كان الجميع في القاعة يدركون الحقيقة المرّة التي استدعاها راي من رماد الماضي؛ يدركون تماماً كيف خنقوا ذلك القسم بأيديهم، وكيف حولوه إلى مقبرةٍ للشرفاء. لكنَّ أحداً منهم لن يجرؤ على الاعتراف؛ فالبراءةُ هنا هي الدرع الوحيد المتبقي لهم، لذا سيتظاهرون بالذهول، ويرتدون أقنعة الصدمة ببراعةٍ تليقُ بممثلين محترفين.
'يا له من وجع رأس!'... كانت هذه الصرخة المكتومة تتردد في أذهان أغلبهم.
لكن، هل يملك أحدهم رفاهية الاعتراض؟ بالطبع لا. فهذا الركن ليس عقاراً خاصاً يمكنهم التنازل عنه، بل هو عمادٌ أصيل من أعمدة الإمبراطورية، والوقوف في وجهه يعني التمرد العلني على "كيان الدولة". راي لم يطرح الأمر للنقاش، ولم ينتظر تصويتاً؛ لقد كان ببساطة يضعهم أمام قدرٍ محتوم: "هذا الركن سيعود، وسيتم منحه سلطاتٍ لم يمتلكها حتى في أزهى عصوره".
لم يتبقَّ لهم سوى الجلوس في مقاعدهم المتصلبة، ومراقبة "ري" وهو يتابع حديثه ببرودٍ جليدي. ذلك الرجل صاحب العيون القرمزية، الواقف فوق المنصة بهيبةٍ غريبة، بدا وكأنه كيانٌ منفصلٌ عن صخب البشر حوله؛ آلةٌ بشرية لن تتوقف عن سرد المصير القادم إلا إذا تجرأ انتحاريٌ وقاطعه.
[سوف أشرحُ هرم سلطةِ الركنِ الثالث، والذي سوف يحمل اسم "الاستخبارات"، وكيف سيتم إعادة هيكلته والسلطة الموكلة إليه]
[بدايتها قمة الهرم: آمِرُ الركنِ الثالث وهو سيدُ الأمنِ القومي، هو المسؤول المباشر أمام الإمبراطور عن سلامةِ الدولة، يملكُ صلاحيةَ تحريكِ القواتِ في حالاتِ الطوارئ القصوى، والإشرافِ على جهازيْ (الاستخبارات) و(الدفاع)]
توقف ري وغير ورقة ووضح معلومة مهمة: [يملك آمر الركن حق التفويض المباشر، وهي أن يُصدر آمر الاستخبارات أمراً للجيش "باسم الإمبراطور" إذا فُقد الاتصال بالعرش]
سادَ صمتٌ ثقيل، لدرجةِ أنَّ صوت "ري" وهو يقلبُ الورقةَ التالية ببرودٍ استفزازي، دَوَى في القاعةِ كأنه رعدٌ مباغت.
أدرك دوق الشمال ما يحدث؛ فالعيونُ التي أظلمَها القلق سابقاً، اتسعت الآن برعبٍ خالص؛ فمنحُ "آمِر الركن" سلطةَ تحريك الجيش في حالات الطوارئ، حطّم في ثانيةٍ واحدة كلَّ أحلامِ الانقلابات التي رُسمت في الظلام لسنوات.
هذا النظام.. يجب ألا يرى النور!
لكن بغض النظر عن المشاعر التي حلت على القاعة، فقد تابع ري حديثه بهدوء، متجاهلاً تلك العيون المترددة. على الأقل، هناك بعض العيون التي ترى في إعادة هيكلة هذا الجزء فكرةً جيدة، ومنهم كان دوق الشرق الذي ابتسم بهدوء وهو ينظر إلى باقي المعلومات.
"إذن.. آمر الركن يحدد من هو العدو ويجمع المعلومات، بعدها يقرر الإمبراطور كيفية التعامل مع العدو، ثم يتم التنسيق مع وزير الدفاع من أجل تأكيد أن أوامر الإمبراطور يتم تنفيذها على أرض الواقع، لكن في حالات قصوى يمكنه إصدار أوامر إلى وزير الدفاع."
