​خلف الأبواب الجانبية للقاعة الكبرى، كان الصمت يسود، بينما ضجت القاعة في الخارج بهمسات قلقة. فجأة، فُتح الباب الإمبراطوري، وخرج راي وبجانبه مورغانا، يتبعهما ري، ومن خلفه سيسلين. كانت حركة سيسلين وهو يسير خلف ري خلفيةً ذات معانٍ واضحة؛ المستشار المقرب لم يعد في مكانه المعهود، والمعنى واضح، التغييرات قد بدأت بالفعل.

​أمام هذه النظرات المتعبة وقف راي أمام عرشه، لم يجلس فوراً، بل مسح القاعة بعيون هادئة قبل أن يرفع إصبعه مشيراً لنفسه وسأل "قبل أن نبدأ النقاش، لدي سؤال.. فآخر مرة تحققت فيها، وجدت أنني أصغركم سناً، صحيح؟"

​علق السؤال في الهواء ولن يرد أحد عنه، نظر النبلاء لبعضهم البعض في محاولة فهم المعنى خلف هذا السؤال وفجأة اهتزت القاعة بصوت مقعد دوق الشرق الذي قام من مكانه

​"أحيي شمس الإمبراطورية" انحنى الدوق بهدوء مدركاً المعنى، وتلك التحية التي خرجت من فمه قد أيقظت القاعة، وقبل أن يتفاعلوا مع ذلك، قام دوق الجنوب من مكانه أيضاً وبعده دوق الغرب وبعده جميع النبلاء الذين أرسلوا إلى راي رسالة هذا الصباح بعد الفجر تحت إعلان واضح

​"نحيي شمس الإمبراطورية"

​وفهم الجميع المغزى من السؤال (بما أنني أصغركم فهل يجب أن أعلمكم قواعد البروتوكول)، شيء تجاهله راي أمس بل وتجاهله الجميع أيضاً فهذه التحية اختفت مع هيبة العرش منذ عصر الإمبراطور 12 ولم يحاول أي إمبراطور بعده إعادتها...

​لكن القصة لا تتوقف عند التحية بل في وقوف ثلاث شخصيات من بين الشخصيات الأعلى سلطة في الإمبراطورية؛ وليس ذلك فقط بل من بين أكثر من 200 نبيل وأكثر من 100 شخصية، أظهر 120 وقوفهم بجانب العرش بصراحة أيضاً..

​هذا الوضع غير المتوقع جعل من لم يقرر ومن اختار البقاء على الحياد وحتى من يخطط ضد العرش يتجمد في مقعده غير قادر على التفاعل أو التكيف مع هذا التغيير السريع وهذا الحدث غير المتوقع، لكن تلك التحية كانت ناقصة..

​نظر راي للدوقات الثلاثة، نظرته موجهة إلى دوق الشرق بشكل خاص لأنه سيفهم المعنى خلفها «هل أعتبر هذا تجديداً لولائكم؟»

​رد الدوقات الثلاثة كان صامتاً في البداية، لكن دوق الشرق، بابتسامته الماكرة المعتادة، أحنى رأسه ميلاً إضافياً وأرسل رسالة صامتة إلى راي «جلالتك.. الشمس لا تُسأل إن كانت ستشرق، بل نحن من نستعد لضوئها»

​ضاقت عينا راي قليلاً «إذاً قدم احترامك للقمر الذي يعكس ضوءها قبل أن تشرق هذه الشمس»

​ابتسم دوق الشرق ونظر إلى مورغانا وأرسل معنى واضحاً «القمر الذي غطته غيوم الشمال، لا نفع من ضوئه ولا هيبة لمكانته»

​«أنت تستثمر لكنك ترفض المخاطرة» تنهد راي وجلس ونظر إلى باقي الدوقات «يا له من استثمار بخيل»

​انحنى الباقون في هدوء وأشار لهم راي بالجلوس، وساد صمت ثقيل بينما كان النبلاء يعودون لمقاعدهم. حركة الأجساد كانت ثقيلة، والعيون فارغة. دوق الشمال، الذي ظل مكانه لم يكن مختلفاً عن النبلاء الذين لم يكرروا التحية، بدا وكأنه جزيرة معزولة وسط بحر من الانشقاقات؛ لقد كان "الأثر" الذي تركه وقوف الدوقات الثلاثة أعمق من مجرد تحية، ومن بين 120 شخصاً كان هناك العديد من الشخصيات المهمة منهم الماركيز سيسلين والد ألفريد سيسلين.

​راي لم يمنحهم ثانية واحدة لاستعادة أنفاسهم. استند بظهره على العرش، واختفت تلك الابتسامة "الصباحية" لتحل محلها نظرة عملية باردة.

