استند راي بظهره، وأطلق ضحكة خافتة جافة، كأنها صوت تحطم عظام قديمة. نظر إلى مورغانا التي كانت تبدو وكأنها تحمل هموم القارة فوق كتفيها، وقال بنبرة متهكمة ​"أرأيت؟ كل تلك الدماء، والحروب، والخيانات، والبروتوكولات التي تجعل رقاب النبلاء متصلبة كأنها محشوة بالخشب.. وفي النهاية، القصة كلها تتلخص في أن مجموعة من الرجال بملابس فاخرة قرروا أن يكونوا أغبياء بامتياز"

​"هل تضحك؟ أهذا وقت السخرية حقاً؟! ألا تدرك أنك أنت من يقف في وجه هذا الإعصار الآن؟" ​قبضت مورغانا على يدها حتى ابياضّت مفاصِلها من شدة الانزعاج. لقد تسلمت منصبها بعد موت "الأرنب" وهي تعلم أن الإمبراطورية تغرق، لكنها لم تتخيل قط أن المياه قد وصلت إلى الحناجر بهذا الشكل.

​الآن فقط، بدأ كل شيء يتضح في عقلها كصورة بشعة؛ لم يكن دوق الشمال مجرد متمرد، بل كان "جرذاً ذكياً" أدرك قبل الجميع أن السفينة تتفكك، فقرر القفز منها مبكراً، تاركاً إياها في الواجهة لتكون مجرد "كبش فداء" يذبح تحت أنقاض عرشٍ متهالك.

وهي التي كانت تتساءل لما كان يحاول تواصل مع إمبراطورية المقدسة قبل تنفيد حكم الإعدام، تذكرت كلمات حراس بينما كانت محجوزة في سجن كلمة لم تكن تفهم معناها حتى الأن

[هل تعلم لقد أصبحنا تابعين للإمبراطورية مقدسة]

"هل حقا هذا النظام سوف يكون الحل لهذه الأزمة" وهتا بدأت مورغانا تشك وسألت

"هل تعتقدين ذالك؟" إبتسم راي وسأل "ما رأيك هل تعاقدين أن هناك حل لهذا الموقف؟ ماذا حاولتي أن تفعلي عندما تسلمتي المنصب سابقا؟ "

"​"هل تعتقدين ذلك؟" ابتسم راي وسأل: "ما رأيكِ أنتِ؟ هل تعتقدين أن هناك حلاً فعلياً لهذا الموقف؟ أخبريني.. ماذا حاولتِ أن تفعلي عندما تسلمتِ المنصب سابقاً؟"

​"ماذا فعلت؟" تنهدت مورغانا بعمق، وبدأت تفتح قلبها في هذا الجزء الذي لم تكن لتتحدث عنه لولا سؤال راي المباشر. كانت تجيبه دوماً بقدر السؤال، تماماً كما فعلت عندما سألها عن قائمة الأشخاص الذين خطط لتعيينهم، حيث قدمت ما تعرفه وتجاهلت ما تجهله.

​"لم أفعل شيء.." هدأت نبرة صوتها وتابعت "فجأة، وبينما كنتُ في القصر، وصل خبر موتك. وقبل أن تنتهي مراسم الدفن حتى، وجدتُ نفسي أجلس على العرش مرتبكة، والجميع يصرخ حولي بكلمات لا أفهمها. تحت ذلك الضغط الرهيب كدتُ أفقد الوعي."

تنفست بضيق وأكملت "بعدها، انحصرت حياتي في الجلوس خلف المكتب طوال اليوم، أوقّع الأوراق وأتبع أوامر الدوق دون فهم حقيقي لما يجري. وعندما بدأتُ أحاول التعلم والبحث لأفهم موازين القوى، كان الأوان قد فات؛ فكل ما أقوله كان يُقابل بالتجاهل التام. مرت أربع سنوات والإمبراطورية تغرق، لينتهي بي الأمر مشهراً بي ومسجونة في انتظار الإعدام."

​توقفت مورغانا، متجاوزةً أجزاءً مؤلمة لا تريد تذكرها، ثم أشارت لما لاحظته من خلال كلمات راي الأخيرة

"بالمناسبة، تذكرتُ شيئاً سمعته وأنا في السجن.. أعتقد أن الدوق قد تحالف فعلياً مع الإمبراطورية المقدسة، وجعل من 'أستر' تابعةً لها، أو ربما مجرد مقاطعة تابعة لنفوذهم"

​"بيع المنزل المسكون لشيطان آخر؟" اتسعت ابتسامة راي وظهرت في عينيه لمعة اندهاش ممزوجة بالاحترام للفكرة"أحسنتَ أيها الدوق.. يا لها من فكرة عبقرية حقاً!"