تمتم دوق الشرق بهدوء، لكن رغم أن صوته كان منخفضاً فقد تردد صداه في القاعة، وابتسم راي وهو يرد عليه
"دوق الشرق، أرى أنك تفهم طبيعة الركن."
"عفواً.." أدرك الدوق أن كلماته كانت مسموعة، نظر حوله ثم عدل نفسه وتحدث بهدوء: "القليل فقط جلالتك، أفهم من هذا الفصل محاولة منع حدوث 'انقلاب عسكري'، لكن أتساءل عن الفرق بينه وبين وزارة الدفاع."
نظر ري إلى راي متسائلاً إن كان عليه الإجابة، فمنحه راي إشارة تعني بعدم التهرب من السؤال، ليجيب ري على سؤال الدوق: [الفرق بينهما هو الفرق بين (السيادة والتخطيط) وبين (الإدارة والتنفيذ).]
ثم تابع موضحاً: [من أجل شرح هذا بالتفصيل، يجب ذكر هيكلة الإدارة الجديدة وهيكلة الركن الثاني؛ لأنهما مترابطان مع بعضهما البعض مثل "وزارة المالية" و"ركن المال". أولاً، سوف أشرح هرم سلطة الركن الثالث:]
ومن هنا مر ري بسرعة من أجل توضيح مستويات أخرى
[المستوى الثاني: ديوان الاستخبارات (العين): المهمة هي الحفاظ على الأمن الداخلي وجمع المعلومات. وظيفة هذا الجهاز هي ملاحقة الجواسيس، وكشف المؤامرات، ومراقبة أي تحرك مريب داخل المدن.]
[المستوى الثالث: قيادة حرس الحدود والتحصينات (الأمن الخارجي): وظيفتها هي الإشراف على القلاع الحدودية، وتأمين الطرق التجارية الكبرى من قطاع الطرق والوحوش، والتنسيق مع الجيش في حالة الغزو.]
[المستوى الرابع: هيئة الشرطة العسكرية والتحقيق (الانضباط القانوني): الوظيفة هي الجهة التي تحقق في الجرائم الكبرى التي تمس أمن الدولة، وهي التي تضمن أن الجنود والضباط يلتزمون بأوامر الإمبراطور، ولا يخضعون لسلطة اللوردات المحليين.]
بعيداً عن المستوى الثالث الذي يعني أن النبلاء لم يعودوا يتحكمون فيمن يدخل أو يخرج من أراضيهم حيث أن الاستخبارات هي من تملك مفاتيح البوابات الآن، لكن ما خطب المستوى الرابع؟
ألا يلمس هذا سلطة اللوردات؟ ألا يعني هذا أن الجندي الذي كان يطيع النبلاء خوفاً أو ولاءً، أصبح الآن يخشى "الشرطة العسكرية" التي تراقبه باسم الإمبراطور.
"جلالتك..." انطلق صوت الدوق أجشاً وهو يتقدم خطوة، متجاهلاً ري تماماً وموجهاً بصره بحدة إلى راي"نحن نفهم رغبتك في تأمين إمبراطورية، ولكن.. الشرطة العسكرية؟ التحقيق في ولاء الجنود؟ هذا لا يمس أمن الدولة فحسب، بل ينسف ميثاق الولاء بين اللورد وجنوده!"
لم يفهم البعض ما الذي يقصده الدوق فتنهد دوق الغرب وشرح بهدوء: "هذا يعني أن جنودنا الذين ربيناهم بمالنا وطعامنا، سيصبحون جواسيس ضدنا."
