لم يكتفِ راي بإعطاء إجابة غامضة، بل تابع بهدوء وهو يتأمل السقف: "بعيداً عن حقيقة اقتراب الشتاء الأسود وانعزال المقاطعات، هناك شيء آخر لا يجب أن تتجاهليه يا مورغانا".
كان راي ملقياً بجسده بتعب، لكنه عدل وضعيته قليلاً ليريح ظهره، ونظر إلى مورغانا الجالسة بجانبه على طرف السرير "طبيعة البشر ليست بالضرورة شريرة.. أنانية نعم، لكن شريرة هذا مستبعد". ثم صمت قليلاً وابتسم ابتسامة غامضة وهو يضيف: "بالطبع.. هذا أمر نسبي".
"ماذا تقصد بنسبي وً أنانية؟" سألت مورغانا بفضول مشوب بالارتباك.
"أليس لديكم هذا المصطلح هنا؟" إنهدهش راي تم تذكر أنه غير موجود حقا فشرح "الأنانية تعني باختصار تمركز الشخص حول ذاته وحاجاته؛ مثلاً: 'أريد أن أعيش أنا أولاً، حتى لو جاع الآخرون'. أما النسبية.. فهي تعني أن الفعل الواحد يختلف معناه من شخص لآخر؛ فما ترينه أنتِ شراً مطلقاً، قد يراه فاعله مجرد وسيلة ضرورية للنجاة".
ضاقت عينا مورغانا ورفعت يدها لتمسك برأسها، وكأن ذكريات قديمة بدأت تهاجمها بعنف لكن لم تقم برد فعل عنيف بل علقت بهدوء "لا... لا أعتقد ذلك... بعضهم مجرد شياطين تحتاج للتطهير، لا يوجد منطق يبرر ما فعلوه".
"اهدئي". قالها راي بصوت خفيض، مدركاً أن مفهومه عن "النسبية" اصطدم بجدران جروحها، يبدو انها أحد الذكريات التي لا تزال ترفض الإفصاح عنها، تنهد راي وصحح نفسه"أنا لا أتحدث عن تعريف شامل، بل أتحدث بشكل خاص عن النبلاء ههذه الإمبراطورية".
خفضت مورغانا يدها ونظرت إلي راي بحدة "إذاً هل تقول إن الشخص الذي استغل كل من حوله، ورمى ابنته إلى المقصلة ليحمي عرشه.. ليس شريراً؟"
أجاب راي ببرود وهو يحدق في الفراغ "نعم، ليس شريراً". ترك الكلمة تهبط كالثلج في الغرفة ، ارتجفت مورغانا في مكانها، للكن قبل أن تقول شيء كان قد تابع كلامه "الشرير هو الذي يدمر بلا سبب، لكن والدك لا يريد التدمير؛ هو يريد القوة والسيطرة. هذا ما أسميه 'الأنانية السياسية'. تذكري، ليس دوق الشمال هو من بدأ هدم الإمبراطورية، بل كان الإمبراطور الحادي عشر".
لم تعلم مورغانا كيف تجيب، وبدت تائهة أمام هذا المنطق الذي يجرد والدها من صفة الشيطان ليضعه في خانة الأناني. تابع راي وهو يشرح ليزيل الغشاوة عن عينيها
"هناك أنواع من الأنانية؛ بعضها قريب من الشر مثل 'الأنانية النرجسية'. شيء مثل الرغبة في كسب كل شيء حتى لو تطلب الأمر تدمير الآخرين بلا داعٍ. لكن تذكري، والدك لديه طموح للعرش وليس للتدمير لذاته."
سألته مورغانا بنبرة مريرة "إذاً هل تقول إنك سوف تسامحه؟"
"لا"، رد راي بحسم، "إذا تركته سوف تتحول أنانيته إلى حقد، وسيرغب بتدمير كل ما لا يمكنه الحصول عليه. والدك دخل بالفعل في نطاق الأنانية السامة؛ إنه يؤمن بأن من واجبه الأخلاقي أن يهتم بنفسه أولاً ولا ينتظر شيئاً من الآخرين."
تنهد راي وتابع: "لكن النبلاء الآخرين يمكنكِ أن تقولي إنها مجرد غريزة البقاء. بالطبع هناك من تملكته 'أنانية تدميرية' كمنطق (أنا ومن بعدي الطوفان)، لكن البقية لا يزالون صالحين للاستخدام."
