​تبادلَ النبلاءُ نظراتٍ صامتة، وسادَ القاعةَ جوٌّ من الذهولِ الهادئ. كان النظامُ الذي وضعهُ راي يشبهُ المقايضةَ المحكمة؛ حيثُ ربطَ الجميع ببعضهم البعض في شبكةٍ من الرقابةِ المتبادلة.

​إذن، القاعدةُ تقول: قسم الماليةِ يودعُ الفائضَ في البنكِ المركزي، والركنُ الرابعُ يحمي هذا الفائضَ ويضمنُ قيمتَه.

​هذا يعني أن ديوانَ الخزينةِ الحالي في وزارةِ المالية يخضعُ لإعادةِ هيكلةٍ شاملة؛ حيث سُحبت سلطةُ القرارِ التي كان يتشاركُها الإمبراطورُ مع وزارةِ المالية ورئيسِ الوزراء، وتُمنحُ بالكامل إلى آمرِ ركنِ المال.

​هل هي سلطة؟ في الحقيقة، إنها أشبه بقيدٍ ذهبي أو أمانة ثقيلة وُضعت على عاتقِ آمرِ الركن؛ مسؤوليةٌ تمنحهُ مكانةً رفيعة، لكنها مكانةٌ مُقيدةٌ بقيودٍ حديدية، فلا يمكنهُ استخدامُها لنفسهِ أو لغيره، بل هو مجردُ صمامِ أمانٍ للمالِ العام.

​[ببساطة، وزارةُ الماليةِ هي العقلُ المُخطط، والركنُ الرابعُ هو الحارسُ الأمين. الوزارةُ هي مَن تدرسُ الاحتياجاتِ وتقررُ الميزانية، لكنَّ قرارَها يظلُ حبراً على ورقٍ حتى يختمَ عليهِ آمرُ ركنِ المال.]

​انحنى دوقُ الشرق قليلاً، ورفعَ يدهُ بحركةٍ رشيقة لكنها كانت تحملُ وزناً سياسياً كبيراً

"ماذا عن الوزاراتِ الأخرى؟" سأل بنبرةٍ ناعمة تشبه ملمس الحرير، لكن عيناهُ كانت تلمعان بذكاءٍ حاد "إذا أرادت وزارةٌ أخرى تقديمَ ميزانيةٍ، فهل يتمُّ ذلك عبرَ إرسالِها مباشرةً إلى الركنِ الرابع؟" ​

ساد صمتٌ قصير، كان الجميع يدركون ما يرمي إليه الدوق؛ وهي ما الفائدة من وضع وزارة مالية تحت رئيس وزراء؟ ​أمالَ ري رأسهُ قليلاً، ثم رسمت ابتسامة هادئة على وجهه وهو يجيب

[تعتمدُ الدورةُ الماليةُ الآن على فصلٍ صارمٍ بين التخطيطِ والتنفيذِ يا سيادةَ الدوق؛ فكلُّ الوزاراتِ ترفعُ ميزانياتِها واحتياجاتِها إلى وزارةِ المالية باعتبارها المحطةَ الأولى].

​توقف ري قليلاً وأوضح

[تقومُ الوزارةُ بجمعِ هذه الطلباتِ وتنظيمِها، لكنها لا تملكُ الذهب فعلياً؛ هي فقط تملكُ الأرقام.]

​"قطعُ أي محاولة تستهدف الخزينة" تمتم الدوق بهدوء وابتسم للفكرة ثم تابع السؤال وهو يشير إلى أوراق في يده: "لا أرى أنك قدمت هرم سلطة لهذا الركن، هل هناك سبب؟"

​[ملاحظة جيدة، ذلك لأنها تلمس الأساس الداخلي، سوف أكتفي بتقديم الأقسام الثلاثة وهي كما ترى]

​[البنكُ المركزيُّ الإمبراطوري أو الرقابة المصرفية: هو المؤسسةُ التي تحفظُ (الاحتياطيَّ الذهبي).]

​[يراقبُ كافةَ المصارفِ الفرعيةِ في الأقاليم. لا يتدخلُ في جبايةِ الضرائب، بل يضمنُ سلامةَ النظامِ الماليِّ الكلي فقط]

[دارُ السكِّ المركزية (المطبعة): هي الجهةُ الحصريةُ لإنتاجِ العملةِ الرسمية. يُمنعُ تداولُ أيِّ عملةٍ لا تصدرُ عنها. وترتبطُ قيمتُها مباشرةً بالاحتياطيِّ المودعِ في المخازن]

​[الهيئةُ العليا للمخازنِ الاستراتيجية (التموين): إدارةُ مخازنِ (الطوارئ) للغذاءِ والمعادنِ والموادِّ السحرية. تأمينُ احتياجاتِ الجيشِ والشعبِ في حالاتِ الحصارِ أو الكوارث.] ​

[وأخيراً ديوانُ التدقيقِ المالي: فريقٌ من المحاسبينَ السياديين، مهمتُهم مطابقةُ الأرقامِ الدفتريةِ بالموجوداتِ الماديةِ في المخازنِ والخزائن].