​"لنبدأ الاجتماع الثاني من أجل تعيين الوزارات العشر."

​وقع الكلمات كان كوقع المطرقة. تجمد النبلاء ومن هم في منتصف جلوسهم، ونظروا لبعضهم البعض بذهول ممزوج بمتعة غريبة لدى البعض.

​«جلالتك.. هل تنتقم؟» كانت هذه الفكرة تدور في رؤوسهم، هل هذا التجاوز لكل الأعراف هو رد فعل على إهانة مورغانا؟

​نظر راي إلى من ختم عليهم ختم الحلفاء وتنهد في إشارة واضحة «لست طفولياً لهذه الدرجة»

​وتابع راي: "نظراً لحالة الإمبراطورية وبموجب قانون السيادة يتم تفعيل قانون الضرورة القصوى من أجل تخطي التصويت على إعادة هيكلة النظام القديم، وذلك بتجاهل قانون الإجماع الملكي الذي يمنح النبلاء حق التصويت على قرارات مصيرية."

​«حكمٌ مطلق؟» تملك الذهول القاعة، فمن بين مجلدات القوانين كافة، اختار راي السلاح الذي طالما استخدمه "الطاغية" لسحق النبلاء. عبس دوق الشمال، وببرودٍ جليدي سأل دون أن يكلف نفسه عناء الوقوف

​"جلالتك.. هل جفت دماء ضحايا الإمبراطور الحادي عشر لتعيد إحياء قوانينه؟ أم أنك تريد إخبارنا علانية بأن عهد 'المقصلة' قد عاد ليعتلي العرش؟"

​"القانون سلاحٌ يا دوق، وقيمته تعتمد دائماً على يد مَن يمسك به"؛ رد راي بهدوءٍ مريب، ثم استند بفكّه على قبضته ورمق الدوق بنظرةٍ باردة ثم تنهد وكأنه ينهي جدلاً عقيماً وتابع:

​"حين تكون الدولة في خطر، يصبح التردد هو الطغيان الحقيقي. ومن أجل أن تستعيد هذه الإمبراطورية مجدها الذي تشتت خلال القرن الأخير، سنحتاج هذا القانون لنلعب دور الأم والابن.. هل تعلمين ماذا يعني هذا؟"

​ابتسم راي ووجه السؤال إلى مورغانا من بين الجميع، في حركةٍ مقصودة لرسم مكانة لها وإثبات أنها خرجت تماماً من تحت سلطة دوق الشمال.

​"هذا غير مقبول!" انتفض دوق الشمال من مكانه مرتعباً من الفكرة وحدها. لقد أدرك أنها تغيرت، لكنه ظن أن السبب هو كسبها لقلب الإمبراطور فقط. حاول البحث عنها بالأمس، لكن راي كان قد قطع كل سبل التواصل بينهما. حتى جواسيسه الذين عينهم بنفسه في القصر تلاشوا، ولم يعد لهم أثر.

​والقطعة الأهم كانت سيسلين، الذي تجاهله بكل صراحة مساء الأمس في إشارة واضحة لتغير ولائه. وهنا، تكلمت الشخصية الأخيرة التي توقع الدوق أن تنقلب عليه

​"ما هو غير المقبول في نظرك أيها الدوق؟"؛ سألت مورغانا بهدوء. ورغم أنها كانت ترتجف من الداخل، إلا أن صوتها لم يهتز: "ألم يكن الإمبراطور الأول يستخدم هذا القانون أيضاً؟"

​"جلالتك ما معنى هذا... وضع فتاة لا تعرف شيئاً عن السياسة في الواجهة فقط لشرح سبب استخدامك للقانون الذي كان أحد أسباب دمار الإمبراطورية رغم أنك تعلم أن أغلب النبلاء في القاعة مستعدون للمساعدة في عودة الإمبراطورية."

​أومأ العديد من النبلاء بمن فيهم الذين قاموا من أجل التحية، حتى الدوقات الثلاثة لم يعلموا سبب اتخاذ راي لهذا الموقف العدائي بينما الكفة كانت تميل في اتجاهه بالفعل، وهنا تجاهل الدوق مورغانا بشكل كامل حتى لا يفقد أعصابه ونظر إلى راي.

​ومع ذلك رفض راي الإجابة وترك مورغانا تبني مكانتها: "لا بأس سعادة الدوق، نظراً لكبر سنك سوف أكرر ما ذكره جلالته وهو أن هذا القانون سيتم استخدامه من أجل تجاهل أو بعبارة أخرى فسخ الميثاق الذي يجمع بين الإمبراطورية والنبلاء."

