بعد تلاشي الجوهرة ظل راي محلقًا أمام أرثيل لفترة، وجسده يستوعب بقايا الطاقة بشكل سلبي، وعندما سُحبت آخر قطرة من طاقة غامضة، فتح راي عينيه لتشرقا بلون ذهبي غطى البياض بالكامل.
[راي؟]
لم يستجب، نبض جسده بشكل متزامن مع صوت قلبه، وعندما بدأ جلده يتحول إلى اللون الأحمر كان الألم يتصاعد ليخدر عقله.
لكن في قلب الألم صر راي على أسنانه وأجبر نفسه على الاستيقاظ من أجل طلب المساعدة من أرثيل رغبةً في مغادرة هذا المكان.
"أرثي... يل"
لم تستجب أو لم يتمكن من سماع ردها، ولم يسمح له الألم بنطق جملة أخرى، لكن كان يعلم شيئًا واحدًا:
عليه ألا ينام.
عليه ألا يفعل.
عليه ألا يفقد الوعي.
مقارنة بالموت داخل الطابق الثاني فهذا لا شيء.
مقارنة برعب الطابق الرابع فهذا لا شيء.
لكن في اللحظة التي تذكر فيها أنه في الطابق الخامس تغير كل شيء.
ما كان مفهوم الموت في هذا الطابق؟
لم يتذكر... لم يتمكن من ذلك.
لكن في تلك اللحظة اشتدت عضلات جسده ورفض كيانه بالكامل فكرة الموت هنا.
الخوف من المجهول ومن الموت أجبره على التخلي عن العقلية المسترخية على الفور.
كان عليه أن يقاوم، أن يتحمل، أن يقاتل، وهو يشعر بتلك الطاقة تتدفق بداخل عروقه مثل الحمم الساخنة لتسديه (أو لتهديه) جرعة من ألم قبل كل نفس يحاول أخذه.
يكاد جسده ينفجر، والدم بدأ يتسرب من مسامه ويتقاطر على الأرضية الخشبية، وعندها شحب جلد راي الأحمر فجأة، وبدأت مادة بيضاء مثل الحليب المكثف بالخروج.
ضاقت عينا أرثيل وهي تراقب، فتسارع خروج المادة البيضاء وبدأت في تحنيط جسد راي.
[مثير للاهتمام]
تحركت يد أرثيل بسرعة من أجل أخذ عينة، واختفى جسد راي داخل المادة التي أحاطت بجسده لتغطي جسمه وصوته وليعود الصمت الذي يناسب هذه المكتبة.
بعد تردد قصير تقدمت أرثيل ثم طرقت على الشرنقة، لكن لم يكن هناك صدى لصوت الطرق حتى أن ملمسها كان مثل الحرير رغم صلابتها، فتنهدت قبل أن تتراجع من أجل أن تراقب بهدوء أثناء التحليل.
في هذه الأثناء، داخل الشرنقة وتحت ضربات القلب المتتالية والمتسارعة، بدأ راي يفقد إرادته في المقاومة ببطء، وما هي إلا لحظات حتى غط في نوم عميق.
ساعات من الانتظار مرت بعدها دون أي جديد.
وبعد تلك الساعات ارتجفت الشرنقة بانتظام، ثم تفاقم اهتزازها ليتحول إلى الشقوق الأولى التي بدأت تتسرب منها هالة بنفسجية وبريق ذهبي وحرارة عالية.
تسببت الحرارة المنبعثة من الداخل في إضعاف الخيوط الحريرية، حتى مزقت الغلاف تمامًا وانفجرت الشرنقة إلى شظايا ضوئية متلاشية.
سقط راي على ركبتيه فوق الأرضية الخشبية، يلهث بشدة وحبيبات العرق الغزير تتساقط من جبينه، بينما تنفسه الثقيل يقطع صمت المكان.
ثم تحركت بؤبؤتا عينيه الذهبيتان ببطء، مسترجعة صفاءها بعد الغيبوبة قبل أن ينظر إلى حوله شاردًا.
[راي] قطع صوت أرثيل شرود راي بينما تقترب منه بخطوات هادئة، تنظر له بعينين مليئتين بالفضول وهي تفحص هيئته بعد الخروج.
[كيف تشعر؟]
وقعت عين راي على أرثيل فتوقفت أرثيل وضاقت عينها بينما تفاعل جسد راي بسرعة، ضاق بؤبؤا عينيه الذهبيتين في خط عمودي مثل القطط، واشتدت أصابعه لتنمو مخالب حطمت الخشب تحتها، ثم تحرك جسده بسرعة ليهاجم مستهدفًا رقبة أرثيل.
عبست أرثيل وعادت لهيئة افتراضية فمر راي من خلالها قبل أن ينزلق على الأرض وهو يساعد نفسه بمخالبه على التوقف.
[لماذا أنت غاضب؟]
دون الرد على أرثيل هاجم راي من جديد، فتحركت يد أرثيل ومن الأرض نما جدار لصد هجوم راي، فتوقف راي وراوغ الجدار وأكمل هجومه، لكن تفاعلت أرثيل بشكل أسرع وأقامت جدارًا آخر من الخشب، وعندما حاول راي تفاديه وجد قدميه عالقتين في خشب ملتف حول كاحليه.
حاول راي على الفور تحطيمها، لكن نمت المزيد من الحبال الخشبية وقيدت باقي أطرافه ورقبته ثم سحبته وأجبرته على النزول على الأرض لتضيق بعدها وتقوم بتثبيت جسده على الأرض.
