​فتح راي عينيه ببطء، وأخذت عيناه تتفحصان المكان.

​لم يجد الأرض.

​لم يجد السماء.

​كان محاطاً باللهب الأسود من جميع الجهات، إلا أن النار لم تحرق جسده، بل تحركت حوله بهدوء، وكأنها بحر لا يعرف الغرقُ فيه معنى السقوط.

​ومع ذلك، كان في المكان شيء يبعث السكينة في نفسه.

​مد راي يده أمامه، بهدوء، ثم جمع قبضته قبل أن يدير رأسه ببطء، متسائلاً:

​"أين... هذا المكان؟"

​هل أرسلته الذئاب إلى هنا من أجل أن يهدأ؟

​إن كان كذلك...

​فهذا يبدو فعالاً جداً.

​أدار راي جسده، ونظر إلى الأعماق. وسط اللهب الأسود المتصاعد الذي أعطى وهماً كما لو أن جسده يسقط ببطء نحو الأسفل.

​لم يحاول المقاومة. فلم يكن في هذا المكان ما يطلب ذلك.

​في البعيد، وسط بحر اللهب، ظهرت أضواء حمراء متناثرة، كأنها شرارات صغيرة من النار تسبح داخل اللهب.

​اقتربت إحداها ببطء.

​لم يحاول راي الابتعاد. حتى عندما وصلت إلى وجهه، فلم يشعر بالخطر.

​ثم لمست جبينه. وفي اللحظة التالية... اختفى وعيه.

​عندما فتح راي عينيه من جديد كان يقف على أرض صلبة وفي فضاء مختلف.

​كانت الألوان باهتة، والأرض أقرب بكثير إلى وجهه... بل كان أنفه يكاد يلامس التراب رغم وقوفه.

​حاول رفع رأسه، فتسللت إلى خياشيمه رائحة العشب الندي ورطوبة التربة بشكل حاد وغير معتاد، ومزّق الصمتَ صوتُ هديرِ نهرٍ قريبٍ وحفيفُ أوراق الشجر.

​وعندما رفع نظره، لم يَرَ أفقاً، بل جذوع أشجارٍ عملاقة تمتد نحو السماء الصافية.

​'غابة' فكر راي، ثم أراد أن ينظر حوله من أجل تأكيد ما يراه، لكن رقبته التوت بزاوية غير طبيعية، ليدوي صوت طقطقة مزعجة أتبعتها موجة ألم حاد.

​توقف راي متأوهاً مما حصل بينما يحاول إمساك رقبته من أجل تخفيف الألم، لكن ما إن سقطت نظرته على كفه حتى نسي الألم وراح يحدق في كفه مرتبكاً.

​تلك الوسائد الجلدية السوداء والفراء الأسود ومخالب مختبئة بين فراء لم تكن لتكون يد بشرية.

​أسرع راي من أجل إلقاء نظرة على جسده.

​أربعة أطراف، وجسد يغطيه شعر ناعم وكثيف، وذلك الذيل الفروي الكبير كان يؤكد ما هو واضح،

​كان داخل جسد ذئب وفوق كل ذلك، جرو ذئب صغير.

​كان إدراكاً مفاجئاً وغريباً في نفس الوقت، لكن رد فعل راي الأول لم يكن نفوراً من الأمر، بل شعر بإثارة بشكل غريب وأخذ ذيله يتحرك ذهاباً وإياباً ليعكس حالته الذهنية.

​"أرثيل" سرعان ما أجبر راي نفسه على الهدوء ليسأل: "هل لديك أي فكرة عما يحدث الآن؟"

​"أرثيل؟" كرر راي نداءه عندما لم ترد أرثيل، لكن حتى بعد النداء عدة مرات بعد ذلك، لم يكن هناك رد.

​كان يستطيع الشعور برابطته مع هرم ومع ري وحتى مع ظلال أستر ومع جسده بشكل واضح، ومع ذلك... لم تستجب أرثيل.

​انتظر راي قليلاً لكن دون أي نتيجة.

