نظر راي إلى الشرارة القرمزية وارتجف عقله.
دون تردد اختار راي الخروج من الهرم المقلوب.
إن كان هذا المكان يعمل بنفس قيود الحاوية في قبيلة كا، فإن الخروج من الهرم كان الخيار الأفضل.
لكن ما إن حاول راي المغادرة حتى بدأت شرارات اللهب الحمراء منتشرة في المكان بمهاجمته والالتصاق بجسده لتغطيته قبل أن تسحب وعيه.
وما هي إلا ثوانٍ قبل أن يفتح راي عينيه بسبب الرائحة القوية مدركاً أين هو قبل أن ينظر.
"لماذا؟" كان إدراك أنه عاد للغابة وقرب غريفين حاداً لدرجة أجبرت جسده على التحرك بسرعة.
رغم أنه كان داخل حدود الغابة هذه المرة إلا أنه لم يشعر بأي راحة، فالغريفين الذي كان يأكل جسد ذئب صغير الذي قُطّع إلى نصفين قد لاحظ وجوده.
ورفع رأسه وبدأ الضوء يتجمع أمام منقاره.
دون النظر إلى الخلف ركض راي نحو الأمام مباشرة مستغلاً مرونة جسده الصغير لتجنب الأغصان والصخور والجذور التي أعاقت طريق هروبه.
لكن حتى بعد الركض لمدة، لم يأتِ صوت الانفجار الذي توقع أن يأتي، ولم يجرؤ راي على النظر إلى الخلف واستمر بالركض حتى كادت أنفاسه تنقطع.
لكن صرخة عالية دوت في أرجاء الغابة وهزت قلب راي ليجبر جسده على الركض أكثر حتى لاحظ حفرة كبيرة بين جذور إحدى الأشجار.
دون تردد ركض راي نحو الحفرة وقفز بينما دوت صرخة ثانية متبوعة بصوت انفجار هائل، فأغلق راي عينيه والخوف يسيطر على عقله كلما تذكر ذاك الألم السابق.
ثم أتت صرخة أخرى أكثر يأساً أجبرت راي على التراجع أكثر داخل الحفرة حتى اصطدم ظهره بشيء.
فتح راي عينيه لينظر خلفه، ورغم أن رؤية الذئب في الظلام أفضل مما هي عليه في الضوء، إلا أنه أخذ وقتاً طويلاً ليستوعب ما يشاهده ويستوعب ما يعنيه وجود مجموعة من البيوض خلف ظهره.
كانت كل بيضة بحجم رأسه ونصف البيضة مدفون في التراب، لكن كل ذلك لم يكن مهماً أمام الحقيقة القاسية أن الخطر لم يختفِ بعد.
وصوت الهسيس من أمام الحفرة أكد مخاوفه.
نظر راي بسرعة للمخرج وتجمد الدم في عروقه وهو يرى أفعى كبيرة تحدق به بينما تطلق هسيساً متقطعاً.
وما هي إلا لحظات قبل أن يفتح راي عينيه ليجد نفسه قد عاد إلى فضاء اللهب الأسود، فبعد أن أدركت الأفعى وجود دخيل في عشها، دخلت بسرعة وهاجمت دون خوف.
حاول راي الرد بضربة مخلب لكن بسلاسة، تجنبت الأفعى مخلبه، ثم التفت حول مرفقه وصعدت لتلتف حول عنقه قبل أن تغرس أسنانها في جسده.
لم يكن الذئب قادراً على التنفس بشكل طبيعي بعدها، وبينما جسده يحترق من الداخل بسبب السم، كان الهواء يتناقص بسرعة أيضاً حتى فقد الوعي.
بعد عودته إلى فضاء اللهب الأسود أخذ راي يسعل مراراً وتكراراً بينما يمسك بقلبه منكمشاً على نفسه، وأنفاسه المتسارعة تمزق صدره كأن سم الأفعى لا يزال يجري في عروقه.
وكان الخنق وألم الاختناق يلتف حول عنقه ويرفض أن يتراجع.
لحظات صمت سيطرت بعدها ولم يتردد حتى صدى أنين راي الخافت قبل أن تعود السكينة لتهدئة قلبه.
عندما هدأ راي قليلاً بفضل سكينة هذا الفضاء، لم تعد لديه جرأة للتفكير بمغادرة الهرم أو الانتقال إلى طابق آخر، عالماً أن نتيجة ذلك هي العودة لذلك المكان.
ما الذي يحدث؟
كيف يخرج من هذا المكان؟
هل سوف أُجبر على العودة هناك؟
توالت الأسئلة داخل عقل راي بينما يتذكر ألم تفجير رأسه وقطعه إلى نصفين ثم تسميمه وخنقه، ومع ذلك لم يفقد ثقته بالذئاب.
لم تكن الذئاب لتؤذيه.
كانت المشكلة به وكان يعلم ذلك.
ثم تردد سؤال في رأسه: "هل هذا اختبار؟"
إن لم يكن، فما نوع هذا المكان الذي ترسل الذئاب إليه أطفالها من أجل تجرع هذا النوع من الموت الذي يعود على الروح بألم مضاعف؟
لكن إن كان... إن كان فهناك أمل في الخروج بعد اجتيازه.
