جريدة سميكة، عدد صفحاتها كبير، وكل صفحة أغرب من الأخرى، وكل معلومة تبدو مهمة بشكل غريب. وبما أنها وزعت مجاناً اليوم، فكان كل شخص في المقهى تقريباً يمسك واحدة، حيث تعاونت نقابات الأخبار لنشر كميات كبيرة منها تحت أمر عمود الروح.
"يبدو أن الإمبراطور كان جاداً خلال البث المباشر قبل أسبوعين، ظننته..". صمت فرانكو ونظر حوله ثم همس لمارك: "ظننته استخدم ذلك ذريعة للتخلص من جماعات متمردة، وقمع الفوضى عندما أرسل الفرسان".
"أيها الأحمق، لا تصدق كل ما كتب هنا" سخر مارك وتحدث بينما يغير الصفحة ويقرأ الأخبار: "خصوصاً هذا، التعاون مع البرج الأحمر والبرج الأزرق من أجل بيع الكنوز الملكية من أجل تشكيل هذا النظام الجديد، لا أعلم هل ينتظر منا أن نقوم بمدحه؟".
"لمَ لا، على الأقل لم يهرب مثل والده"، ابتسم صاحب المقهى وهو يضع شراباً على طاولة فرانكو ومارك وأشار له: "أيضاً لست الوحيد الذي يفكر بهذا، لكن هناك من يراها محاولات جادة للإمبراطور لمحاولة تغيير الوضع الذي نعيشه".
سحب مارك الكوب، أخذ رشفة ثم تنهد: "صديقي، إذا بنى الملك قصراً، فنحن الأحجار؛ وإذا خاض حرباً، فنحن السهام. لا يوجد ملك يفكر في 'مصلحتنا' إلا إذا كان يقصد بها إبقاءنا أحياءً بما يكفي للعمل غداً".
"لن أجادل في هذا".
"احذر مما تقول" حذر فرانكو، لكن على وقع كلماته، ضحك كل من في المقهى ووافقه أحدهم الرأي.
"كرم الملوك دائماً ما يكون مقدمةً لفاتورة باهظة".
"كما يقال، اخشَ ابتسامة النبيل ولا تهتم للجلاد".
"هيه مارك، لكن جدياً هل يمكن تخمين ما يحدث؟".
"كيف لي أن أعلم؟ يكفيني أن أجد ثمن هذا الشراب كل يوم ودعهم يفعلون ما يريدون" ابتسم مارك ورفع كأسه قبل أن يشرب ليضحك الجميع ويوافقونه الرأي.
لكن في النهاية لكل شخص في المقهى وخارجه، وفي العاصمة وحتى خارجها أفكاره الخاصة؛ الشك، الإيمان، الخوف مما هو قادم أو الارتباك، شيء طبيعي عند خروج الخبر لكن الشيء الذي يبقى هو اللامبالاة.
باختصار... أغلبهم لا يهتم بكل هذا.
الأمر يبدو كشيء يمكن الكلام عنه، لذلك يقرأ أغلبهم الأخبار. تنهد فرانكو وابتسم بينما يأخذ شرابه.
....
"لا يصدق! هذا اللعين، مع كل هذه الأدلة لمَ يتركه يذهب بسلام؟ هو لم ينزع حتى أراضيه، وفوق كل ذلك ابنته..".
في أحد المقاهي الأخرى ضرب شاب بشعر فضي الطاولة ونظر إلى شخص أمامه: "لمَ قد يفعل مثل هذا الشيء الغبي؟ فلم يترك عدواً محتملاً يغادر قصره سالماً، بل حتى عين ابنته لما يبدو أنه أكثر المناصب حساسية".
"اهدأ يا جين وكن حذراً مما تقوله".
لعن الشاب، لكن عندما لاحظ نظرات غريبة ممن حوله قرر الجلوس غير راضٍ عن خبر إزالة لقب "دوق" من "دوق فيليب"، سيد الشمال، وتركه يذهب، خصوصاً أن الجريدة قدمت نظرة خاطفة على عديد من الأعمال التي قام بها.