​بعدها قرر أن يتحرك في المكان عسى أن يفهم أين هو، فكل ما كان يستطيع تأكيده هو أنه في غابة، ورغم أنه في مرج مفتوح ويستطيع سماع صوت النهر إلا أنه لم يتمكن من رؤية النهر.

​لذلك قرر التوجه نحو مصدر الصوت.

​لكن بينما هو مشتت ويفكر في السبب الذي قد يجعل الذئب يرسله لهذا المكان، توقف فجأة وارتعش أنفه مدركاً رائحة غريبة لكن قوية،

​فأخذ الذئب ينظر نحوها مرتبكاً.

​ثم صرخة من السماء، ارتجف بسببها جسد الذئب الصغير، فتراجع راي وهو يرفع رأسه نحو السماء، نحو ذلك الطائر رباعي الأطراف الذي يحلق عالياً بشكل دائري قبل أن يبدأ بالنزول بكبرياء.

​وبصوت هز الأرض نزل الطائر أمام الذئب الصغير. فتوقف وتوقف الزمن للحظة أمام ذلك المخلوق المهيب.

​طائر بأربعة أجنحة وجسد يشبه الأسد بهيبته ورأس نسر مهيب يعلوه منقار حاد كالسيف، ومخالب أمامية ضخمة مغطاة بريش قاتم. وتلك العينان الذهبيتان اللتان سقطتا على ذلك الجسد الصغير.

​كانت ردة غريزة راي الأولى هي الهروب

​بأي ثمن

​كانت تحثه على الهرب فوراً، وأراد هو أيضاً بنفسه أن يهرب من نظرات ذلك الطائر العملاق، لكن مهما أمر جسده بالتحرك فقد شُلّ مكانه من رعب المشهد وكان قلبه ينبض بجنون بعد أن تعرف على نوع هذا الطائر.

​لكن عندما حاول راي فتح عينيه مجدداً ليلقي نظرة على الطائر الذي لم يهاجم، بدأ رأس الطائر في الحركة، وفي حركة سريعة وخاطفة، قام بنقر رأس الذئب الصغير وفجره.

​داخل الفضاء الأسود.

​فتح راي عينيه بشهيق وحشي ثم أمسك رأسه متألماً وأخذ يلتوي في مكانه بينما يطفو وسط اللهب، ولم يكن لصراخه المتألم أي صدى في هذا المكان.

​دقائق بدت كساعات من صراخ قبل أن يهدأ الألم قليلاً فتح راي عينيه المحتقنتين بالدماء جاهلاً بما حدث.

​كل ما أدركه هو أن الطرف الآخر هاجم.

​بعدها عاد لهذا المكان لكن الألم لم يختفِ.

​شعور أن رأسه ينفجر بعد نقرة واحدة كان واضحاً ولا يزال واضحاً أكثر مما يستطيع تحمله.

​"ذلك الغريفن اللعين"

​لماذا هاجم؟

​أليس من عادة الطيور القبض على فريستها أولاً؟

​كان ضعيفاً أمامه ولا يشكل أي تهديد فلماذا؟

​"سحقاً" لم يفهم راي السبب، لكن إذا تجاهل بعض الحقائق وركز على الوضع كما هو فلسوف يبقى السؤال كما هو..

​لعن راي وحاول أن يهدأ قليلاً لكن بعد النظر لجسده وإدراك أنه عاد لجسده الطبيعي وأن الغضب بداخله قد اشتعل أكثر مما كان عليه، أدرك أن حتى السكينة التي يبعثها هذا المكان محدودة.

​والبقاء هنا ليس سوى إضاعة للوقت.

​أيضاً لا يريد العودة لذلك المكان.

​ورغم أن الألم لا يزال يسيطر عليه إلا أنه حاول الحصول على بعض الإجابات من أرثيل، ومع ذلك لم ترد.

​حتى في هذا المكان لم ترد.

​بغياب أرثيل وأي معلومة عن هذا المكان، قرر راي التخلي عن مساعدة الذئاب وإيجاد طريقة أخرى لتفريغ هذا الغضب.