نظرت إليه مورغانا بريبة: "أنا لا أفهم ما تحاول فعله ، لا أعلم أي نوع من العوالم كنتَ بها، إلا أن هنا.. هناك أشخاص لن يترددوا في التعاقد مع الشياطين إذا كان ذلك مفيداً لهم."
"أنتي تؤكدي كلامي فقط مورغانا، فهذا ما أعنيه بأنانية" نظر راي إليها، ورفع يده ليربت على رأسها بهدوء " أيضا مهما كان العالم، البشر هم البشر. لا تنظري لي كأنني أتيت من عالم مليء بالزهور؛ لقد رأيتُ من الظلم ما يكفي لقرون. أخبريني، عندما جلستِ على العرش اليوم، ما الذي كان أمامك؟"
حل صمت على غرفة، تذكرت مورغانا تلك اللحضه وهي جالسة قرب راي في قاعة بينما ري يشرح وجميت النبلاء يهمسون وهم ينضرون الى تلك أوراق فأجابت منزعجه "مجموعة من ضباع"،
ابتسم راي وفرك رأسها معجباً بالتعبير: "هذا ما أتحدث عنه. الضباع في البرية هي المثال الحي للأنانية والذكاء الاجتماعي. لا تنظري لها على أنها مجرد 'قمّامة' أو شريرة، الحقيقة أنها أذكى وأعنف مما تتخيلين."
"إذا كيف تخطط من أجل التعامل معهم"
تهد راي وسحب يده وهو يجب "إذا لم تنفع الجزرة فقد حان وقت العصى هذا كل شيء"
"وما هذا أيضا"
ضحك راي لكن لم يشرح هذه المرة "في واقع بعيدا عن أنانيتهم خاصة لا أراهم إلى مجموعة من أطفال فقدوا المسار الذي سار عليه أبائهم وأجدادهم بسبب العش نفسه"
"هل تلقي اللوم على العرش؟" عبست مورغانا "هل تحاول تبرير أفعالهم ؟ لم اتوقع أنك بهذه الطيبة"
ابتسم راي وسأل "بعيدا عن طبيعتي خاصة، هل نسيتي من بدأ كل هذا؟ ألم تدرسي التاريخ؟"
أجاب راي على نفسه ولم ينتظر أن تجيب مورغانا: "في الواقع، الإمبراطور الأول قد بنى أساساً أخلاقياً لهذه الإمبراطورية يستحق الاحترام حتى في عالمي، وبفضله كان النبلاء منذ نشأة الإمبراطورية في مكانة شخصيات تستحق التقدير.. حتى عهد الإمبراطور الحادي عشر".
صمت للحظة ثم تابع عندما أدرك من نضرة مورغانا أنها لا تعرف القصة الكاملة "حسنا لقبه مشهور، لقد عُرف بالطاغية بسبب أعماله؛ فقد كان تجسيداً للأنانية النرجسية. بدأ كل شيء برغبة مفاجئة في السيطرة على القارة والتوسع، وكان يدمر كل ما لا يعجبه. ضغط على الجميع حتى النهاية من أجل تحقيق أهدافه، وفي الوقت نفسه أراد كل شيء أن يكون تحت سيطرته.. وماذا كانت النهاية؟"
لم يكن راي ينتظر سؤالاً فتابع: "لقد حوّل مجموعة من النبلاء، الذين نشأوا تحت وصية واحترام الإمبراطور الأول، إلى مجرد خدم مستغلاً ولائهم. بدأت الإمبراطورية — التي كانت بالفعل في أقل عصورها ازدهاراً — تعاني من أجل تحقيق أهداف تفوق طاقتها. لقد استنزف الإمبراطورية واستنزف النبلاء، وفي النهاية كما يقال: لكل فعل رد فعل، وعادت أفعاله عليه؛ بداية من استنفار النبلاء إلى محاولة مقاومة تسلطه، لكنه لم يتدارك الموقف بل استخدم القمع والترهيب.. وفي النهاية..."
سخر راي وأشار بيده كما لو أن هناك صخرة تحولت إلى غبار: "تم التخلص منه".
