لم تكن القاعة صامتة فحسب، بل كانت تسكنها تلك البرودة التي تسبق العواصف الكبرى.
تحت الأضواء الخافتة للثريات، كان وجه دوق الشمال يبدو وكأنه نُحت من صخر بارد؛ عيناه لم تتحركا عن "ري"، وكأنه يحاول قراءة الأفكار المختبئة خلف نبرته الواثقة. لقد رمى الإمبراطور ورقة "الركن السادس"، ورقة الروح والهوية، وهي الورقة التي لا تكتفي بتغيير القوانين، بل تعيد صياغة عقول البشر.
قطع هذا الصمت صوتٌ لم يكن متوقعاً.. رنينُ قدحٍ معدني سقط من يد أحد النبلاء في الخلف، ليرتد صداه في القاعة مثل طلقة تحذير.
استغل راي تلك اللحظة، عدل من جلسته على العرش القاسي، وشعر بوخزة الألم في ظهره تذكره بواقعه؛ هو الآن يقود سفينة محطمة في بحر مليء بالقروش، وأي زلة منه تعني أن الخلفية المجهولة لري لن تكون هي المشكلة الوحيدة.
"يبدو أن الركن السادس قد أيقظ اهتمامكم أكثر من التجارة والسياسة الخارجية،" نطق راي بابتسامة باهتة، لكن عينيه كانتا تراقبان رد فعل دوق الشمال تحديداً "الروح هي ما يبقى عندما ينهار كل شيء.. أليس كذلك أيها الدوق؟"
ساد الصمت لثوانٍ بدت كأنها ساعات. دوق الشمال، الرجل الذي يحكم مساحة تعادل نصف الإمبراطورية المتبقية، لم ينفعل ولم يغضب. بل على العكس، وضع يده ذو القفاز الأسود على ذقنه، وأمال رأسه قليلاً ببرود مخيف.
"الروح يا جلالة الإمبراطور.." نطق الدوق بصوت رخيم وعميق، هزّ أرجاء القاعة. "كلمة جميلة، لكنها في قاموسنا نحن أهل الشمال تعني 'الولاء المطلق'. والولاء لا يُبنى بالقصص، بل بالخبز والدماء."
التفت الدوق بنظرة حادة نحو ري، وتجاهل تماماً النبلاء المرتعشين حوله، ثم تابع بنبرة فيها نبرة تحدٍ مستترة
"السيطرة على الوعي العام، و جعل الشعب يطيع بالحب. هذا كلام الشعراء. لكن في الواقع، الشعب يتبع من يحميه من الجوع والبرد. إذا كان الركن السادس هذا سيحاول التدخل في 'قصصنا' التي نرويها لجنودنا على الأسوار الشمالية.. فربما تكون قد بدأت معركة لن تنهيها الوثائق."
هذا الكلام يبدوا أنه موجه إلى ري لكنه موجه إلى راي بشكل غير مباشر، ما جعل راي يبتسم لكن لم يكن من حكمة أن يتحدت هو ولم يخيب ري ضنه فقد أجاب بهدوء على الدوق
[سيادة الدوق، أنت محق تماماً. الخبز والدماء هما الوقود،] قال ري بهدوء مستفز[لكن الركن السادس هو الذي يحدد 'لماذا' يسفك هؤلاء المحاربين دماءهم. هل يقاتلون من أجل دوقية، أم من أجل إمبراطورية؟ الخبز يشبع البطون، لكن 'القصة' هي التي تجعل الجندي يبتسم وهو يواجه الموت. الركن السادس ليس هنا لينافسك، بل ليعطي لدماء رجالك معنىً يجعل العدو يرتعد قبل أن يشهر سيفه.]
صمت الدوق، وضاقت عيناه أكثر. لقد فهم اللعبة
الإمبراطور لا يريد فقط إدارة الإمبراطورية، بل يريد انتزاع الولاء من يد الدوقات ووضعه في يد العرش من جديد عبر غسيل دماغ منظم وممنهج.