​[جميع الهيئات الأربع مترابطة، حالياً جاري بناء هذا العمود، لكن قرار تعيين مشرف أو آمر الركن في يد جلالته ولن يكون عبر...]

​"لحظة ري"رفع راي يده وقاطع كلمات ري وأوقف الحديث ثم وجه سؤالاً إلى دوق الشرق"أيها الدوق، ما رأيك في هذا الركن؟" ​

وجهَ راي سؤالهُ إلى دوقِ الشرق، لكن قبل أن ينطق الأخيرُ بكلمة، انزاحَ كرسيٌّ ثقيلٌ على الأرض الرخامية بصوتٍ حادٍّ قطعَ هدوء القاعة. ​كان ذالك دوقُ الشمال.

وقفَ ببطء، ولم تكن ملامحهُ غاضبة، بل كانت تحملُ تلك البرودة المستفزة التي تسبقُ العواصف. نظرَ إلى الأوراقِ التي أمامهُ وكأنها مجردُ عبثِ أطفال، ثم رفعَ عينيهِ. ​

"جلالتُكَ تتحدثُ ببراعةٍ عن الأقفالِ والمخازن، وكأننا في رحلةٍ تعليميةٍ لمجموعةٍ من الهواة." قالها الدوقُ بنبرةٍ هادئة جداً، لكنها كانت تقطرُ سمّاً. "كلُّ هذا العرضِ الجميل عن 'الحارس' و'العقل'، لكنكَ ترفض أن تخبرنا عن الشيءِ الوحيد الذي يهمنا كرجال الدولة: ما سلطةُ آمر هذا الركن، أو هرم السلطة كما تحب تسميته؟" ​

لم يجب راي لكن تابع دوق الشرق رغم أنه ليس متحالف مع دوق الشمال "جلالتك، بما أن هذا الاجتماع من أجل النظر في مشروع إعادة هيكلة النظام، أليس من حقنا معرفة كيف سيتم هيكلة هذا العمود؟"

​"دوق الشمال ودوق الشرق" أشار راي بهدوء إلى الاثنين وسأل: "هل أعتبر هذا أنكم داعمون لهذا النظام؟" ​تجمدت القاعة، ونظر الجميع إلى دوق الشمال ودوق الشرق.

لم يجب دوق الشرق، ضاقت عيناه ولعن في نفسه من تلاعب راي بكلماته وجعلها تبدو كما لو أنه يفكر في النظام بشكل إيجابي.

​وقد أدرك دوق الشمال ذلك أيضاً، لكن صر على أسنانه ، لقد خرجت الكلمات التي كانت تحاول كشف أوراق إمبراطورية والآن الجميع يرون أن هناك فرصة لقبول شخصيات كبيرة لهذا النظام،

عبس وهو يجيب ​"لن أقول إن النظام الذي يقترحه جلالتك سيئ، لكن نطلب منك توضيحه بشكل مفصل، مثلاً ما هو هرم السلطة في هذا العمود، وكيف نساعدك..." توقف الدوق وعدل كلامه هنا: "وكيف يتم اختيار الشخص المناسب من أجل إدارته؟"

​يعلم الجميع، المال هو عصب الإمبراطورية بل هو أيضا العصب الذي يربط الخيوط بين الجميع، فلا أحد يريد الكثير من الغموض حول القسم الذي يتحكم بهاذا العصب،

فلو نجح هذا النظام وتم تطبيقه فعلى الأقل سوف يعيد قيمة الذهب للذين يقومون بتخزينه حالياً. ​"جيد، يسرني وجود مزيد من الداعمين"

ابتسم راي وأشار إلى الجزء الذي أدخل بذرة الشك في قلوب القطعان الصغيرة، ثم أشار إلى ري"قم بتقديم هرم سلطة هذا الركن، كما قال دوق الشمال، ليس من الجيد إخفاء الكثير عن العصب." ​

صرَّ دوق الشمال على أسنانه وجلس بينما تنهد دوق الشرق بإعجاب من ذكاء راي، فهو لا يقوم حالياً بإقناعهم بل يستخدمهم من أجل زراعة بذور الشك بينهم... إنه حرفياً يحطم تلك الخيوط التي تربطهم معاً.. واحدة تلو الأخرى.

​[حسناً، بالنسبة لهرم السلطة فيتكون من آمر الركن الرابع أو سيد الخزانة، وهو رأسُ الهرمِ والمسؤولُ الأولُ أمامَ الإمبراطور].

​[السلطة: يملكُ حقَّ النقضِ على أيِّ قرارٍ ماليٍّ كبير، وهو الذي يضعُ الختمَ النهائيَّ على الميزانيةِ العامةِ التي يرفعُها قسمُ المالية كما ذكرنا سابقاً]. ​

[المستوى الثاني: مدير البنكِ المركزيِّ الإمبراطوري وهو "العقلُ المدبر" للسياسةِ النقدية].