أمسك راي دقنه هو يحلل الموقف بصوت مسموع،

"بضربة واحدة، سيجعل أي مملكة أخرى تفكر ألف مرة قبل معارضة إمبراطورية 'أستر'. سوف تتعامل الكنيسة مع العامة في مباركة خطواته، وستقدم له الإمبراطورية المقدسة كل الدعم العسكري والسياسي الذي يحتاجه."

"وبذلك، سيتمكن من سحق النبلاء المتمردين، والتخلص من المعارضين، والجلوس على العرش بسلام.. حتى لو كان ثمن ذلك العرش أن يصبح مجرد خادمٍ يلمّع أحذية الكهنة."

تنهد راي وترك ذقنه ونظر إلى مورغانا: "أليس هذا مدهشاً؟ الشرف عند هؤلاء النبلاء مثل ورق الحمام؛ يستخدمونه فقط عند الضرورة، ثم يتخلصون منه في أقرب زاوية بمجرد أن تنتهي المصلحة."

​لم تستطع مورغانا تمالك نفسها؛ فرغم قتامة الموقف ومرارة الحقيقة، إلا أن تشبيه راي الفجّ والساخر اخترق جدار صمتها. أفلتت منها ضحكة قصيرة، ضحكة مكتومة في البداية كأنها تستأذن الخروج، قبل أن تتحول إلى رنين هادئ يكسر جمود الغرفة.

​ابتسم راي لهذا المشهد النادر، لم يرَ مورغانا تضحك من قبل حتى ابتسامتها بدت مزيفة في السابق، وسرعان ما تمالكت مورغانا نفسها: "أنت شخص غريب حقاً.. تجعل الكوارث تبدو وكأنها مجرد نكتة سيئة، وبطريقة ما، هذا يجعلني أشعر أننا قد ننجو فعلاً."

​"هناك مشكلة أكبر من ذلك" تجمدت مورغانا وقبل أن تسأل تابع راي: "أعتقد أنني وقعت في الحب."

​"اذهب للنوم."

​"هيه، أهذا رفض؟" ابتسم راي وأمسك قلبه: "يا له من رفض قاسٍ من شخص تزوجته بالفعل!"

​"توقف عن هذا، اذهب لتنام ألم تقل أنك مشغول غداً؟"

​"ماذا عنكِ؟"

​أجابت وهي تحاول استعادة رصانتها "سوف أراجع تلك الأوراق قليلاً."

​"حسناً لا تسهري مجدداً، العمل الحقيقي سوف يبدأ بعد اجتماع الغد."

​"لا بأس، مهامي ليست بقدر المهام التي عليك." تنهدت مورغانا بارتياح وبدأ احمرار وجهها يختفي وهي تغادر السرير بينما قرر راي الراحة فكما قالت مورغانا قد لا يحصل على يوم مثل هذا في الأيام القادمة.

بينما غرق راي في صمت سريره، واستسلمت مورغانا لأوراقها، كان الهدوء داخل الغرفة مجرد خدعة. فخلف تلك الأبواب الثقيلة، لم تكن ليلة عادية في القصر الإمبراطوري.

الشموع التي أبت أن تنطفئ في أجنحة الضيوف لم تكن شاهدةً على مؤامرات، بل على وجوه نال منها التعب وهي تعيد حسابات البقاء للمرة الألف. لقد خيم الصمت على الأروقة، صمتٌ يشي بأن الزمن الذي اعتادوه قد توقف فجأة، وبأن خلف هذا النفق هناك ضوء..

لكن هل ينتظرهم الفجر أم الهاوية؟

​خلف الأبواب المغلقة، ساد ارتباكٌ بشري أمام المجهول. وبحلول الفجر، أدرك الجميع الحقيقة المُرّة المشكلة لم تكن في القوانين الجديدة، بل في أن الإمبراطور نفسه قد تغير.

​بذكاء سياسي بارد، أزاح راي دوق الشمال عن مركز السلطة بكل سلاسة، واسترد في ليلة واحدة هيبةً ضاعت لسنوات. ومع إعلان دوق الجنوب ولاءه، وجد البقية أنفسهم أمام واقعٍ لا يرحم؛ لقد فات أوان الاعتراض، والملك الذي اعتادوا تجاهله، عاد إلى الرقعة راغباً ببدء جولة جديدة.

​الآن ماذا يفعلون؟ هل يكررون نفس خطأ أجدادهم ويثقوا في هذا التغير المبشر في الإمبراطور والإمكانية التي يحملها هذا النظام الجديد، أم يستمروا في الاحتماء خلف الدوقات؟

​في تلك الساعات الطويلة، سقطت الأقنعة. مَن قضوا سنواتهم في التخطيط لإسقاط العرش، وجدوا أنفسهم فجأة يدرسون كيفية التودد إليه. لم يكن الأمر رغبةً في الإصلاح، بل كان ذعراً سياسياً؛ فالتحالفات التي كانت تبدو كالجبال بالأمس، تفتتت في ليلة وضحاها. لقد أدرك النبلاء أن "الدمية" التي كانوا يحركونها قد قُطعت خيوطها، وبدأت هي في الإمساك بخيوطهم.

