واقفاً في مكانه، لم يعلم راي ماذا يفعل.
هل تخلى عنه الذئب الصغير لتوه؟
مستحيل صحيح.
مرت لحظات من الارتباك على راي بدت أطول مما هي عليه قبل أن يلاحظ أن الذئب الذي انطلق بعيداً كان يعود قبل أن ينزل أمام راي ويخرج من وضع الطيف وينظر إليه عابساً.
مال رأس راي مرتبكاً من عبوس الذئب، ثم بدا كما لو أن الذئب الصغير يفهم، فاقترب من راي وفتح بين ذراعيه وشد عضلاته ثم دخل وضع الطيف مجدداً قبل أن يخرج منه.
لم يفهم راي فكرر الذئب نفس الشيء.
'هل تطلب مني دخول وضع الطيف؟' عبس راي مدركاً، لكن... كيف يفعل ذلك.
بالتفكير في الأمر، فهذا ليس جسده بل جسد الذئاب، وبما أن حتى الصغار يمكنهم دخول وضع الطيف، فكان نظرياً يستطيع ذلك.
لكن كيف؟
بعد التفكير قليلاً قرر راي أن يجرب.
اتخذ راي نفس وقفة الذئب ثم أغلق عينيه وصر على أسنانه، فأتى نباح من أمامه يعاتبه.
فتح راي عينيه عابساً، فكرر الذئب الصغير طريقة الدخول والخروج من وضع الطيف.
'أنا أعلم... أنا أحاول' فكر راي وحاول تقليد الذئب الصغير، فتقدم الذئب وقام بعضّ مؤخرة رقبة راي بخفة.
عبس راي، لكن فجأة أصبح جسده أخف، والهواء حوله أثقل وعندما أدرك ما يحدث كان قد تحول إلى اللهب الأسود ودخل وضع الطيف.
تراجع الذئب الصغير بعدها سعيداً، لكن على الفور خرج راي من وضع الطيف، فنظر له الذئب صامتاً للحظة.
ثم جلس ينظر إلى راي بصمت.
'ليس كما لو أنني قصدت إلغاءها' أدار راي عينيه جانباً ثم حاول تكرار ما حدث متذكراً ذلك الشعور لكن دون فائدة.
شد عضلاته أو حاول إطلاق هالة أو حاول الشعور بجسده، لقد نفدت كل فكرة خطرت على باله، وعندما كاد يستسلم وقف الذئب الصغير مجدداً واقترب منه.
نظر راي إلى الذئب، فاتخذ الذئب تلك الوضعية ونظر إلى راي كما لو أنه يطلب منه تقليده.
فعل راي ما أراد الذئب الصغير، فاقترب الذئب مجدداً بعد ذلك وعض على مؤخرة عنق راي برفق، فمرت رعشة عبر جسد راي جعلت عضلاته تشتد وترتجف قبل أن تفقد تماسكها ليدخل راي وضع الطيف مجدداً.
فتح راي عينيه بعدها، وبعد أن تركه الذئب وما إن لاحظ النار حوله حتى خرج من وضع الطيف مجدداً.
ظل الذئب الصغير يحدق به بصمت.
"هذه المرة أنا آسف."
أخرج راي من فمه أنيناً غير مفهوم لكن بدا أنه يعتذر، فاسترخى الذئب الصغير وساعده مجدداً على دخول وضع الطيف، وما إن وجد راي نفسه قد فقد كتلته حتى ركز وحاول ألا يخرج من وضع الطيف، فتحرك الذئب أمام راي بضع خطوات ونظر له.
أدرك راي أنه يطلب منه تقليده ويطلب منه المشي مع الحفاظ على وضع الطيف، لكن الأمر كان أصعب مما تخيل، فما إن رفع راي قدمه حتى تم إلغاء وضع الطيف.
لكن دون تعليق، أغلق عينيه وركز على الإحساس الذي جربه عدة مرات بمساعدة الذئب، وعندما اشتدت عضلاته عاد راي إلى وضع الطيف.
نظر الذئب الصغير إلى راي سعيداً، بينما أخذ راي نفساً عميقاً وحاول التحرك دون إلغاء هذا الوضع، فأخذ خطوة واحدة قبل أن يفقد تركيزه ثم كرر الوضع.
بعد دقائق وبعد عدة محاولات فاشلة، بدأ راي بفهم طريقة الحفاظ على وضع الطيف.
في البداية كان الأمر صعباً لأنه يشبه الغوص تحت الماء، لكن لا يمكنك التحرك إلا إذا كنت واثقاً بقدرتك على التنفس تحت الماء.
وهذا الفارق البسيط جعل راي يكرر المحاولة عدة مرات قبل أن يدرك أن عليه الاسترخاء بعد دخول وضع الطيف وأن يتوقف عن معاملة الفراغ حوله كفراغ، بل عليه أن يتخيل الهواء عبارة عن ماء وأن لديه القدرة على السباحة داخله.
