​سادَ القاعةَ ضجيجٌ مكتوم، مزيجٌ من أصواتِ مئتين وثلاثةِ مسؤولينَ يتهامسونَ خلفَ أوراقهم، بينما تركت المقاعدُ الأربعونَ الشاغرةُ فراغاً يثيرُ الريبة.

​بمجردِ أن أُعطيَ راي حقَّ الكلام، تحولت القاعةُ إلى ما يشبهُ خليةَ نحلٍ مضطربة؛ لم تكن هناك أسئلةٌ مباشرة، بل كانت مناقشاتٌ جانبيةٌ حذرة، تهدفُ في جوهرِها إلى التسليمِ بوجودِ هذه الأركانِ كأمرٍ واقع.

​كان من المدهشِ حقاً أن إمبراطوريةً بهذا الاتساع، كانت تُدارُ لعقودٍ بعقلٍ واحدٍ تقريباً. رئيسُ وزراءٍ يملكُ كلَّ الخيوط، ووزراءُ ينفذونَ مشيئتَه، ومستشارٌ وحيدٌ يقفُ كجسرٍ ضيقٍ بين الإمبراطورِ وبينهم.

​كان رئيسُ الوزراءِ يمثلُ اليدَ اليمنى، والمستشارُ هو اليدُ اليسرى. ولكن، ماذا لو اتفقت اليدانِ على خنقِ الجسدِ الذي يحملهما؟ عندها ستصبحُ مصالحُ الأقاليمِ والنبلاءِ مجردَ قربانٍ يُذبحُ على مذبحِ طموحاتهما.

​أثبتت الوثائقُ القديمةُ المعروضةُ صدقَ هذه المخاوف؛ فالأركانُ الجديدةُ -رغم أنها تسلبُ السلطةَ من البعض- إلا أنها تمنحُ الأمانَ للجميع. فركنُ الخارجيةِ يَعِدُ بتدفقِ الثروات، وركنُ العلمِ يَعِدُ بالعقولِ الفذة، وركنُ المالِ يضمنُ ألا يتحولَ ذهبُ النبلاءِ إلى قطعٍ من المعدنِ الرخيص.

​لكنَّ الغصةَ بقيت في ركنِ الروح.

​كان الرفضُ لهذا القسمِ يفوحُ من نظراتِ الحاضرين. لم يكن نبلاءُ الإمبراطوريةِ أغبياء؛ فبينما تخدمُ الأركانُ الأخرى الجميع، وُلدَ ركنُ الروحِ ليخدمَ العرشَ أولاً. هو السلاحُ الذي يمكنهُ بخبرٍ واحدٍ أن يرفعَ نبيلاً إلى عنانِ السماء، وبخبرٍ آخرَ أن يرميَ بهِ إلى الهاوية.

​كان راي يدركُ أنَّ الإمبراطوريةَ ليست جمعيةً خيرية، ومَن يقفُ ضدَّ العرشِ سيجدُ نفسهُ وحيداً أمامَ طوفانِ الشعب. وبما أنَّ الدوقاتِ الكبارَ اختاروا الصمتَ والمراقبة، لم يكن أمامَ الصغارِ سوى الحذرِ الشديد.. فقد انتهى زمنُ التلاعبِ تحتَ الطاولة.

​استمرت هذه الحربُ الكلاميةُ الهادئةُ لأكثرَ من ساعة، قبل أن يُرفعَ الاجتماعُ لنصفِ ساعةٍ من أجلِ الغداء. كانت استراحةً قصيرة، لكنها كافيةً ليرتبَ الجميعُ أفكارهم، ويتحسسوا رؤوسَهم قبلَ العودةِ إلى النصفِ الثاني من العاصفة.

​مع امتلاءِ القاعةِ من جديد، عادت الهمساتُ لتتصاعدَ بشكلٍ عشوائي، كانت نبراتُ الصوتِ مشحونةً بالقلق والارتباك. ولكن، بمجردِ أن دخلَ راي وتَبِعتهُ مورغانا، وخلفهما ري وسيسلين، سقطَ الصمتُ على المكانِ كأنه جدارٌ ثقيل.

​استقرَّ راي على عرشهِ بهدوءٍ مستفز. لم يبدأ الحديثَ فوراً، بل جالَ ببصرهِ في الوجوهِ الممتدةِ أمامه. كان المسؤولون يبدون أكثرَ فوضى وتشتتاً مما كانوا عليه قبل الاستراحة.

​لقد استنزفت الاستراحةُ عقولَهم في تفكيرٍ مرير؛ هل موافقتهم على هذه التغييرات هي طوقُ نجاةٍ أم حبلُ مشنقةٍ يلفونهُ حول رقابهم؟ كان السؤالُ الذي ينهشُ الجميعَ هو: هل يمكنُ للإمبراطوريةِ التي عرفوها أن تعودَ يوماً إلى سابقِ عهدها، أم أنَّ تلك الإمبراطوريةَ قد انتهت تماماً؟

​لو أنه مجرد اقتراح عابر للإمبراطور لما اهتم الجميع كثيراً، لكن هذا القالب الموضوع أمامهم يبدو مثالياً لدرجةٍ يعجز بها الشخص عن الاعتراض... هل ربما هناك أمل في هذا الإمبراطور الشاب أو أنها مجرد محاولة مصيرها أن تنتهي بالفشل؟

​وبسبب ذلك، تغيّر جوُّ القاعةِ تماماً؛ فبعد أن كان النصفُ الأولُ يقتصرُ على أعداءٍ يتربصون أو محايدينَ يراقبون، وُلدت الآن فئةٌ جديدة.. فئةٌ بدأت تلمس الأمل في عودة قوة الإمبراطورية.