و​خلف الأبواب المغلقة، لم يجرؤ أحد على الوثوق بحليفه. "ماذا لو قَبِل دوق الشمال بالمنصب وتركنا وحدنا؟" "ماذا لو كان جاري قد أرسل رسالة سرية للإمبراطور قبل قليل؟". كان الهواء في أجنحة الضيوف ثقيلاً بالشك، وأكثر ما كان يثير رعبهم ليس النظام الجديد، بل الصمت الذي غلف القصر.. صمتٌ يوحي بأن الإمبراطور يعرفُ عنهم أكثر مما يعرفون عن أنفسهم.

بحلول الفجر، لم يكن أحدٌ منهم قد نام. لقد خسروا معركة "الإرادة" قبل أن تبدأ معركة "القوانين". ومع إقتراب الإجتماع كانت العيون المحتقنة بالدم تراقب الأبواب وهي تُفتح من جديد، مدركين أنهم لن يخرجوا من تلك القاعة كما دخلوها بالأمس.

في نفس الوقت داخل مكتب الإمبراطور كان راي يبتسم وهو يمسك العديد من الرسائل التي تم إيصالها من طرف خدم

[لقد حان وقت]

"حسنا" تنهد راي وترك رسائل ولحق بري فقد حان وقت الإجتماع النهائي، الإجتماع الذي سوف يرحب بمزيد من الشخصيات على هاذا المسرح الإمبراطورية..

______________

نهائية فصل

______________

​[ملحق: بوصلة الجهات الأربع]

[دوق الجنوب(حارس العهد الصامت): هو الجدار الذي لم يسقط، لكنه اختار الصمت حين غاب القائد. عائلة الجنوب لم تنسَ أبداً أن وجودها على الخريطة كان هبةً من يد الإمبراطور الأول؛ لذا حين تحول العرش إلى ساحة للعبث، لم يشأ الدوق أن يلطخ سيفه في صراعات رخيصة، فانسحب خلف حدوده ليحمي أراضيه كأنها "إمبراطورية مصغرة" تنتظر صاحبها الشرعي. كان يراقب القصر بعين الصقر، لا يبحث عن ملك يخدمه، بل عن "إمبراطور" يستحق أن ينحني له.]

[دوق الشرق (المراقب الذي لا يغامر): رجلٌ يتقن فن المسافات. لم يبنِ أسواراً بل بنى "اكتفاءً ذاتياً"، جعل أراضيه جزيرةً منعزلة وسط بحر الإمبراطورية الهائج. يراقب العاصفة من نافذته ببرود؛ إن سقطت "أستر" فلن يسقط معه، وإن صمدت فهو لم يخسر شيئاً. هو لا يبحث عن حليف، بل يبحث عن الطرف الذي لا يمكن هزيمته.]

[دوق الغرب (حارس الهوية المنفصل):

بعد الهروب المخزي للإمبراطور الرابع عشر، قرر دوق الغرب أن الإمبراطورية هي جسد قد ما فصار لزاماً عليه حماية الروح. قضى ثلاث سنوات كاملة في مهمة وطنية، يجمع فيها كل مخطوطة وتاريخ وكتاب يخص "أستر" ليخزنها في أراضيه، حرصاً منه على أن لا يطمس الزمن هوية الأمة. وبمجرد أن أتمّ جمع إرث الدولة، أعلن اعتزاله وانفصاله ملكاً على أراضيه ليحمي ذلك الإرث. لقد استغل دوق الشمال إخلاصه ، وأن الانفصال هو السبيل الوحيد للنجاة بالتاريخ. لكن خلال الإجتماع، بدأ يدرك أن تلك الجثة قد استعادت روحها، وأن استقلاله كان الفخ الذي نصبه الدوق الشمال بأتقان فأصبح في نضر العرش الخائن الذي تخلى عن إمبراطورية]

[دوق الشمال(المهندس الذي فقد خيوطه):

رجلٌ يحركه رماد قديم وحقدٌ ورثه من دماء والده التي أهدرها الإمبراطور الـ 13. لم يتسلل للسلطة، بل دخلها من باب "الاعتذار" حين عينه الإمبراطور الـ 13 رئيساً للوزراء ليكفر عن ذنبه تجاه عائلته. ومن ذلك الكرسي، حاك خيوط النبلاء حوله لسنوات حتى ظن أنه يملك القصر ومن فيه. لكن في ليلة واحدة، قُطعت خيوطه؛ هجوم راي العنيف لم يسلب منه السلطة فحسب، بل جعله يدرك بمرارة أن "الدمية" التي كان يسخر منها قد أصبحت هي من يمسك بمقص الخيوط الآن]

2026/02/14 · 19 مشاهدة · 1449 كلمة
Ryuzaki
نادي الروايات - 2026