لم يكن دوق الشمال وحده من يعتقد ذالك...
أشار راي بيده من فوق العرش لمنعهم من التعمق أكثر من لازم، وهو يشعر بصداع يبدأ في غزو رأسه "دعنا نتابع .. سوف ترى أن هرم السلطة في الركن السادس مصمم ليخدم استقرار أراضيكم أيضاً، وليس فقط أحلام الشعراء."
تراجع الدوق ولم يقل شيء، المزيد من كلام غير مفيد فلا أحد هنا يوافق بعد على هذا النظام ولا يخطط أحد حتى الحلفاء على الموافقة عليه قبل إنهاء ري من الشرح.
[إذا دعونا نذكر هرم سلطة الركن السادس]
[بداية من قمة الهرم، آمِرُ الركنِ وحامي الروح]
[هو ضابط الإيقاع للصورة الإمبراطورية. وظيفته ضمان أن يرى العالم وجهاً واحداً موحداً للإمبراطورية؛ وجه القوة والسكينة.]
القوة؟ السكينة؟، لما لا تقول أنه، هو الحارس الذي يقرر ماذا يرى الناس في الإمبراطور، أبا أو بطلا أو حتى طاغية... لم يكن النبلاء أغبياء لكن راي لم يقل أنه يعرفهم على النظام الكامل بل هذا مجرد الإطار العام
[المستوى الثاني: مجمع الرواة (مهندسو القصة)]
[يضم العقول المبدعة التي ستتولى صياغة "الرواية الرسمية". هدفنا أن يكون صوت الإمبراطورية هو الصوت الأعلى في كل حانة وكل زاوية، لكي لا نترك فراغاً تملؤه الأصوات المحرضة كما حدث في الماضي.]
بمعنى جب الرسامين و الشعراء و الصحفين إلى جانب العرش وتحويلهم من مجرد موضفين إلى أسلحة بشرية
داقت عيون النبلاء عند هاذا الجزء... هذا خطير
[المستوى الثالث: مصلحة الرقابة والمراجعة (عين الحقيقة)]
[وظيفته تصفية السموم قبل وصولها للدم. هذا القسم يراقب كل إشاعة تبثها الأطراف لزعزعة الثقة في مركز الإمبراطورية. أي "حقيقة" تحاول النيل من هيبة العرش سيتم قتلها في مهدها، واستبدالها برواية تخدم استقرارنا جميعاً. تذكروا جيداً..]
كان الجميع يدرك الحقيقة المُرّة التي لم تُنطق: المعلومة الخاطئة تفتك بالدول أسرع من حدّ السيف. لقد فهم النبلاء اللعبة هذا الركن ليس مجرد ديوان، بل هو شباكٌ تُلقى لجمع أوراق 'الولاء الشعبي' من تحت أيديهم في المدن والأقاليم، لتستقر كافة الخيوط في يد الإمبراطور وحده.
لولا اليأس الذي يسكن قلوبهم، وفقدانهم الأمل في قيام هذه الإمبراطورية من رمادها، لتعالت صرخات الاعتراض في وجه راي، لكنهم الآن صامتون.. يراقبون الرجل الذي يحاول ترويض الهاوية... تابع دعنا نرى ما لديك أيضا
[المستوى الرابع: قسم التعليمِ والتربية]
[هنا نصيغ انتماء الأجيال القادمة. سنضمن أن يتعلم الطفل تاريخه بالشكل الذي يجعله يفخر بجذوره الإمبراطورية، بدلاً من أن يكون مجرد موهبة عابرة ترحل عند أول اختبار لمعدن الإمبراطورية]
هنا أومأ بعض العديد من النبلاء لجمال الفكرة، شيء لم يهتم له أحد ربما من ممكن إستخدامه لاحقا.. لا ربما يمكن إستخدام شيء مثل هذا النظام عبقري في أراضيهم بعد تخلص من هذا إمبراطور
من لمح فكرة أصبح أكتر حماس، ورسمت إبتسامة تطلب من ري أن يتابع الحديت، فلم تكن الأوراق كافية لشرح كل شيء، وقد لاحظ راي هذا التغير في القاعة
لكن لم يهتم، ما قدمه مجرد إطار، وعاء فارغ بشكل أدق، تجاهل ذالك وأشار إلى ري أن يتابع
[أخيرا هناك قاعدة الهرم: المبشرون (نبض الشارع)]
[هم الرابط بين العرش والقاعدة؛ يترجمون الإنجازات الكبرى إلى لغة بسيطة يفهمها الفلاح والعامل، ليصبح كل فرد في الإمبراطورية جزءاً من قصة نجاحها.]