​رغم أنها مجرد فئة صغيرة، لكن كانت تلك نتيجة مرضية خصوصاً وجود دوق الجنوب الذي كان محايداً ضمن هذه المجموعة فقد أتى لمناقشة هذه التغيرات خلال الاستراحة مع راي، وأظهر استعداده للمساعدة للتفكير بإيجابية بخصوص هذا النظام.

​لم يكن دعماً مباشراً، لكن مجرد تفكيره في الأمر كان علامةً فارقة. ذلك الرجل العجوز ذو الوجه القاسي والملامح التي توحي بالشر، يجلس بظهرٍ مستقيم في مقدمة الصف الأيمن بجانب دوق الشرق.. من كان يتخيل أن خلف هذا القناع الصارم يقبعُ القلبُ الأكثر ولاءً لهذه الإمبراطورية؟

​ابتسم راي وهو ينظر إليه مباشرة فانحنى دوق الجنوب بعلامة تقديم احترام وكان ذلك عن قصد ولم تهرب هذه الإشارة من عيون النبلاء، فنزلت مثل حجر على قلوب الجميع فمن هو دوق الجنوب؟

​إنه الشخص الذي يملك أكبر احتياطي من المعدن في الإمبراطورية وأفضل حرفيين وأعلى وأكثر المناجم جودة في الإمبراطورية، إنه الشخص الذي حتى لو انهارت الإمبراطورية فلن يجرؤ أحد على معاداته.

​ورقة رابحة؟ لكنها الأولى فقط.

​"آملُ أنَّ عقولكم قد استراحت بما يكفي فسوف ندخل على الأركان الثلاثة التي سوف تبنى من إعادة تدوير نظام الإمبراطورية السابق" وكسر راي هذا الصمت.

​حاول البعض الابتسام بقسوة وبعض على ملامحهم تعبير أقرب إلى البكاء، حتى تعبير دوق الشمال لم يكن جيداً، فرغم امتلاكه أقوى فرسان ما كان ليخاطر بتهديد دوق الجنوب أو محاولة رشوة هذا الرجل.

​فقط ما الذي حدث خلال هذه الاستراحة بين راي ودوق الجنوب الملقب برأس العنيدة... هذا الطفل.

​صرَّ دوق الشمال على أسنانِه بغيظ مكتوم، محاولاً استجماع شتات نفسه، بينما تقدم ري من جديد لافتتاح الجزء الجاد من الاجتماع. سادَ الهدوءُ القاعة مرة أخرى فبدأ ري بعزف ألحانه.

​[سوف أدخل مباشرة على شرح الركن الثالث وأتمنى ألا يمانع أحدكم، بالنسبة لنقاش مفصل فذلك نتركه إلى النهاية، من لديه سؤال لا يتردد في طرحه]

​لم يتكلم أحد لا تزال صدمة أن دوق الجنوب أظهر لفتة حسنة نحو الإمبراطور الشاب تزعجهم، فتابع ري:

​[إذاً دعونا نبدأ]

​[دعنا نعود إلى شرح الأركان من الركن 3 (العين والآذان)]

​[الركنُ الثالثُ (العين والآذان): هو الركنُ الذي يمثلُ 'وعيَ' الدولةِ الكامل. لا يُعرَفُ بكونهِ غائباً، بل بكونهِ حاضراً في كلِّ زاويةٍ لا تصلُ إليها الشمس.]

​إذاً هذا الركنُ الذي يقرأُ ما خلفَ السطور، ويسمعُ ما وراءَ الجدران، لضمانِ ألّا تسقطَ شعرةٌ من هيبةِ الإمبراطوريةِ دونَ عِلمِ العرش، مهما حاول ري تجميل السكين فلا يزال سكيناً، حتى لو لم يقل ذلك فالجميع يدرك أن هذا الركن عمله هو التجسس والاغتيال والمراقبة.

​إذاً هل سوف يستخدم الظلال؟

​علم راي ما يفكرون به لكن لم يجب، الظلال هي قوة لا يمكنها أن تظهر أمام عامة لكن هذا الركن سوف يكون له صوت مسموع، ومشاركة حاضرة في كل مكان.

