مع اقتراب الذئب الثالث لاحظ راي أن الذئب الصغير لم يظهر أي عدائية في البداية واقتراب منه ليتم التأكد أيضًا، وما إن تحقق أن القادم هو الجرو الثاني الذي دخل معهم حتى عبس منزعجًا من كون جسد هذا الذئب كان أكبر قليلاً منهم.
لكن الذئب الكبير تجاهله واقتراب من راي من أجل التحقق فنبح عليه الذئب الصغير مما جعله ينظر إلى راي بجدية وعبوس رغم أن ذيله كان يتحرك بحماس.
"يبدو أنهم يتعرفون علي" ابتسم راي مدركًا ذلك، لكن كونه الأصغر بينهم وكونه جاهلاً بماهية هذا المكان جعله في وضع محرج.
لم يهتم اثنان لذلك، بعد تأكيد ما عليهم تأكيده دخلوا وضع الطيف ونظروا إلى راي ليدخل راي كذلك وضع الطيف قبل أن ينطلق الثلاثة إلى الأمام.
استمرت رحلة السفر لمدة طويلة بعد ذلك وتوقف بها راي مرتين بسبب التعب فساعدته الذئاب في صيد ثعابين من أجل إعادة تجديد طاقته، لكن في توقف ثالث لم يعد راي قادرًا على تحريك جسده أكثر.
لقد كان متعبًا بشكل واضح على عكس الاثنين اللذين نظرا له بارتباك قبل أن يشير ذئب صغير إلى الآخر فتحرك الذئب الكبير ودخل وضع الظل قبل الانطلاق إلى مكان ما.
عبس راي مرتبكًا قبل أن يرى الذئب الصغير يفتح فمه ليطلق اللهب الأسود على الأرض ويدور حول راي حتى كوّن حلقة من اللهب الأسود.
دخل الحلقة بعدها واستلقى ينظر إلى راي.
مدركًا لقصده، جلس راي ممتنًا أنهم قرروا الراحة قليلاً.
في وقت لاحق من ذلك الوقت...
عاد الذئب الكبير ودخل اللهب مما أيقظ الذئب الصغير من نومه، وعندما تأكد من الشخص الذي اخترق نطاقه وقف الذئب الصغير وذهب من أجل إيقاظ راي.
فتح راي عينيه ونظر حوله قبل أن يقترب منه ذئب أكبر ويضع أمامه ثلاث بلورات زمردية.
مرتبكًا، أشار له الذئب الصغير بتناولها، فنفّذ راي ذلك دون تردد وأكل الأولى مما أشعل جسده وأدخله وضع الطيف دون أن يقصد.
نظر راي لنفسه مندهشًا والنشاط يعود لجسده، فانحنى لأكل الثانية ثم الثالثة ليجد أن جسده ينمو قليلاً.
في تلك اللحظة نفخ الذئب الصغير عرضًا فتم إطفاء اللهب حولهم قبل أن يشير إلى راي لإكمال التقدم.
أومأ راي برأسه ثم نظر لنفسه مندهشًا قبل أن يلاحظ أنهم سبقوه فانطلق خلفهم دون إغلاق وضع الطيف.
بعد ذلك التوقف استمرت الرحلة لوقت أطول حتى حل الظلام وبدأت الأشجار تتغير قبل أن يتوقف الذئب الكبير فوق فرع من فروع هذه الأشجار المختلفة، فتوقف الأصغر خلفه، فتوقف أصغرهم وهو راي أسفل شجرة ينظر لهم قبل أن ينظر أمامه بعد أن التقط تلك الرائحة الغريبة.
هناك وبين ظلال الغابة المتشابكة، برز جبل صلب من اللحم والعضلات؛ كائن ضخم يجمع بين جسد الخنزير البري ورشاقة الأيل، كان يشبه أيلاً، تكسو ظهره فروة داكنة تبتلع الضوء، وتنبت من رأسه قرون عريضة تشبه الشفرات الحادة.
كان الوحش يطرق الأرض بظلفه القوي، وتخرج من أنفه زفرات دافئة تحمل الرائحة التي التقطها راي.
رائحة أشبه بخشب محترق، غريبة لكن مغرية.
تحرك الذئب الكبير بعد مراقبة قليلة ولحق به الذئب الصغير على الفور بعد دخول وضع الطيف، بينما وقف راي يشاهد الذئبين يحيطان بالوحش، فتفاعل الأيل مع هجوم الاثنين وطرق الأرض بقوة لتتحرك ظلال الأغصان كـسوط أسود تحت ضوء القمر وتهاجم الاثنين.
قبل لحظة الاصطدام غَيَّر الاثنين اتجاههم لتفادي الهجوم، تراجعوا للخلف واستخدموا الأشجار من أجل الالتفاف حول الأيل قبل أن ينقض الذئب الكبير بعدها على الوحش، لكن في تلك اللحظة دوت صرخة متألمة جعلت الذئب الكبير يتراجع بسرعة وينظر إلى مصدر الصوت ليجد رمحًا أسود نما من الأرض واخترق صدر راي ورمح آخر خرج من أحد جذوع الأشجار واخترق رقبة الذئب الصغير.
معلقًا فوق رمح أسود، صَرَّ راي على أسنائه يراقب الذئب الكبير يتفادى هجمات أسواط الظلال بعد أن شُتِّت انتباهه دون قصد.
بينما عاد الذئب الكبير للقتال وبدأ يطلق كرات من اللهب واستمر راي في المشاهدة بينما وعيه يتلاشى ليخيم الظلام للحظة قبل أن يفتح عينيه مجددًا داخل فضاء اللهب الأسود.