استغرق الأمر نحو ساعة، لكن بعد ذلك تمكن راي من المشي وتحول المشي إلى ركض ثم تمكن من القفز والبقاء محلقاً لفترة قبل أن ينزل على الأرض.
نظر الذئب الصغير الذي كان يصطاد الثعابين التي تقترب إلى راي ثم اقترب منه لفحصه، بعد ذلك دخل الذئب الصغير في وضع الطيف وأشار إلى راي بأن يتبعه.
قام راي كذلك بتفعيل وضع الطيف وانطلق خلف الذئب الصغير، وفي هذا الوضع كانت السباحة في الهواء هي المعنى الحقيقي للتحرك، ولا يتم استخدام الأرض إلا كموطئ قدم من أجل تسريع الاندفاع،
وذلك ما فعله راي بينما يركض على الأرض، لكن على العكس من ذلك استخدم الذئب الصغير الفروع وأي شيء في طريقه وهو في السماء من أجل الاندفاع مما جعله يبدو كما لو أنه يحلق.
لكن بعد أمتار قليلة توقف الذئب الصغير ونظر خلفه قبل أن يعود بسرعة ليجد راي قد توقف يلهث وهو غير قادر على متابعته.
قفز الذئب بسرعة من فوق الغصن وهاجم الأفعى التي كانت بقرب راي وقتلها في لحظة قبل أن يأخذ جسدها ويضعه أمام راي مجدداً ويشير له بتناولها.
رفض راي مجدداً وأشار أنه سيكون بخير بعد بضعة لحظات من الراحة، فزمجر عليه الذئب بعدائية.
مدركاً أن الصغير منزعج من رفضه، نظر راي إلى جسد الأفعى وبعد تردد قصير أخفض رأسه لأكلها تحت عيون الجرو التي تراقبه.
عندما ضرب الطعم المعدني القوي لسان راي توقف متفاجئاً قبل أن ينظر إلى الجثة ثم إلى الذئب ثم ينحني ليكمل الأكل بشكل أسرع.
'هل هذه... حواس الذوق لدى ذئب؟'
نظر الصغير إلى راي ثم توقف راضياً قبل أن يدخل وضع الطيف من جديد وينطلق لصيد الأفاعي بقربه.
بما أن المنطقة مليئة بها فقد كان العثور عليها هو الجزء الأسهل وبعد العثور عليها كان يقضي عليها إما بجسده أو يستخدم كرات اللهب التي جعلت الصيد أسهل وبعد ذلك استمر الذئب في وضع ومراكمة أجساد الأفاعي أمام راي واحدة تلو الأخرى.
لم يعترض راي هذه المرة وظل يأكل، وبعد صيد مجموعة كبيرة من الثعابين توقف الذئب الصغير وجلس يأكل مع راي. وفي تلك الأثناء ومن فراغ قرب الاثنين بدأ جسد أفعى أخرى يتشكل بهدوء، فانتظر الذئب الصغير حتى فتحت الأفعى عينها قبل أن يصفعها ويرميها أمام راي.
تفاعل راي بسرعة وحاول إمساكها لكن الأفعى كانت قد ماتت بالفعل فعبس راي وهو ينظر إلى الذئب الصغير.
في وقت لاحق وبعد الانتهاء من الأكل، نظر الذئب الصغير إلى راي فأشار له راي أنه مستعد، ليدخل الذئب وضع الطيف وينطلق، فيدخل راي وضع الطيف بعده ويلحق به.
واستمر الاثنان في الركض لوقت طويل بعدها دون توقف.
لم يشعر راي بتعب وتمكن من الاعتياذ على سرعة التحرك في وضع الطيف أكثر وبينما يركض الذئب من فوق الأغصان كان راي يستمر في متابعته من الأرض لكن كان من الواضح أن الذئب يخفف سرعته حتى يتمكن راي من مواكبته مما أزعج راي قليلاً وحاول الإسراع أكثر.
فجأة غير الذئب الصغير اتجاهه بشكل حاد.
تفاجأ راي للحظة لكن لحق به مباشرة ليتوقف الذئب ويلغي وضع الطيف ويرفع أنفه إلى السماء، ثم توقف راي خلفه وبعد لحظة فتح الذئب الصغير عينيه وعاد لوضع الطيف وانطلق مباشرة بعد أن أشار إلى راي باللحاق به.
عاد راي لوضع الطيف ولحق به.
ما هي إلا دقائق بعد ذلك حتى لاحظ راي شعلة من اللهب تتحرك قربهم بشكل موازٍ بينما تقترب، ليتوقف الذئب الصغير بعد أن لاحظها فتوقف راي أيضاً، وما إن اقتربت الشعلة حتى تحولت إلى ذئب آخر بدا أكبر منهم حجماً بقليل.
____________
نهاية الفصل
___________