لا تتأثر بعض المواد بطاقة مواد أخرى.
ابتسم راي وشكرها قبل أن يغادر بعد أن زاد تعبه.
وبعد اختفاء راي مباشرة ظل الثلاثة يقفون بصمت حتى تأكدوا أنه ذهب، وما إن أدركوا ذلك حتى سقط الثلاثة على الأرض بزفير طويل من الارتياح.
"لقد كنت متوترة حقاً".
"أحسنت عملاً أيتها الأميرة"، أشادت نتاليا بنيرو بينما عبرت آسيا عن خوفها الذي لازمها خلال هذه الساعات.
مهما بدا ضعيفاً ذلك الشخص، ففي النهاية هو حامل لسلطة هذا العالم.
"أتمنى ألا يعود"، تمتمت نيرو، ثم ابتسم الثلاثة لبعضهم البعض، وقهقهوا بارتياح قبل أن تقف نيرو أولاً وتأمر بتحويل الحاوية أولاً: "دعونا نسرع حتى نتمكن من زيارة البرج في حال عودته".
"أمرك".
في هذه الأثناء، ظهر راي داخل الطابق الأول تحت تذمر أرثيل التي طالبته بمنحها تلك الهدايا من أجل فحصها أولاً بينما ينام.
"لن أفعل ذلك، سوف أرتاح أولاً فقد حان وقت استكمال إعادة البناء، وبعدها سوف آتي للطابق الخامس لفتح الهدايا معاً، هل فهمتِ... معاً".
[لمَ أنت عنيد هكذا؟]
"هذا ليس عناداً بل احترام للطرف الذي قدم الهدايا، لذلك من الممكن اعتبارها أخلاقاً حميدة".
[يا له من هراء، انسَ الأمر، افعل ما تشاء ولا تلمني إذا انفجر شيء في وجهك بعد فتح ذلك العنصر].
ابتسم راي بينما يؤكد أن ذلك لن يحدث.
ثم نظر أمامه حيث أتت ذئاب الطيف الصغيرة من أجل استقباله، ومثل العادة كان الصغار متحمسين جداً لدرجة أنهم أسقطوه بعد أن قفزوا عليه في نفس الوقت.
وعلى الأرض، ابتسم راي متناسياً كل همومه خارج الهرم، واستقبل جراء ذئاب الطيف بحضن دافئ قبل أن يطلق الذئب صاحب العيون المشطوبة عواءً موجهاً نحوه.
رفع راي رأسه فأشار له الذئب نحو حفرة في الجدار.
"هل صنعتَ هذه من تجلٍّ؟" لمعت عين راي مدركاً.
بما أن البقاء في الطابق الرابع مزعج ويسبب مشاكل وكوابيس لا منطقية، فقد قرر بشكل طبيعي تجاهل نصيحة أرثيل والراحة في الطابق الأول من أجل الفوز ببعض الوقت.
ومن حسن الحظ لم يحدث شيء في المرة الأولى.
لذلك ظل يأتي خلال الأيام السابقة بشكل مستمر إلى هنا من أجل أن ينام ويستكمل مرحلة إعادة البناء التي يمر بها جسده حتى أدركت الذئاب أنه يأتي للراحة.
ولهذا السبب بعد أن يستقبله الصغار فهم يتركونه ليذهب ويرتاح قبل أن يناموا حول جسده وينتظروا استيقاظه من أجل استكمال اللعب.
ما لم يتوقعه هو أن صاحب العين المشطوبة قد صنع له مكاناً مخصصاً من أجل النوم.
وهذا لا يعني إلا شيئاً واحداً.
"أرثيل.. سوف أبكي".
[دعني وشأني من هذا].
نهض راي بسرعة واقترب من المكان المعد له قبل أن يسارع ويربت على صاحب العين المشطوبة، لكن بدا أن ذلك غير كافٍ فقام بعناقه بينما يشكره على المكان.
ولم يتوقف راي حتى نال منه التعب قبل أن يترك عنق الذئب صاحب العين المشطوبة.
وعندما شعر الذئب أن جسد راي استرخى بعد التوقف عن الكلام، ساعده من أجل الاستلقاء في المكان المعد، ثم أطلق نفخة من لهب أسود حول جسد راي قبل أن يدور فوق اللهب ويستلقي قربه.
لاحظت الجراء ذلك فأسرعوا من أجل الاقتراب من راي، وما كاد صاحب العين المشطوبة أن يستريح حتى قفز الصغار على جسده وانزلق بعضهم للوصول إلى راي من أجل النوم قربه.
وراقب القائد كل ذلك من بعيد قبل أن يعود للنوم بهدوء.
....
خارج الهرم المقلوب.
في وقت سابق قبل منتصف الليل.
العاصمة، المنطقة الغربية، حانة الحلب.
"إنه هناك".
"شكراً لك"، ابتسم الشاب صاحب قرون الثور السوداء وشكر الشخص الذي دله على الرجل الذي يبحث عنه.
وكان الرجل الهزيل، شاحب الوجه، يجلس على طاولة في زاوية معزولة يتمتم بكلمات غريبة بينما يحدق في شرابه.
قاطع صاحب القرنين هدوء الزاوية وجلس دون إذن قبل أن يسأل متأكداً: "هل أنت سون؟"
رفع سون عينيه متعباً، وعلى الفور تملكه رعب كاد يجعله ينهار في مكانه، لكن بسرعة طمأنه الطرف الآخر: "لا تقلق، لست من الحراس، اسمي كايو وأنا هنا لمساعدتك".
"مساعدتي؟" سأل سون مرتبكاً.
"لقد سمعت عنك"، ابتسم كايو وتابع كلامه: "الرجل الذي قتل صديقه وهرب من أجل الانضمام لعصابة من المهربين".
قاطع سون مضطرباً: "أنا.. أنا لم أفعل، لم أفعل، كان دفاعاً عن النفس، هو من حاول قتلي، كنت أدافع عن نفسي فقط".
"أجل... أياً يكن"، لوح كايو بيده جانباً وانتقل إلى المهم: "لدي مهمة لك، إذا نجحت بها فسوف تغير بها حياتك".
"اذهب".
"لم أكمل كلامي".
"ابتعد عني لا أريد منك شيئاً، اتركني وشأني، اتركوني وشأني، أنا لم أفعل أي شيء فما الذي تريدونه مني أكثر؟ فقط دعوني أعود لمدينتي، لمنزلي، لعائلتي".
"أرى أن خيانة تلك العصابة أثرت عليك"، ابتسم كايو ولم يهتم لرفض سون: "لكن لا تقلق، لست هنا من أجل خداعك كما فعلت تلك العصابة من المهربين، بل على العكس لدي خبر قد يعجبك".
لم يتفاعل سون وظل ممسكاً برأسه، فتابع كايو: "تلك العصابة قد تم القضاء عليها".
"تم... القضاء عليها؟" رفع سون رأسه مستوعباً وهو يكرر الكلمة حتى يتأكد مما إن كان قد سمع الكلمات بشكل صحيح.
"نعم، أولئك الأغبياء قد لمسوا مصالح شخص لا يجب أن يستفزوه، وبطبيعة الحال كان مصيرهم هو الهلاك، لذلك اعتبر نفسك محظوظاً".
____________
نهاية الفصل
____________