ما إن فتح راي عينيه وشعر بألم اختراق صدره يعود حتى صر على أسنانه وتجاهل الألم ومد يده ليمسك بإحدى شرارات النار القرمزية.
كان عليه العودة بسرعة لمحاولة تقديم أي مساعدة.
وما إن أمسك راي بشرارة قرمزية حتى غاص وعيه ليسمع صوت قتال قبل أن يفتح عينيه، وعندما فتح عينيه وجد أن الذئب الكبير لا يقاتل ذلك الأيل وحده كما ظن، بل عاد الصغير أيضًا وكان يساعده على تشتيت ضربات ذلك السوط الأسود عبر إطلاق مستمر لكرات اللهب كلما وجد فرصة مما ملأ فرو الأيل بآثار احتراق.
مرتبكًا، نظر راي حوله ليرى جثة على الأرض ثم نظر إلى جانب آخر ووجد جثة أخرى فأطلق تنهيدة واحدة وعاد ليراقب القتال بينما يفكر فيما يمكنه تقديمه الآن.
لكن مع وصول القتال إلى نهايته وجد راي أن البقاء بعيدًا هو أفضل خيار، وبعد أن أصبح الأيل عاجزًا عن إطلاق مزيد من الأسواط وبدا التعب واضحًا على وجهه كما هو الحال مع الذئاب، أطلق صرخة مدوية تحذرهم من الاقتراب.
توقف الذئبان للحظة واستغل الأيل تلك اللحظة من أجل الهروب، فأطلق الذئب الصغير كرة من اللهب لكن تفاداها الأيل برشاقة.
لكن من حيث الرشاقة والسرعة كان للذئب الكبير اليد العليا، فبعد الاحتفاظ بوضع الطيف جانبًا حيث لم يستخدمه طوال القتال، ومع إرهاق الطرف الآخر، تغير الوضع لحظة دخول الذئب الكبير إلى وضع الطيف ليهاجم الأيل الذي يحاول الهروب، فأدرك الأيل أن هناك ما يلحق به فحاول استخدام الظلال حوله لتبدأ الرماح في الاندفاع من جذور الأشجار، لكن برشاقة تفاداها الذئب الكبير جميعها قبل أن يمسك برقبة الأيل، وما إن أمسكها حتى رفض إطلاقها.
ظل الأيل يقاوم بعد أن وجد رقبته تحت رحمة أسنان ذئب الطيف، فقفز الذئب الصغير وغرس مخالبه في ظهر الأيل قبل أن يقوم بغرس أسنائه أيضًا، ولا يزال الأيل يقاوم بينما يراقب راي المشهد بذهول.
وما هي إلا لحظات حتى توقف الوحش عن المقاومة.
بعد تأكيد توقف قلب الوحش بدأ راي يقترب ببطء منهم، فتحرك الذئب الصغير بسرعة وتجاهل راي وذهب نحو جسده الميت ثم قام بتمزيقه تحت نظرات راي المرتبكة.
ثم أخرج بلورة زمردية وقام بتناولها قبل أن ينظر إلى راي.
لم يفهم راي تلك النظرة في البداية.
وبعدها لم يرد أن يفهم.
لقد أدرك أنه بعد الموت سيتم الحصول على جسد جديد، ويبدو أن هذه ميزة تنطبق على الذئاب الأخرى أيضًا، وكان النظر إلى جسده الميت وحده نوعًا من التعذيب النفسي، لكن فكرة تمزيق جسده لإخراج شيء كانت على مستوى آخر.
"مستحيل!"
عندما وجد الذئب الصغير أن راي لم يتحرك، تقدم وذهب إلى جثة راي وبدأ في تمزيقها مما جعل راي يدير نظره بعيدًا، لكن في ناحية أخرى كان الذئب الكبير أيضًا يمزق جثة الأيل ليخرج منها جوهرة زمردية كبيرة.
نظر الذئب الكبير نحو راي للحظة بعد أن شعر بأنه ينظر إليه، ثم نظر إلى البلورة أمامه قبل أن يعود بنظرته إلى راي ويزمجر عليه محذرًا إياه.
عبس راي أمام رد فعل الذئب الكبير قبل أن يجذب انتباهه اقتراب الذئب الصغير ليضع بلورة صغيرة أمامه ويشير له بفخر.
تردد راي قليلاً، لكن بعدها أكل البلورة التي قدمها الذئب الصغير قبل أن يتوجه الذئب الصغير نحو جثة الأيل بينما يتناول الذئب الكبير تلك البلورة الكبيرة.
ما إن انتهى الذئب الكبير من أكل البلورة الكبيرة حتى بدأ جسده ينمو بشكل واضح، وتابع الذئب الصغير أكلـه دون اهتمام لذلك، فكان يمزق الفرو ثم يسحب اللحم ويتناوله.
وبينما يأكل الذئب الصغير، لاحظ نظرة راي فأشار له بالاقتراب، لكن فجأة تغيرت ملامح الذئب الصغير وكذلك ملامح الذئب الكبير، فتحرك الأكبر بسرعة بعد الدخول إلى وضع الطيف وانقض على راي بسرعة.
لم يشعر راي حتى بالوقت الذي قام فيه الذئب الكبير بسحبه بعيدًا، لكن عند النظر إلى المكان الذي كان يقف به وجد رمحًا أسود عملاقًا يعود إلى الأرض ببطء بعد أن اخترق الفراغ.
وزمجر الذئب الصغير بينما يحدق في أيل ظلال آخر يقف في مكان ليس ببعيد.
_____________
نهاية الفصل
_____________