"هل يحاول الإمبراطور تحويل جيوشنا إلى مجرد أدواتٍ يتحكم بها الركن الثالث؟" تساءل أحدهم لكن نبيلاً آخر لم يستوعب حجم الأمر: "لكن أليس دورهم فقط مراقبة ورفع تقرير؟"
تنهد أحدهم وصحح له "فكر في الأمر، الشرطة العسكرية تابعة للركن الثالث، وهي التي تملك حق التحقيق مع الجنود والمحاربين. هذا يعني أن أي قائد جيش أو لورد يعطي أمراً لجنوده، يمكن لرجال هذا الركن التدخل واعتقال القائد أو الجنود بتهمة (مخالفة أوامر الإمبراطور)."
وتابع أحدهم: "هذا ما يسمى الرقابة اللصيقة، ولن نستطيع تحريك جيوش أرضنا دون خوف من تقارير الاستخبارات."
أدرك الجميع الخطر الذي يهددهم وبدأت القاعة تغلي. وباختصار "الشرطة العسكرية" هي السكين التي ستقطع الحبل السري بينهم وبين قوتهم العسكرية. الجندي الذي كان يطيع الدوق دون تفكير، سيتوقف الآن ليسأل نفسه برعب: "هل سيجرني رجال هذا الركن إلى التحقيق إذا نفذت هذا الأمر؟"
وبما أن "آمِر الركن الثالث" يملك صلاحية تحريك القوات في الطوارئ وإصدار أوامر لوزارة الدفاع، فإن النبلاء يرون أن هذا "تغول" على صلاحياتهم. ألا يعني هذا أن ركن الاستخبارات أصبح "العقل المدبر" الذي يوجه "عضلاتهم" (الجنود) كما يشاء؟
ووسط هذه العاصفة، ظل راي جالساً بوضعية مرتاحة، يراقب ثورانهم ببرود شديد، كأنه كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً. أما "ري"، فقد ظل واقفاً فوق المنصة كالجبل، عيناه القرمزيتان تلمعان ببريق جليدي، ولم يحرك ساكناً، بل انتظر إشارة من إمبراطوره ليرد على هذا "التمرد اللفظي".
لكن قرر راي الإجابة بنفسه، ساد صمتٌ قصير، امتص فيه راي حرارة القاعة دون أن يبدي أي انفعال. لم تكن نظراته عدوانية، بل كانت هادئة كبحرٍ قبل الفجر. انتظر حتى خفتت الأصوات تماماً، ثم تحدث بنبرة رزينة، نبرة الشخص الذي يشرح لا الشخص الذي يهدد، فهو على دراية بما الذي سوف يحدث لو اتخذ موقفاً عدوانياً الآن خصوصاً ضد الدوقات الأربعة.
"يبدو أن هناك سوء فهمٍ قد وقع." أرجع راي ظهره إلى الكرسي، وتابع بهدوء: "الشرطة العسكرية ليست هنا لتشكك في ولائكم، بل لترفع عن كاهلكم عبء التحقيق في القضايا التي تستهلك وقتكم وجهدكم. أنتم قادة حروب، ومكانكم الطبيعي هو التخطيط للانتصارات، وليس ملاحقة جندي سرق مؤونة أو ضابطٍ قد يكون جاسوساً أجنبياً."
مرر نظره على الحاضرين وتابع...
"بوجود هذا النظام، نحن نحمي (اسم العائلة)؛ فإذا أخطأ جنديٌ في أراضيكم، سيتكفل الركن الثالث بمحاسبته كفرد، دون أن تُمس سمعة اللورد أو يُتهم بالتقصير في ضبط رجاله." بمعنى "الشرطة العسكرية هي الدرع الذي يضمن أن تظل صفوفكم نقية، لكي لا نُفاجأ جميعاً بخائنٍ في وقت الشدة."
ثم التفت إلى الدوق الذي اعترض، وأضاف بنبرة هادئة
"ألا تتفق معي يا دوق، أن وجود جهاز متخصص يضمن انضباط القوات وفق قانون موحد، سيوفر عليك الكثير من الصداع الإداري؟ نحن لا نغير موازين القوة، نحن فقط ننظمها لكي لا يضيع حق الإمبراطورية، ولا يضيع جهدكم في ضبط صغار الأمور."