​"هل تفهمين ما تتكلمين عنه حتى؟" سأل الدوق متجاهلاً الإهانة المخفية ولم يصمت باقي النبلاء كذلك، عبس دوق الشرق ونظر إلى راي متسائلاً: «هل تعلم تلك الفتاة ماذا تقول؟».

​ابتسم راي ولم يجب على تلك النظرات، إنها تعني ما تعنيه، إنها طرد لجميع النبلاء في الإمبراطورية من السلطة على العرش وتحويل الإمبراطورية إلى مجرد مقاطعة تمتلك قوة إمبراطورية.

​طرق قائد الفرسان على الأرض وأجبر القاعة على الصمت حتى تتمكن مورغانا من الكلام: "هل نسي الجميع أن الهدف هو إعادة بناء الإمبراطورية فوق رمادها السابق وليس إعادة هيكلة النظام فقط؟"

لم يكن لكلمات مورغانا وزن فتابعت: "من أجل ذلك هذه الخطوة مهمة، وذلك من أجل كسر قانون السيادة المطلقة على الأرض الذي وضعه الإمبراطور الثالث عشر."

​"بما أن الإمبراطورية أصبحت شظايا مشتتة، فإن الهدف هو إعادة صهرها في قالب واحد. سنبدأ بتطبيق النظام على النواة—وهي أراضي العرش—ثم نربط بها كل المقاطعات التي ترغب حقاً في البقاء كجزء من أستر. هذا يعني أن الأراضي ستخضع لسلطة مشتركة بين المالك والتاج؛ لضمان عدم تكرار الخيانة التي كلفتنا نصف مساحة الإمبراطورية، حين قرر نبلاء الحدود، بدم بارد، تغيير ولائهم ومزقوا جسد الأمة."

​هنا الجسد هو الأم، والابن هو المقاطعات التي لديها خيار الاستقلال، ومن أجل كسر هذا القانون كان يقول بشكل واضح إن من يقبل أن يكون جزءاً من الأم مجدداً فسوف يكون تحت حماية الإمبراطورية ومن يرفض سوف يتم عزله، وعندما تعود قوة الإمبراطورية سوف تعمل على استعادة تلك الأرض.

​هل هذا انتحار سياسي؟ نعم إنه كذلك.

​ماذا لو رفض جميع النبلاء في القاعة؟

​كان هذا مستبعداً ولم يخطط راي لأن يكون بهذه العدائية حتى رأى أن ثلاثة من الدوقات اختاروا الوقوف بجانبه وأكثر من 20 شخصية لها مكانة عالية بنفس القدر وتأتيرها كبير على الإمبراطورية.

​لكن حتى مع افتراضية حدوث ذلك وعزله من طرف جميع النبلاء، فقد خطط أن يتخلى عن تلك الأراضي حتى لو كان ذلك يعني فقدان هذه الإمبراطورية، لذلك بصراحة هذه مقامرة تعتمد على مستوى ولاء الدوقات الثلاثة وباقي النبلاء الذين قاموا في السابق، وقد ترك مورغانا تتحدث عن هذا من أجل تجنب افتراضية أنه يسير على خطى الإمبراطور الحادي عشر.

​"جلالتك... الإمبراطورية ليست ملكية خاصة."

​"وكذلك الأرض"؛ ابتسم راي ورد على دوق الشمال: "إنها ملكٌ للشعب، وكل واحد منكم هنا يقرر مصير فئة منهم. صحيحٌ أن عائلاتكم ساهمت في قيام هذه الإمبراطورية، لكنهم أيضاً كانوا سبباً في هلاكها.. أم أنني مخطئ؟"

​"أليس ذلك بسبب العرش الذي دفعهم إلى هذا القرار؟"

​"احذر أيها الدوق، فأنت تهين العائلة الملكية الآن"؛ ابتسم راي، لكن لم يكن هو من أجاب، بل مورغانا. نظر لها الدوق بغضب وهو يصرخ بعينيه: «اصمتي!».

​«لا، لن أفعل»؛ ردت مورغانا بعنادٍ في نظرتها ثم تابعت: "في الأزمات التي تهدد وجود الإمبراطورية، لا كلمة تعلو فوق كلمة الإمبراطور. ذلك قانون موجود منذ زمن التأسيس. أما 'قانون السيادة المطلقة' على الأرض فلم يوجد إلا منذ بضع سنوات، ومن أجل إزالته بطريقة ترضي الجميع، قررنا اقتراح هذه الفكرة التي تمنع الحياد.. فلا خيار ثالث هنا: إما أن تكون جزءاً من التغيير، أو أن تكون ضده، وبذلك لن تكون جزءاً من أستر."