"أتركـ..ـيني"
[إذًا أنت واعٍ] جلست أرثيل أمام راي المثبت على الأرض وابتسمت بهدوء [لكنك لست مسيطرًا، فهل هذه نتيجة دمج كل جينات تلك الوحوش مع جسدك؟]
"أطلقي... سراحي"
[مثير للاهتمام] ربتت أرثيل على رأس راي بهدوء وتابعت [حاليًا يحتاج جسدك للحركة من أجل هضم كل تلك الفوضى بداخلك، لكن للأسف دون إرادتك لا أستطيع إرسالك إلى الطابق الثاني]
[اعتبر نفسك محظوظًا فهناك حل داخل هذه الغرفة السرية]
فرقعت أرثيل أصابعها وبدأ الفضاء حولها يذوب.
المكتبة، الرفوف، الكتب، الأرضية، كل شيء بدأ يتآكل مثل الورقة عندما تحترق لتكشف عن فضاء مختلف.
إحدى الغرف الغرفة السرية: حقل التجارب، منطقة الدمى.
تحرر راي من سيطرة الخشب بعد اختفائه مع الأرض التي أصبحت صلبة، ثم قفز متراجعًا بينما ينظر إلى أرثيل بحذر، لكن لم تستجب أرثيل لنظرته العدائية.
[أنا أحب هذا المكان فقد تم إنشاؤه من أجلي] ابتسمت أرثيل مشيرة [لذلك أتمنى أن تعجبك إحدى ألعابي]
صر راي على أسنانه ردًا على كلام أرثيل حتى برزت أنيابه بوضوح وكان مستعدًا للانقضاض عليها مجددًا، لكن فرقعة من أصابع أرثيل فتحت أحد أبواب الساحة.
خطوة... خطوة ثانية وتردد صداها المعدني في الساحة.
نظر راي نحو الإنسان الحديدي، الذي يرتدي قناعًا بابتسامة واسعة دون عيون أو أنف، فأشارت له أرثيل بهدوء وهي تتراجع.
[اسم هذا الطفل تبيو.. دعه يعلمك الزحف أولًا]
توسعت ابتسامة تبيو قليلًا، وبأمر من أرثيل أشرقت عروق المانا لتبرز تفاصيل عضلات جسده المعدنية، ثم انحنى قليلًا قبل أن يبدأ بالركض نحو راي.
استجاب راي لتلك العدائية فشد أصابعه حتى برزت مخالب يديه أكثر، ثم ركض نحو تبيو لاستقبال الهجوم.
مع اقترابهما من بعضهما البعض، رفع تبيو يده اليمنى من أجل صد هجوم مخلب راي وجمع قبضة يده الأخرى لتسديد لكمة إلى بطنه.
تفاعل راي بسرعة واستخدم يده الحرة كدرع لصد الهجوم، ثم رفع رأسه وقام بنطح تبيو بعيدًا.
تراجع تبيو بضع سنتيمترات ورأسه للخلف، ثم عاد رأسه بابتسامته المظلمة واستمر الهجوم حيث صد كل واحد منهما هجوم الآخر واستغل أي فرصة للرد.
كان راي يقاتل بغريزة بحتة بينما ظل تبيو يساير وتيرة راي حتى أعلنت أرثيل بهدوء عندما لاحظت أن حركات راي تتحسن قليلًا:
[لنقم بتفعيل مستوى ثانٍ]
تلقى تبيو الأمر فدفع جسد راي بعيدًا وتشقلب متراجعًا للخلف، وما إن استقر على الأرض حتى انشق القناع على وجهه إلى نصفين، من الرأس إلى الأنف، وفتح الشق ليكشف عن عين زرقاء كبيرة.
توقف راي غريزيًا وتراجع بينما يحدق في عين تبيو الوحيدة، وكان جسد تبيو قد بدأ يشتعل بهالة زرقاء، فصر راي على أسنانه وبدأت هالة بنفسجية تتسرب من جسده أيضًا.
وبدفعة خفيفة، انطلق تبيو نحو راي مثل قذيفة، سريعة ودقيقة، استجاب راي بسرعة ووجه لكمة من أجل استقبال تبيو، لكن في آخر لحظة ترك تبيو جسده يسقط ودعم نفسه بيده وسدد ركلة مباشرة نحو بطن راي، فرفعت جسد راي من على الأرض وأرسلته محلقًا نحو السماء.
بصق راي لعابه بينما هو معلق في السماء، ثم بدأ في استعادة تركيزه بسرعة، لكن عندما فتح عينيه لم يجد تبيو أمامه.
بدأ راي بسرعة يبحث يمينًا ويسارًا بينما جسده يرتفع، ثم أدار جسده غريزيًا ليحمي نفسه من ركلة تبيو القادمة من الأعلى، فعاد جسد راي لينطلق مثل قذيفة نحو الأرض.
قبل أن يفتح راي عينيه بعد الاصطدام، سقط تبيو فوق بطنه بقوة فدفنه أكثر داخل الأرض، ثم وقف فوق جسده يحدق به ببرود وابتسامة تحت عينه الوحيدة تتوسع أكثر.
[هل هذا... كل شيء؟]
تساءلت أرثيل مرتبكة، لكن فجأة بدأت هالة بنفسجية تشتعل من تحت جسد تبيو، فضاقت نظرة تبيو، وعندما تحركت يد راي تفاعل تبيو بسرعة وقفز متراجعًا للخلف لتمسك يد راي الفراغ قبل أن تسترخي.
وبدأ يخرج من الحفرة وملامح وجهه مخفية خلف شعره الأبيض.
_______________
نهاية الفصل
______________
سيتم نشر 16 فصل الأن كما وعد
لن افعل هذا مجددا