في النهاية، لم يكن كل ذلك سوى مهزلة.
لم تكن البلورة سوى تجربة جينية فاشلة تهدف إلى تعزيز الجسد، وقد سحقتها الفوضى الناجمة عن دمج جينات البشر والوحوش عبر مانا حمراء، في محاولة يائسة لموازنتها بنقوش سحرية تعتمد على المانا الزرقاء وحيوية الجسد.
كان الأمر يشبه إلقاء المكونات بعشوائية في قدر طبخ والانتظار بسذاجة لطهي وجبة فاخرة! ولذا، انطفأ اهتمام أرثيل بالجوهرة في لحظة.
لكن... رغم هذه العشوائية، ظلت هناك فرصة ضئيلة من بين عشرة آلاف؛ فرصة قد تمكن جسداً مميزاً من تحمل الآثار الجانبية ومضاعفة قوته السحرية والجسدية مئة مرة.
مجرد تعزيز مؤقت لكن كان هناك مستقبل لهذه التجربة إذا تم العمل عليها أكثر في المستقبل.
دون ذلك، ليس هناك سوى نتيجة واحدة لاستعمال هذه البلورة كما هي عليه الآن حيث سوف يتحول المستهلك لهذه البلورة إلى مسخ هائج يدمر كل ما هو مختلف عنه.
[حتى أكون أكثر دقة فدخول هذه البلورة إلى الوعاء سوف يجعل الروح تغادر الجسد وتأخذ البلورة مكان الروح فتجبر الجسد على التحرك مثل الميت الحي لمحاولة عدم الموت وذلك بمهاجمة كل ما هو مختلف عنها]
"ثم ماذا هل يمكن لمن تم عضه أن يتحول لمسخ أيضاً؟"
"عذراً" توقفت خادمة مرتبكة فأنأى لها راي أن تكمل
[لا أعلم نوع السخرية التي تطلقها الآن لكن بالطبع هذا غير ممكن فكما قلت إنها تهاجم كل ما هو مختلف عنها بينما ما تحتاجه للبقاء نشطة أو بشكل مزاجي لتبقى حية هو أن يلتهم الجسد مزيداً من تلك البلورات]
'إذاً بحثت في مكان خاطئ؟'
[لا عقل ولا إرادة ماذا تتوقع، على أي حال من أجل صناعة هذه البلورات فأنت تحتاج للبشر وبشكل خاص البشر الذين أوقظوا سمة الظلام مثل مورغانا لذلك ضع هذا في عين الاعتبار إن كنت سوف تبحث في هذا لاحقاً]
'أفهم'
"جلالتك.. انتهيت."
انتبه راي لصوت خادمه، فنظر لانعكاسه في المرآة قبل أن يتحدث: "أحسنت عملاً، يا...؟"
"لوليتا."
"حسناً لوليتا،" وقف راي وتابع: "هل يمكنك إخبار أحد بإعلام أكيرا أن يأتي لمكتبي حالاً؟"
"أمرك،" انحنت لوليتا فابتسم مجاملة لها قبل أن يخرج من الغرفة وهو لا يزال يناقش أمر البلورة مع أرثيل.
لكن لا يوجد شيء للنقاش، فقد فقدت أرثيل اهتمامها كلياً بأمر البلورة بعد أخذ نظرة عليها وما ذكرت الباقي إلا من أجل إرواء فضول راي..
[صدقني، إذا واجهت أحد مستخدمي هذا الهراء فيكفي الرنين من أجل تحييد تعزيز هذه البلورة، لذلك أعتقد أنها مجرد منتج فاشل أو شيء تحت التجربة، لذا إن كنت تريد الحذر فكن حذراً من المنظمة التي صنعتها وليس من البلورة نفسها.]
أومأ راي متفقاً مع هذا الجزء، لكن لا يزال تجاهل الأمر كلياً فيه نوع من الخطر.