"لا أفهم ما الذي يدور في رأس هذا الطفل، حتى لو كان صغيراً ألا يدرك خطورة ما فعله؟ على الأقل إذا كان يحاول الإصلاح لمَ يترك مثل هذا المرض يتجول في الأرجاء؟".
أخذ رجل ملثم رشفة من شاي وراقب تذمر جين بهدوء ثم تنهد: "برأيك كيف كان عليه التصرف؟".
"مع كل هذا، إعدام فيليب وسلالته ليس خطأً، بل هو تنظيف للمكان. صدقني، لن يرمش لأحد جفن حين يختفون". طرق جين على الصحيفة ثم توقف عند صورة سيد الشمال، فيليب.
"خصوصاً هذا الشخص، هذه الصحيفة لا تصف حتى نصف ما قام به لنا، لو كنت مكان الإمبراطور لقمت بتقطيع أطراف كل فرد من سلالته وتعليقه على جدار المدينة ليكون عبرة للآخرين".
"كن هادئاً، لا تنسَ مكانتك، ولا تنسَ سبب وجودنا هنا".
"هل لذلك أهمية الآن؟" شد جين رأسه منزعجاً: "من توقع أن يرسل الفرسان لتطهير المتمردين قبل وصولنا؟ بسبب ذلك خطتنا ذهبت للجحيم وفوق كل ذلك، هذا الشيء".
نظر جين إلى الصحيفة وتنهد: "لم أتوقع أن تبدأ إمبراطورية مثل هذه التغيرات على هذا المستوى، أبي لن يكون سعيداً بهذا، ولن أعود دون خيط ينقذ قبيلتنا".
"ماذا تخطط لأن تفعل؟".
"هذا" أشار جين إلى فقرة قصيرة، ثم رفع عينه: "سوف أشارك في اختبار الأركان هذا، عد أولاً وأخبر أبي، وخذ معك هذه الصحيفة. عليه أن يعلم عما يحدث في العاصمة، إذا لم أتمكن بعدها من الاتصال بك لمدة 7 أيام متتالية فاعلم أنه قد تم التخلص مني حينها".
"أنت متهور، هل تصدق حقاً أن جميع الأعراق يُسمح لها بالمشاركة في الاختبار؟".
"لا بأس، بهذا الأثر لن يكتشف أحد حقيقتي" أمسك جين القلادة الذهبية وأشار: "ركز على سلامة القبيلة، سوف أوافيكم بالأخبار بأسرع وقت ممكن".
"لا تعتمد على الأثر كثيراً".
"لن أفعل، كن حذراً في طريق العودة".
.....
يمر الوقت سريعاً ويصبح أسرع عندما يركز الجميع على شيء معين. الأخبار التي قلبت جو المدن في الصباح اشتعلت في المساء بعد صدور جريدة المساء.
وفي القلعة —مكتب مورغانا— وصلت رسالة من طرف ممثل الشعب "لوتر" إلى القصر؛ محتوى الرسالة بسيط. عمل إضافي طُلب منه بسبب عجز حالي لركن الروح، محتوى العمل هو ملاحظة كيف تفاعل الشعب مع جرائد الصباح وكيف تفاعلوا مع جرائد المساء.
"هذا أسوأ مما توقع الإمبراطور". نظرت كاديتا وأوديت إلى مورغانا متسائلتين عن سبب قولها ذلك، فأجابت: "توقع جلالته أن ينقسم الناس بسبب هذه الأخبار، لكن الوضع أصبح فوضوياً".
زفرت مورغانا وتابعت: "هناك فوضى في المدن بسبب انقسام الآراء، الخوف من كل هذه التغيرات يعم الأرجاء، وعديد من الجهات والجماعات تحاول المطالبة بتفسيرات وتوضيحات أكثر. المشكلة أن هذه الجهات المعادية تحاول الطعن في كل خبر في الجرائد مما يزيد من الارتباك".
"ألا يمكن القبض عليهم فقط؟" سألت كاديتا.
"هنا المشكلة، عددهم كبير جداً ويتزايد، وليس في العاصمة فقط. رسائل مشابهة في مدن قريبة أيضاً، ووزير الداخلية ليس لديه قدرة على السيطرة على كل هذا حالياً، بعد عملية نزول الفرسان أصبح الناس يرون أن الإمبراطور يحاول ممارسة سياسة دكتاتورية".