"من فضلك.. فليكن كذلك على الأقل."
رفع راي رأسه ببطء وسط هدوء اللهب الأسود، متمسكاً بهذا الأمل الضئيل كي لا ينهار عاطفياً. أدرك أن العودة المستمرة والآلام المتكررة ليست مجرد عقاب عشوائي.
لقد كان يموت لأنه لم يتفاعل بسرعة.
لقد كان يتألم لأنه لم يهرب بسرعة.
لقد كان يعاني لأنه لم يفحص المكان حوله بدقة.
وحقيقة أنه لم يدخل إلى هذا المكان وحده أعطت أملاً لراي أن يكون هذا مجرد اختبار، ولذلك قرر واختار أن يتعامل معه على أساس أنه كذلك.
"فكر"
أمر راي نفسه أن يفكر في مخرج، لكن لم يكن هناك وقت للتفكير، فإحدى تلك الشرارات الحمراء بدأت تقترب منه ببطء.
لاحظ راي ذلك وحاول التلويح بيده بسرعة من أجل إبعادها عنه لكن دون تأثير، وعندما اصطدمت الشرارة بيده من دون قصد، بدأ وعي راي يغرق ليفتح عينيه على بعد أمتار قليلة من الحفرة.
أيقظت رائحة الدم وعي راي، وعندما فتح عينيه سقطت نظرته على أفعى تخرج جسد ذئب صغير من حفرة قبل أن تبدأ في ابتلاعه.
لعن راي قبل أن يستدير ويبدأ في الركض.
أولاً عليه الهرب من هذا المكان.
وبينما يركض مر هسيس قرب راي فتوقف راي بسرعة يبحث حوله، فمرت شعلة من اللهب الأسود مثل الطيف من فوق رأسه.
حدق راي في الشعلة وهي تختفي بين الأشجار للحظة قبل أن يعود صوت الهسيس ليجذب انتباهه.
لكن سرعان ما وجد راي أن تلك الشعلة من اللهب تعود بينما تنمو قبل أن تتوقف أمامه لتتشكل في هيئة ذئب صغير، وما إن خرج الذئب من وضع الطيف حتى اقترب من راي بسرعة وبدأ يدور حوله.
وقف راي بحذر يحدق في الذئب، لكن لم يبدُ على الذئب أي عدائية، فقط اقترب من راي أكثر ومد أنفه لتأكيد الرائحة، وما إن فعل حتى تفاعل وقفز فوق راي سعيداً.
مرتبكاً، لم يتمكن راي من الرد، لكن ما إن قفز عليه الذئب بتلك الطريقة حتى تعرف راي عليه.
كان هذا الصغير الذي ينام فوق وجهه كل مرة.
هذا الفتى المتحمس كان أيضاً في جسد آخر، مما جعل التعرف عليه صعباً، لكن من رد فعل الذئب الصغير أدرك راي أن الطرف الآخر تعرف عليه.
لم يهتم كيف، ففي تلك اللحظة وبينما يقفز الذئب الصغير حول وفوق جسد راي، كان كل ما يفكر به راي هو التمسك بهذا الصغير لمساعدته.
وفجأة تغيرت ملامح الذئب الصغير وأخذ موقفاً عدائياً قبل أن ينقض على ثعبان كان يتسلل قربهم.
قبل أن يرد الثعبان، أمسك الذئب بجسد الثعبان بين أسنانه وضغط على رأسه بكفه حتى لا يتمكن الثعبان من لف جسده ولدغه، ثم دون رحمة قام الذئب بتمزيق جسد الثعبان الصغير.
راقب راي المشهد الوحشي بحذر ثم نظر حوله ليتأكد مما إذا كان هناك ثعبان آخر، بينما قام الذئب بحمل الثعبان بعد قتله ووضعه أمام راي ثم حدق به.
نظر راي إلى جثة الثعبان وأدرك مقصد الطرف الآخر.
لقد قضى شهراً يراقب القائد وهو يعطيه هذه النظرة بعد كل صيد، فكان من الواضح أن هذا الصغير يطلب منه تناول ذلك الثعبان.
لكن لم يقبل راي، كل ما كان يريده هو الخروج من هذا المكان، والمشكلة أنه ورغم أن الذئاب تفهم كلامه إلا أنه لا يستطيع الحديث في هذا الجسد.
مع ذلك حاول إيصال رغبته إلى الذئب بطريقة ما، لكن رد فعل الصغير ظل نفسه، حيث ظل يدفع جسد الثعبان الصغير نحوه ويطلب منه أن يناوله.
مستسلماً، توقف راي عن محاولة إيصال رغبته وجلس على الأرض، فمال رأس الذئب الصغير قبل أن يخفض رأسه ويأكل الثعبان الذي رفض راي أكله.
بعد الانتهاء، لعق الذئب أسنانه ثم دفع كتف راي الذي كان يراقب المكان قبل أن يستدير ويشير له باتباعه.
مدركاً لذلك، وقف راي متحمساً، لكن فجأة تحول الذئب الصغير لوضع الطيف ثم انطلق وترك راي خلفه مرتبكاً.
____________
نهاية الفصل
____________