خصوصاً أن الغربان لها يد في هذا
[وهل هذا يعني أن إمبراطورية نور لها يد في هذا أيضاً؟]
'من يعلم'
[لكن راي، كل من تم القبض عليهم هم مجرد غربان دون أجنحة، فكر قليلاً قبل أن تتصرف]
'لقد وضعت افتراضاً أن هذا فخ أيضاً أو محاولة لإشغالنا لكن وضع الأمر جانباً بسبب هذا الافتراض فقط غير ممكن خصوصاً أن هناك شيئاً في هذا الخصوص يزعجني'
'زد على ذلك خبر أن عبدة الشياطين كانوا يجمعون جثثاً من مدن مدمرة وكما قلت بنفسك فهذا عنصر يحتاج إلى جثث بشرية من أجل أن يكتمل'
[نعم، يحتاجها حتى لا ينهار الوعاء وحتى لا يموت الشخص قبل أو بعد أو أثناء التعزيز]
'لهذا قلت لك... هناك شيء مزعج في هذا الخصوص'
لكن على أي حال، كما ذكرت أرثيل فليس من الممكن الاهتمام بهذا الأمر فقط لكن سوف تكون فرصة جيدة لمعرفة ما إن كان بريق ظلال أستر لا يزال موجوداً أو قد اختفى من خلال جعلهم يجمعون مزيداً من المعلومات عن مصدر هذا الشيء.
بعد إغلاق النقاش، وصل راي مكتبه ليجد أن الخدم قد نظفوا الطاولة ووضعوا بعض الأطباق عليها، وبينما يرتب الخدم الطاولة كان ري يجلس خلف مكتبه بهدوء يراجع أوراقاً.
تجاوز راي الحارسين ودخل، ثم توقف مستغرباً من وجود ري؛ إذ كان المفترض أن يظل أسبوعاً كاملاً داخل المكتبة، ولم يتوقع أن يراه مجدداً خلال هذا الشهر؛ فبعد خروجه كان سيعزل نفسه لإجراء العديد من الاختبارات فور جمع الموارد.
لكن ها هو ذا يراجع أمراً لا علاقة له بالدواء.
أشار راي للخدم بالخروج، وما إن أُغلق الباب حتى جلس على الأريكة ليستفسر عن الأمر، لكن اكتفى ري بإشارة إلى نفسه على أنه النسخة التي كانت في مدينة الضباب ففهم راي دون سؤال أكثر.
لقد حضر وأحضر معه المرشحين.
[هل أنادي عليهم؟]
"إن كان الأمر كذلك فانتظر حتى أنهي طعامي."
أومأ ري بلا مبالاة وتابع عمله، بينما بدأ راي الأكل، غير أنه مع أول ملعقة من الحساء تقطب وجهه: "أرثيل، هل زادت قوة حواسي؟"
[هل هذا سؤال؟]
"إذاً لا أتخيل،" عبس راي وسحب منديلاً ليبصق ملعقة الحساء: "هذا مقزز، حتى أمعاء الأيل كانت أطيب من هذا."
سأل ري مستغرباً: [هل تعاني مع الطعام؟]، فأرسلت له أرثيل تفاصيل ما حدث، ليعود تعبيره من الفضول إلى اللامبالاة مجدداً.
لم يهتم راي وقرر تجربة باقي الأطباق لكن دون استثناء وجدها غريبة وجسده نفسه رفضها وذلك مع كل شيء على الطاولة باستثناء الخبز والقهوة.
في النهاية تنهد راي وسأل أرثيل إن كان هناك أي طعام في الصندوق الذي حصل عليه من نيرو وسوف يكون من الجيد لو كان هناك شيء مثل تلك ألواح الطاقة.
لكن من طعام لم يكن هناك في الصندوق سوى بعض لحم نيء ويبدو أنه غلف ليبدو مميزاً.