المشكلة الثانية هي الجهات المتمردة التي قضى الفرسان عليها، تقوم باستغلال هذه الأخبار لتحريض الناس وتعزيز حركتهم السياسية للوقوف في وجه النظام.
وبشكل سخيف، خطتهم تنجح بمعدل مرعب.
بنفس حركة راي، أمسكت مورغانا ذقنها تفكر قليلاً، حالياً يتعاون ركن الروح مع برلمان الشعب، لكن كلاهما يفقدان السيطرة والأمر يبدو "كما لو أن هناك يداً خفية تحرك الأمور في الخلفية".
نهضت مورغانا من مكانها وحملت الرسائل متوجهة إلى الباب بسرعة: "سوف أزور الإمبراطور".
"أعتقد من الأفضل ألا تفعلي". توقفت مورغانا بسبب كلمات أوديت، وعندما نظرت لها أجابت أوديت: "يبدو أنه منزعج حالياً وطلب من الجميع عدم إزعاجه".
"هل ري لا يزال في المكتب؟".
"ري؟ آه.. السيد فينتوري، لا، ليس في المكتب".
قامت مورغانا من مكانها فسألت أوديت: "هل ستذهبين؟".
"نعم، إذا كان منزعجاً أو غاضباً فهذا يعني أنه في قمة هدوئه. التفكير وحدي في حل لهذه الفوضى التي تتوسع بسرعة منذ اليوم الأول سوف يؤجل العمل فقط، من الأفضل طلب مساعدته".
"يبدو أنكِ تعرفين زوجكِ جيداً".
تجمدت مورغانا وأشارت إلى أوديت بيد مترددة ثم لم تقل شيئاً. استدارت وغادرت. ابتسمت أوديت وأشارت لكاديتا: "أليس هذا لطيفاً؟".
"من الغريب أنكِ تستمتعين بهذا".
"ماذا أفعل؟ إذا لم أستطع محاربة شيء فأنا أستمتع به". ابتسمت أوديت بينما تلعب بخصلات شعرها: "لكن ماذا تعتقدين بخصوص هذا الوضع؟".
"هل أنا من يجب أن يجيب؟ أليس عليكِ التفكير بوضعكِ، ففي كلتا الحالتين لن أخسر شيئاً، لكن ماذا عنكِ؟".
"ماذا يمكنني أن أخسر أكثر؟ على الأقل لقد استمتعت بالسلطة قليلاً، إذا ساء الأمر فلدّي مخرج".
سخرت كاديتا وعادت للكتابة بينما تشير: "دعيني أخبركِ بمعلومة مثيرة للاهتمام سمعتها من والدي مباشرة. هل تعلمين عن الظلال؟".
توقفت يد أوديت ونظرت إلى كاديتا التي تابعت بهدوء وهي تشير للإمبراطور السابق: "يبدو أنه أخبركِ عنهم".
"اللعنة".
ابتسمت كاديتا ولم تقل أكثر من ذلك، الإشارة واضحة: لا يهم ما تفعلين فهم يراقبونكِ. بعد لحضات كانت مورغانا تطرق الباب على مكتب راي.
لا رد.. فأمرت الحراس بفتح الباب. ترددوا قليلاً لكن في النهاية أطاعوا أمرها، ودفعوا الباب بقوة لدفع الأوراق التي سقطت خلفه، ورغم ضخامة المكتب الملكي إلا أنه أصبح من غير الممكن التحرك بداخله بحرية.
في قلب هذه الفوضى ومن بين الأوراق رفع راي عينيه، نظر إلى مورغانا ثم عاد إلى عمله دون تعليق.
"ما كل هذا؟".
"اممم"، توقف راي ورفع رأسه فكر قليلاً ثم أجاب: "لا أعلم".
"هل أنت بخير؟ سمعت أنك منزعج".
"أنا بخير". عاد راي للتدوين وهو يفرك رأسه بقوة قبل أن يتوقف مجدداً وينظر إلى مورغانا التي تحاول الدخول دون إتلاف الأوراق على الأرض: "لا أنصحكِ بالدخول فالخروج أصعب، أخبريني ماذا هناك؟".
----------------
نهاية الفصل
___________