​ومع استمرار تراكم تأثير هذا الفضاء، تمكن راي من التخلص من ألم تفجير رأسه بعد دقائق أخرى لكن لم يستطع نسيانه، فبدأ في استدعاء نية الانتقال إلى الطابق الخامس من أجل مغادرة هذا المكان، فبدأت شرارات الضوء الحمراء تتفاعل مع نيته وتتجمع حول جسده ليغلق راي عينيه مستعداً للانتقال.

​تغير الجو حول راي بعد ذلك، ولكن قبل أن يفتح عينيه ضربت رائحة قوية أنفه وجمدت الدم في عروقه، ففتح عينيه بسرعة ونظر جانباً ليجد ذلك الغريفين يأكل جسد ذئب صغير بلا رأس.

​تراجع راي خطوتين مرتبكاً من الوضع

​لقد حاول المغادرة بوضوح فلماذا عاد لهذا المكان؟

​لفتت حركة راي انتباه الغريفين.

​'أيها... " دون تردد استدار راي من أجل الهرب داخل الغابة.

​بجسد الغريفين فلن يتمكن من الدخول بين جذوع أشجار الغابة، لذلك كان هذا الخيار مثالياً والخيار الوحيد الذي تمكن راي من التفكير به بعقله المضطرب.

​لكن لم يتحرك الغريفين وهو ينظر إلى الذئب الصغير الذي يهرب، بل ابتلع أولاً ما بداخل منقاره قبل فتح فمه وعيّنه على الذئب الصغير الذي يقترب من حدود المرج.

​بدأ الضوء يتجمع أمام منقار الغريفين حتى كوّن كرة من الضوء المضغوط، فنفخ الغريفين بعدها ليرسل شعاعاً رقيقاً من الضوء المركز نحو الذئب الصغير.

​ضرب الشعاع الأرض بقوة ثم تحرك مباشرة متتبعاً الذئب فنظر راي خلفه بينما يركض في آخر لحظة ليكون آخر ما رآه هو عمود من ضوء يقترب بسرعة قبل أن يقطعه إلى نصفين.

​لحظات فقط واستيقظ راي داخل فضاء اللهب الأسود من جديد.

​الألم الذي لحق لحظة استيقاظه كان هائلاً، حقيقياً، مؤلماً وأسوأ من الأول.

​شعور القطع لنصفين كان يجعله يرغب بتمزيق جلده من أجل تهدئة مصدر الألم، لكن رغم أن أصابعه أخرجت مخالب حادة من أجل تمزيق جلده إلا أنه لم يتمكن من ترك خدش واحد.

​سرت القشعريرة في روح راي قبل جسده مع كل نفس يأخذه وكان ألم الانقسام يأكل إدراكه في وسط اللهب الأسود، ليتبدد حلم السكينة بالكامل ويحل محله غضب مشتعل.

​استغرق الأمر دقائق بدت كساعات حتى استعاد راي قدرته على التفكير، ليدرك أن الموت في ذلك العالم يعود عليه بشعور أسوأ من الموت داخل الطابق الثاني.

​وما إن هدأ الألم أكثر حتى أطلق راي زفيراً قصيراً قبل أن يحدق بتأمل في الفراغ حوله.

​اللهب الأسود يحترق فيشكل هالة فضية حوله مما أضاء المكان، لكن مع ذلك لم يكن هناك شيء يحتاج لهذا الضوء وظل اللهب يتصاعد نحو السماء مما زاد من الشعور بوهم الغرق.

​تأمل راي الفضاء بصمت وقد صمتت أفكاره معه.

​هادئ على السطح بينما الضغط داخله يكاد ينفجر.

​في تلك اللحظة كان حتى التفكير مزعجاً قبل أن تسقط نظراته على تلك الشرارات الحمراء التي تقترب منه.

____________

نهاية الفصل

___________

2026/08/25 · 1 مشاهدة · 1268 كلمة
Ryuzaki
نادي الروايات - 2026