لم يرفض راي ذلك فوراً بل أمسك ذقنه بيده اليمنى ونظر إلى يده الأخرى يفكر ثم فجأة اشتعل كفه بلهب أبيض.
ابتسم راي راضياً على نجاح الفكرة لكن مستغرباً من لون الشعلة.
كان يشعر بالفعل بوجود بلورة اللهب ناحية بوابة الأرض وحيث إنه اعتاد استخدامها عندما كان في جسد الذئب فقد كان تنشيطها أسهل لكن لماذا اللهب ليس أسود؟
[لا تسألني عن هذا] قاطعت أرثيل سؤال راي قبل أن يفتح فمه ليسأل فتنهد وطلب قطعة اللحم فقط وما إن وقعت عين راي على قطعة اللحم حتى ضاقت حدقتاه عمودياً، وبدأ لعابه يسيل لينطفئ اللهب وتستقر نظرته على اللحم.
لم يحتج لسؤال حتى يدرك انجذابه للحم كما هو ولم يكن متقززاً من ذلك ولا يشعر بغرابة ناحيته أيضاً.
كان مجرد تردد للحظة هو ما منعه من افتراس القطعة كما هي لكن اختفى ذلك التردد مع زيادة شدة جوعه ليبدأ بالتهامها دون اهتمام بمحيطه.
ما إن انتهى راي من القطعة الأولى حتى طلب أخرى ثم أخرى ثم أخرى قبل أن يقاطع صوت الطرق متعته فتوقف للحظة حتى يستوعب الوضع بينما ينظر إلى الباب منزعجاً فنبهه ري.
"أعلم" تنهد راي وأعاد بقايا القطعة الأخيرة إلى الهرم، ثم أمر ري بتنظيف الطاولة بينما أشعل هو اللهب في جسده بالكامل حتى تلتهم النار الدماء دون لمس ملابسه.
على الأقل لم يكن إحساس استخدام اللهب مختلفاً رغم أن لونه كذلك.
بعد تنظيف ملابسه أعطى راي الإذن بالدخول فدخل أكيرا بعيون سوداء ووجه شاحب وجسد يميل إلى الأمام أكثر من شدة الإرهاق.
"أحييك جلالتك، شمس الإمبراطورية، أتمنى أنني نطقت التحية بشكل صحيح" زفر أكيرا كلماته بينما جفناه يثقلان حتى أوقظته كلمات راي التالية.
"رؤية حالتك هذه مع تفكيري في تكليفك بمهمة أخرى تجعلني أشعر بالأسف لأجلك."
"إذاً لا تفعل أرجوك، فأنا لم أنهِ بعد ما أمرتني به."
"لا يهم" توقف راي للحظة ثم نهض للعودة إلى مكتبه بينما يذكر سبب استدعاء أكيرا حيث من المخطط أن يتم اختيار رئيس الوزراء التالي عبر نظام انتخابات.
"سوف يتغير رئيس الوزراء كل خمس سنوات حتى لا يستطيع أحدهم احتكار السلطة كما حدث سابقاً لكن بشكل عام أريد منك أن تكون مسؤولاً عن عملية الانتخابات الأولى."
"لحظة جلالتك."
"لا تقاطعني" جلس راي وأخذ ورقة فارغة ثم تابع "سوف أخبرك بفكرة عامة للانتخابات وكيف سوف تجري وأضع بعض الملاحظات وباقي التفاصيل سوف أتركه لك."
"لا، لحظة جلالتك."
"لا تقلق، بالنسبة للراتب فسوف تحصل على زيادة."
"هذا ليس قصدي."
«طق طق طق»
قاطع صوت طرق كلام أكيرا مجدداً، وما إن نظر إلى الخلف حتى فُتح الباب بعد أن أعطى راي الإذن لتدخل مورغانا وهي تحمل عدة تقارير، فابتسم راي مشيراً: "في الوقت المناسب، مورغانا."
___________
نهاية الفصل
___________