​وتابعت بلهجة أكثر حدة: "حتى لو رفضت، فلا بأس بذلك.. انتظر حتى تعود قوة الإمبراطورية وسنستعيد تلك القطعة التي تتمسك بها اليوم. لا تقل إن العرش هو السبب في الدمار؛ فلا يمكن لجهة واحدة أن تكسر إمبراطورية عظيمة. ولا تنسَ أن الإمبراطور الأول كان رفيقه الوحيد تنيناً حمى الإمبراطورية لـ 1000 عام، ولم ينل أحدٌ من عائلاتكم استحقاق ذاك التنين بقدر ما ناله أبناء العرش."

​ثم ختمت مورغانا دون انتظار جواب: "هل نسي الجميع لماذا بدأ هذا الاجتماع؟ ولماذا نناقش هذا النظام الجديد؟"

​ساد الصمت، وبينما كان دوق الشمال يجمع أنفاسه ليرد، أطلق دوق الشرق ضحكة خافتة وجافة. كان يراقب مورغانا طوال الوقت، وفي تلك اللحظة، حين رأى شجاعتها وثبات صوتها رغم كل شيء، قرر أن يمنحها دعمه، فقد فهم ما يحاول راي فعله من خلال هذا ولم يكن معارضاً بل هو القرار الأفضل في الحقيقة.

​بذلك نظر إلى دوق الشمال بعينين يملؤهما برود العارف، وتابع بنبرة ساخرة: "يا لك من رجلٍ عاطفي يا دوق الشمال.. تثير كل هذه الضجة من أجل قطعة أرض؟"

​استند الدوق إلى كرسيه وأكمل بنبرة ساخرة: "لقد قالت جلالتها كلمةً هي جوهر الحقيقة؛ نحن مشتتون. 'السيادة المطلقة' التي تتمسك بها ليست سوى حلب للإمبراطورية، فأنت تحصل على حمايتها وماذا تقدم في المقابل؟ خصوصاً أنت يا دوق الشمال، الأراضي التي تحكمها لها شتاء مستمر طوال السنة، وخطر الوحوش يلتف حولها ولا ننسى خطر ما يخرج من جبال البرد. إذا كان ثمن الأمان هو 'السلطة المشتركة' مع العرش، فأنا أراه ثمناً بخساً مقابل استقرار مقاطعاتي.. فماذا عنك، ألا تظن أن التمسك بحق التصويت في سفينة تغرق هو نوع من الانتحار الفاخر؟"

​تنهد دوق الجنوب، واسترخى جسده الضخم فوق مقعده وكأنه يجلس في ساحة حرب لا في قاعة اجتماع. نظر إلى دوق الشمال بازدراء واضح، ثم وجه صوته الأجش إلى بقية النبلاء

​"كفّوا عن لعب دور الأغبياء، فالمشهد بات مثيراً للغثيان." صمتت القاعة تماماً ونظر الجميع إلى دوق الجنوب، فتابع دون تردد: "المال، والأرض، وسلالاتكم التي تتبجحون بها.. كل هذا سيُسحق تحت أقدام الغزاة ويختفي من الذاكرة إذا هلكت الإمبراطورية بسبب عنادكم الصبياني."

​"أيها الدوق الأمر ليس مسألة عنا..."

​"اخرس، لا تقم بمحاضرتي، ماذا تسمي ما تفعلونه الآن؟" نفض دوق الجنوب يده بانزعاج وهو يشير إلى النبيل الذي تكلم: "ماذا تسمي هذا التردد؟ السؤال واضح، هل تريد إنقاذ الإمبراطورية؟ الجواب أكثر وضوحاً ولو كان بيتكم مثل بيتي لكان خياركم واضحاً، فبيتي لا يخشى الضياع؛ لأن التاريخ سيمجد محاولتنا حتى لو فشلنا، وسيذكر أسماءنا كرجالٍ حاولوا الإنقاذ، لا كجرذانٍ تشبثت بقطع جبنٍ بينما القصر يحترق."

​يتبع...»

______________

نهاية الفصل

______________

​[معلومات: تفرد أراضي الشمال - مهد النصال الباردة]

[بينما يتباهى الشرق بحقوله الذهبية والجنوب بمناجمه العميقة، يمتلك الشمال ثروة من نوع آخر؛ "الروح التي لا تنكسر". توصف أراضي الشمال بأنها المكان الذي "لا يبتسم فيه القدر"، فهي أرض الشتاء الأزلي حيث الصقيع ينهش العظام، والوحوش الخارجة من جبال البرد لا تعرف الرحمة و البرابرة على الحدود و طبيعة القاسية فتبقى ميزة الأكبر لشمال هي قوة عسكرية التي كانت تقدمها للإمبراطورية]

2026/02/14 · 19 مشاهدة · 1906 كلمة
Ryuzaki
نادي الروايات - 2026