​[يترأسُ إدارةَ التدفقاتِ المالية، ويشرفُ على استقرارِ قيمةِ العملة، ويراقبُ التزامَ البنوكِ الإقليميةِ بالقواعدِ الصارمةِ للعرش]

​[المستوى الثالث: مديرُ المخازنِ الاستراتيجيةِ العامة وهو "حارسُ الأصولِ المادية" ومهمته هي الإشراف على أربعةِ قطاعاتٍ ضخمة]

​قطاع المعادن: (الذهب والفضة والحديد). قطاع

الغذاء: (صوامع القمح والمخزون الغذائي).

قطاع السحر: (البلورات والمواد الخام السحرية).

قطاع الطاقة: (الوقود والموارد اللازمة لتشغيل الإمبراطورية). ​

"عذراً" تدخل دوق الجنوب الذي كان صامتاً بسؤال يلمس الأرض الخاصة به "هل هذا القسم يشرف على خزائن أراضي أخرى أيضاً؟"

​توقف ري، لم يجب، لأنه لم يستطع الإجابة؛ هذا النظام لم يكن ري من وضعه بل راي ولم يتطرق لهذا الموضوع، فما كان منه سوى النظر إلى راي وفوراً فهم الجميع من العقل المدبر خلف هذا النظام.

أومأ راي برأسه وأجاب بهدوء: ​"لا، الخزائنُ الخاصةُ بالأقاليمِ تظلُ تحتَ سيادةِ أصحابِها، لكن الركنَ الرابعَ يشرفُ على المعايير."

​توقف راي قليلاً ثم شرح ما يعنيه بذلك"بمعنى أنَّ العملةَ التي تُخزنونها يجبُ أن تكونَ صادرةً عن دارِ السكِّ المركزية، والموادَّ الاستراتيجيةَ كالحبوبِ والمعادن يجبُ أن تُطابقَ كشوفاتِ الإنتاجِ التي ترفعُها أقاليمُكم للعرش."

​أومأ دوق الجنوب وتراجع لم يكن معاديا مثل أخرين وقد حصل على إجابته ، كان ما يقوله الإمبراطور واضحاً الركنُ لا يملكُ مفتاحَ خزائنِكم، لكنه يملكُ الحقَّ في معرفةِ ماذا يوجدُ بداخلِها لضمانِ أمنِ الإمبراطوريةِ الغذائيِّ والمالي. ​

"أفهم جلالتك، أعتذر عن المقاطعة، من فضلك تابع." جلس الدوق وتنهد ري قبل أن يباشر في الكلام. ​

[نعود من حيث توقفنا، المستوى الرابع: رئيسُ دارِ السك، هو المسؤولُ عن إنتاجِ العملة، يديرُ (المطبعة) والمصنعَ السريَّ لسكِّ النقود. وظيفتهُ التأكدُ من جودةِ العملةِ ومنعِ التزوير، وضبطِ كميةِ الأموالِ المطبوعةِ بما يوافقُ أوامرَ البنكِ المركزي]. ​

[وأخيراً المستوى الخامس: فيلقُ المفتشينَ والمدققين]. ​

[هم "عيونُ الركن" في الميدان، يقومونَ بجولاتٍ مفاجئةٍ على مخازنِ الدولةِ وبنوكِ الأقاليمِ لمطابقةِ الذهبِ الموجودِ فعلياً بالأرقامِ المسجلة. هؤلاءِ يرفعون تقاريرهم لآمِرِ الركنِ مباشرةً لتجنبِ الرشوة]

وهذا يؤكد جواب راي السابق. و تابع ري الحديت بهدوء ​[كما يمكنك أن ترى، حساسية هذا الركن لا تقل عن أركان أخرى لذلك يسمى العصب، لقد دخل البعض إلى ميدان هذا الركن، لكن لن يتم تعيين أي مسؤول عن هذا الركن إلا بقرار من جلالته]. ​

لماذا؟ هذا سؤال أراد الجميع طرحه لكن لم يتقدم أحد، مع ذالك حساسية هذا الركن كبيرة لذلك أوقف راي التقدم حتى يهضم الآخرون ما سلف وفتح باب المناقشة بخصوص هذه الأركان.

_____________

نهاية الفصل

____________

[معلومات جانبية: خارج أسوار القلعة]

[بعيداً عن أضواء القاعة الكبرى، وفي زقاقٍ يفوح برائحة الرطوبة، كان فرانكو يجلس على عتبة بيتهِ المتهالك. يداه الخشنتان، اللتان تحملان آثار سنين من التعب، كانتا تحاولان إصلاح حذاءٍ صغير لابنته لينا، توقف فجأة ونظر إلى السماء وضاقت عينه وهو يرى تلك الغيوم تتجمع]

[الشتاء الأسود يقترب ]

2026/02/08 · 17 مشاهدة · 1317 كلمة
Ryuzaki
نادي الروايات - 2026