تنهدت مورغانا وعلقت على ذلك بينما تلف خصلة من شعرها حول سبابتها بشرود " لكن هاذا لا يبرر أعمالهم وأعمال أبنائهم، خصوصا هذه المجموعة من النبلاء فلا احد منهم عاش في ذالك العصر"
وذالك صحيح، حتى دوق عمره 54 سنة وفي هاذا العالم لا يعتبر كبيرا في السن خصوصا أنه ساحر، وفوق ذالك لم يستلم المنصب إلى في عهد إمبراطور 13 عشر حيت كان النبلاء بفعل قد تسببوا بعديد من مشاكل ولم تبدأ خطوة دوق الى قبل 10 سنوات بعد موت والده خلال حملة صيد والذي كان من الشخصيات الأكتر ولاء ناحية العرش
لم ينكر راي ذلك، لكنه تابع كلامه "أنتي تنضرين إلى فئة واحدة فقط، هل تعلمين أنه بعد موت الإمبراطور الحادي عشر، تقدمت زوجته لملء العرش حتى يكبر أكبر أبنائها؟ وخلال حكمها كان النبلاء يقدمون الغالي والنفيس من أجل محاولة استعادة الإمبراطورية"
أما عن الجنس، فلا أحد هنا متحيز ضد جنسٍ بعينه بقدر تحيزهم للعرق؛ خصوصاً مع وجود إمبراطورية سيلين حيث ينتقل الحكم للنساء. لهذا، لم يعترض أحد في القاعة على أن من يتولى منصب عمود الروح ستكون امرأة، لكن لو أعلن راي أنها مورغانا.. لكان الجميع معترضين
"رغم أن الإمبراطورة لم تكن مناسبة للقيادة أيضاً بسبب لطفها الزائد عن الحاجة، إلا أنها على الأقل تحملت المنصب بمساعدة هذه المجموعة من النخبة. ومقابل هذا الولاء، انتظروا الأمير، لكن على ماذا حصلوا في النهاية؟" سأل راي وخيبة أمل واضحة في نبرته: "ملك بعقلية طفل، لا موهبة لديه في القيادة، وكل ما كان يهمه هو أن يتوافق الجميع. فتىً على عكس والده تماماً؛ فتىً مطيع، وليس القائد الذي يستطيع قيادة هذه المجموعة من النخبة التي لا تزال موالية للإمبراطورية".
"ثم بشكل طبيعي، بدأت أنانية النبلاء تظهر مع ظهور جيل جديد وتنازل الجيل القديم عن مناصبه بخيبة أمل، مدركين أن الإمبراطورية تحتضر. حتى أنا كنت سأشعر بخيبة الأمل؛ ناهيك عمن تحملوا الظلم لمدة ثلاثين سنة، ثم عملوا لخمس سنوات أخرى، والنتيجة هي الحصول على طفل لا موهبة له في القيادة."
ولأنه كان الطفل الوحيد الذي ظل حياً بعد موت الإمبراطور الحادي عشر، فلم يكن هناك سوى خيبة الأمل. ورغم ذلك، كان هناك العديد من النبلاء لم يستسلم الجميع، وهناك من لا يزالون يحاولون إنقاذ الإمبراطورية، ومن بينهم والد دوق الشمال
تنهد راي وتابع: "في النهاية، كل الإصلاحات التي حاول القيام بها كانت تفتح ثغرات في أماكن أخرى، وعلى يده تقلصت الإمبراطورية بسرعة كبيرة وفقد السيطرة على الدول الخارجية، قبل أن يستسلم تماماً ويركز على إنجاب وريث ويعتزل العرش".
عشرون عاماً من الحكم كانت كفيلة بأن ينسى كل مبادئه؛ فقد تحول من ذلك الفتى المطيع إلى مجرد رجل شهواني بعد موت والدته ببسبب لعنة شيطانية ، لينزوي في قصرٍ على الحدود ويعيش بين مجموعة من النساء، قبل أن يُعثر عليه ميتاً في سريره إثر جرعة زائدة من المخدرات
تنهد راي ولم يتوقف، بل زادت برودة صوته وحدّة انزعاجه وهو يتابع: "ثم من حصل على العرش؟ كان جد هذا 'الأرنب' الذي حاول تدارك الموقف وتقديم الكثير من الإصلاحات هنا وهناك. صحيح أنه كان فارساً موهوباً، لكنه لم يكن موهوباً كقائد؛ لقد حاول استخدام القوة ضد أعداء خارجيين وانشغل بالنزاعات الدولية، ونسي أن المشكلة الأكبر كانت تنخر في الداخل، تاركاً السلطة المطلقة في أيدي النبلاء."