​يبدو أن الجميع قد نسي تلك القوة التي تم إهمالها منذ 80 سنة.. هل نسي الجميع ذلك الخوف من امتلاك الجدران للآذان.. تنهد راي ولم يقل شيئاً فتابع ري:

​[أقسام العيون والآذان السابقة بما في ذلك المفتشون الذين يجوبون الأقاليم ويراقبون النبلاء والحكام المحليين، ويرفعون تقاريرهم مباشرة للإمبراطور جميعها سوف تعود للعمل وتصبح جزءاً من هذا الركن]

​عبس الجميع حتى دوق الجنوب هذه المرة، هذه تفاصيل لم تذكر في تلك الأوراق فهل يحاول راي أن يوقظ "شيطاناً قديماً" كان الجميع قد ظنوا أنهم تخلصوا منه؟

​[وسوف أبدأ بشرح هرم سلطة هذا الركن]

​"عفواً" أوقف دوق الشمال ري وسأل "جلالتك، على حسب علمنا فلم يعد هناك أي موظفين في هذا القسم وقد تم التخلص منه قبل 40 سنة من أجل توفير ميزانية"

​"تعبيرك خاطئٌ تماماً أيها الدوق،" تنهّد راي وهو يسندُ رأسهُ على يدهِ بمللٍ مصطنع، ثم تابعَ موضحاً "هذا القسمُ لم يتم التخلصُ منه قط.. بل تمّ خنقُه ببطء. لقد قَلّصتم ميزانيتَه حتى جاعَ رجاله" ضاقت عين راي وهو يكمل "مع انخفاضِ كفاءتهم، تمّ رميهم في الزوايا المظلمةِ منسيين. لقد حوّلتم 'عيون الإمبراطورية' إلى 'منفى'؛ فكان كلُّ من يجرؤُ على معارضتكم، يُرسلُ للعملِ هناك كنوعٍ من العقابِ والإذلال."

​وهل تعلم ماذا يعني هذا؟

​أولئك الذين زرعتم في قلوبهم كراهيةً لا تُطاق، عائدون الآن من قعرِ جحيمِ إهمالكم.. لم يعودوا من أجلِ واجبٍ وظيفي، بل من أجلِ انتقامٍ طالَ انتظاره. إنهم أولئك الرجالُ الذين لن ترتجفَ جفونُهم أمام الموت، طالما أنَّ ثمنَ سقوطهم هو سحبُكم معهم إلى القبور.

​بعد أن شاهد راي عديداً من التقارير بخصوصهم أدرك على الفور أنها مجرد تقارير مزيفة وطلب من الظلال التحري عن الأمر وبسرعة تم كشف جميع الأعمال التي تسببت في نفيهم إلى ذلك المكان.

________________

نهلية الفصل

________________

[معلومات جانبية: الفتش الملكي]

[قبل ثمانين عاماً، كان مجردُ ذكر اسم "المفتش الملكي" كفيلاً بأن يُصيبَ أعظمَ الدوقاتِ بالارتجاف. كان المفتشُ يدخلُ القلعةَ وحده، لا يحملُ سيفاً، بل يحملُ "الختم الذهبي"؛ فكانت تُفتحُ له كل الأبواب، وتُكشفُ أمامه كل الدفاتر. كان "ركن السكينة" وقتها هو العصب الحسي للإمبراطورية]

[​البداية: سحب المخالب (قبل 60 عاماً)]

[بدأ الأمرُ بذكاءٍ خبيثٍ من تحالف النبلاء. بدلاً من محاربة الجهاز، قرروا "خنقه". استطاعوا إقناع الإمبراطور السابق بأن الدولة تمرُّ بضائقة مالية، وأن "جيش الجواسيس" يستهلكُ ميزانيةً يمكنُ استغلالها في الحروب. تم تقليصُ الرواتب، ثم أُغلقت مكاتبُ الأقاليم، واحداً تلو الآخر.]

[​الوسط: النفي في الداخل (قبل 40 عاماً)]

[تحول الجهازُ من "درعٍ للعرش" إلى "سلةِ مهملات". أيُّ ضابطٍ في الجيش يرفضُ تلقي الرشوة، أو أيُّ مسؤولٍ يصرُّ على تطبيقِ القانون ضد نبيلٍ قـوي، كان يُنقلُ فوراً إلى "ركن العيون والآذان" كعقابٍ له. أصبح القسمُ يُلقب بـ "مقبرة الأحياء"؛ حيثُ يُرسلُ إليه الشرفاء ليموتوا جوعاً ونسياناً.]

[النهاية: الانحطاط (قبل 20 عاماً )]

[وصلت الانحطاط إلى ذروته و أصبح المفتشون الملكيون يعملون كـ "خدمٍ" في مكاتب النبلاء الذين كان من المفترض أن يراقبوهم]

​[المرحلة الحالية: الاندثار والنسيان] ​ [لم يَعُد أحدٌ يُلقي بالاً لهذا القسم، بل تحوّل بمرور الوقت إلى 'منفى جماعي' يُلقى فيه كلُّ مسؤولٍ مغضوبٍ عليه. لم يهمّهم تخصصُ المرء أو كفاءته؛ فكلُّ مَن أرادوا تغييبَهُ عن المشهد السياسي، أو إخراجهُ من دائرة التأثير، كان يُرمى في زوايا هذا القسم المنسي، ليواجهَ موتهُ المهني بصمت]

2026/02/08 · 23 مشاهدة · 1373 كلمة
Ryuzaki
نادي الروايات - 2026