أليست هذه بطاقة التي تستغلها الكنيسة؟
أحسنت أيها إمبراطور، هل تريد معادات الكنيسة أيضا، بذالك قد ساد ارتياحٌ زائف في القاعة، لقد تم تأكيد الأمر، هذا النظام لن ينجح،لقد ولد ميتا.
حتى لو كانت الإمبراطور في عصرها الذهبي.. مجرد التفكير في فرض سلطة على الكنيسة التي تطلق عليها (سلطة دينية) يشير إلى غباء هذا الطفل المغرور، هذا يبدو وكأنهم يراقبون شبلاً يحاول زجر فيلٍ هائج.
"لدي إعلانٌ بخصوص هذا الركن."
طرق راي بهدوء، وجذب انتباه الجميع. حتى أولئك الذين أصدروا حكم الإعدام على نظامه، عاد انتباههم إلى العرش.. لكن ما نطق به راي كان قنبلةً ألقاها في قلب حساباتهم الباردة.
توقف راي، ومرر نظرةً باردة على الوجوه التي حافظت على وقارها المصطنع، وانتظر حتى ساد صمتٌ خانق
"منصب آمر ركن الروح يكون في يد إمبراطورة"
سقطت الكلمة الأخيرة وبعدها لم يرتفع صوت، ولم يتحرك أحد، لكن الهواء في القاعة أصبح ثقيلاً بشكل خانق. الوجوه التي كانت قبل قليل ترسم ملامح الارتياح الزائف، تجمدت الآن خلف أقنعة من الذهول المحض.
الإمبراطورة....هل يقصد مورغانا؟
_______________
نهاية الفصل
_______________
[معلومات جانبية: مونلونج سينمائي لمرغانا قبل العودة بالزمن (تجربة)]
[لقطة بعيدة - الماضي]
حقولٌ من الزهور وطفلةٌ تركض بضحكاتٍ صافية. كانت مورغانا "جوهرة الدوقية"، زينة المهرجانات التي ينحني لها الجميع حباً. كانت النور الذي يفتخر به والدها أمام النبلاء.
[لقطة قريبة - ليلة الانكسار]
تتلاشى الألوان. الطفلة ذات العشر سنوات تصرخ في وسط غرفتها، لكن لا يخرج منها نور، بل يتدفق من مسامها "ظلامٌ" كثيف، بارد كالموت. الكنيسة أعلنتها: "لعنة". في تلك اللحظة، انكسرت المرآة؛ تحول المديح إلى سمّ، والأحضان إلى جدرانٍ من الجليد.
[لقطة سريعة - التمرد]
الفتاة المراهقة وهي تحطم الأثاث، تصرخ في وجه الخدم، وتفتعل المشاكل في البلاط. النبلاء في القاعة يتذكرون تلك الأفعال على أنها شر محض، لكن الحقيقة خلف عيناها كانت فقط تبحث عن والدها، كانت تصرخ بيأس: أنا لا أزال ابنتكم، انظروا إلي!".. لكن الأب لم ينظر، بل أشاح بوجهه بعيداً.
[لقطة باردة - الزواج]
دوق الغرب، والدها، يقف ببرودٍ يثير الغثيان. يوقع وثيقة الزواج وكأنه يتخلص من جثة. رماها كقطعة شطرنج محطمة إلى قصر الإمبراطور ليغلق خلفها باب الزنزانة الكبرى