"حروب ومحاولات فاشلة لبناء علاقات دبلوماسية، أدت في النهاية إلى عودته خائباً بعد أن خلق أعداءً خارجيين بينما كان الأساس يتحطم. لا أعلم حقاً ما الذي كان يفكر فيه! هل اعتقد أنه الإمبراطور الأول أم ماذا؟ لكن ما يزعجني فعلاً هو أنه أخذ معه الشخصيات الأكثر ولاءً، مثل جدكِ يا مورغانا، تاركاً الضباع يعبثون بالإمبراطورية .حتى أغبى ملكٍ رأيته في حياتي لم يكن ليفعل شيئاً بهذا القدر من الغباء"
كاد راي ان يلعن لكن تمكن من منع نفسه "بعد أن فقد العرشُ أكثر من نصف سلطته، ومات العديد من النبلاء الكبار معه في رحلته؛ مما جلب عليه مزيداً من السخط. أضف إلى ذلك غضب العامة.. وفي النهاية، ما الذي كان بيده ليفعله؟"
هنا سأل راي، وترددت مورغانا في الإجابة، لكن كلاهما كان يعلم النهاية؛ لقد انتحر، وانتقل العرش إلى الأمير الأول، والد راي.
"ثم جاء الإمبراطور الرابع عشر؛ عرشٌ بلا سلطة، نبلاءٌ فقدوا الأمل، شعبٌ ثائر، تمرداتٌ لا تنطفئ، خزينةٌ فارغة، وحدودٌ مستباحة. لم يصمد لسبع سنوات إلا لكونه 'خاتماً' يوقع على أطماع النبلاء، لكنه لم يحاول الإصلاح، بل اشترى نجاته بالتنازل عن كل شيء؛ منحهم السيادة المطلقة على الأراضي، حوّل الإقطاعيات إلى ملكيات خاصة، وكسر هيبة التاج."
"والآن، أنا من يصارع هذا الإرث المسموم؛ فلولا ذلك القانون، لكنت قد فرضت النظام بسلكة التاج."
لكن على من أفرضه؟ وبأي حق؟ لقد منح ذلك القانون اللعين النبلاء ملكيةً مطلقة لا رجعة فيها، والأدهى أنه سمح لهم بتغيير ولائهم مع الاحتفاظ بأراضيهم؛ بمعنى أنه لو انضم نبيلٌ لمملكة أخرى، لأصبحت أرضه جزءاً من تلك المملكة قانونياً! وبسبب هذه الثغرة، تمكن دوق الغرب من عزل مقاطعته وإعلان نفسه ملكاً؛ فقد كان فعل خيانةٍ مغلفاً بغطاءٍ قانوني لا تشوبه شائبة
وفي النهاية، أخذ نصف الكنوز وفرَّ هارباً، ليُعثر عليه لاحقاً جثةً هامدة في أحد الأزقة القذرة.." تنهد راي بعمق، وأخذ نفساً طويلاً كأنه يطرد بقايا ذلك التاريخ الملوث من صدره، ثم التفت ونظر إلى مورغانا
الأباطرة الراحلين، وجثث المخلصين، ورائحة الأزقة القذرة التي ابتلعت كبرياء العرش. كانت الغرفة تبدو وكأنها ضاقت فجأة، والهواء أصبح مشبعاً بمرارة الحقيقة التي سكبها راي ببرود جراحٍ يشرح جثةً ميتة.
مورغانا لم تتحرك؛ ظلت متصلبة في مكانها، وعيناها مثبتتان على نقطة وهمية في الفراغ. كانت أنفاسها قصيرة ومتلاحقة في البداية، كأنها تحاول اللحاق بقطار التاريخ السريع الذي دهس قناعاتها، لكنها تدريجياً بدأت تأخذ أنفاساً عميقة، طويلة، ومجهدة.. أنفاس شخصٍ غرق للتو وأُخرج من الماء في اللحظة الأخيرة.
وسط هذا الذهول، لم يظهر راي أي شفقة، بل ابتسم ابتسامة باهتة وهو يضيف ببرود: "لهذا أنا أتفهم تماماً لماذا اختار 'هذا' الأرنب الانتحار بعد صمودٍ دام ثلاث سنوات.. لقد أدرك ببساطة أنه يقاتل أشباحاً وقوانين، لا بشراً."
______________
نهاية الفصل
______________
[تعليق: أعتذر عن تأخر في تنزيل كنت أخطط لتعديل فقرة من فصل و أرميها وبطريقة ما تحولت الى فصلين، سوف انشر الأخر بعد تصحيح شكرا لكم وشكرا لك بشكل خاص يا King0086]