عبس الدوق، هل يقوم بتهديده بكل وقاحة الآن؟
لكن عدا الدوق فقد خفتت حدة التوتر في الأكتاف قليلاً، فكلام راي لم يسلبهم سلطتهم علانية، بل صور الأمر وكأنه "خدمة إدارية" لتخفيف العبء عنهم، مع إبقاء الرقابة قائمة تحت هذا الستار.
نظر الدوق خلفه وأدرك أن تلك البذور في بداية الاجتماع قد خرجت، وذلك الارتباك بعد الاستراحة قد دخل تحت سيطرة هذا الشاب، لقد وضع السم في العسل لكنهم يتجرعونه دون تردد
"جلالتك"
"اجلس يا سيادة الدوق" توقف راي عن الابتسام ونظر إلى دوق الشمال بهدوء: "إذا كان لديك أسئلة فدعها تنتظر حتى يتم شرح قالب النظام بالكامل."
وهنا يشعر الدوق كما لو أن هناك نظرات تخترق ظهره، ارتجف ونظر خلفه ليرى أن جميع النبلاء ينظرون له بغرابة حتى من كان حليفاً له قبل الاجتماع، همسات تتساءل وهمسات تنظر له بازدراء، هؤلاء القمامة الذين كانوا ينبحون تحت أقدامه يجرؤون الآن على التحديق فيه بهذا الازدراء، ثم ألقى راي كلمة جعلت تلك الهمسات ترتفع أكثر
"نحن هنا من أجل ترميمِ بقايا إمبراطوريةٍ متهالكة، لا من أجلِ المساومةِ على مصالحٍ زائلة. ألم تدركوا بعد حجم التضحيات التي قُدّمت، والتي سنقدمها مستقبلاً؟" سكت للحظة، ثم ألقى بكلماته الأخيرة كأنها نبوءة مشؤومة
"الشتاءُ الأسودُ يطرقُ الأبواب، والأعداءُ في الخارج لن ينتظروا اكتمالَ نقاشاتكم العقيمة.. إنهم ينتظرون سقوطنا فقط، تلك الذئاب التي تجرعت إهانة وجود هذه الإمبراطورية فوقها، ما الذي تعتقدون أنه سوف يحدث عندما نقع تحت رحمتهم؟"
ابتسم راي وتابع بسؤال هز القاعة: "هل نسي الجميع كيف أُقيمت الإمبراطورية المقدسة؟"
_____________
نهاية الفصل
_____________
[مذكرة تاريخية:عصر الفوضى]
[في العصر الذي يسبق تأسيس إمبراطورية أستر ، لم تكن القارة سوى ساحة معركة كبرى عُرفت بـ "حرب الأباطرة الخمسة"، حيث التهمت النيران الأخضر واليابس. ومن قلب هذا الرماد، ظهرت ثلاث قوى عظمى وضعت حداً للفوضى]
[أستر: بقيادة الإمبراطور الأول "آمون راي كلينت"، الذي عُرف بحكمته وبنائه لأسس الإدارة السيادية وتنين الفضي أستر]
[سيلين: بقيادة المؤسسة الأسطورية "فاليريا إمبريس" ، المرأة التي لم يهزمها رجل، والتي وضعت قوانين التجارة والبحار. وتنين الماء سيلين]
[فارغوس: بقيادة "المحارب الهائج: باركاس"، الذي كان سيف القارة الذي لا ينكسر في وجه البرابرة]
[تحت ظل هؤلاء الثلاثة، عاشت القارة قرناً كاملاً من السلام المطبق. ولكن، لم يدم هذا الحال إذ واجهت إمبراطورية "باركاس" (إمبراطورية فارغوس) كارثة داخلية فالإمبراطور الذي كان "هجيناً" لم يستطع إنجاب وريث، ومع اغتياله الغامض والمفاجئ، انفرط عقد الدولة وسقطت في بئر الانقلابات]