المجلد الاول
.
الفصل 3 : بداية مبكرة
.
بداية الفصل :
.
وجهة نظر أليس ليوين :
.
كان آرثر أكثر الأطفال روعة. بعض الأمهات يكنّ مهووسات بأطفالهن حتى لو كانوا قبيحين، لكن لم يكن هذا هو حالي.
كان لآرثر خصلة صغيرة من الشعر الكستنائي، وعينان ماكرتان تشعّان بضوء أزرق، ونظراته كانت أحيانًا... ذكية تقريبًا. لكنني لم أكن مفتونة به. كنت قد قررت أن أكون أماً صارمة وعادلة. كنت أعلم أنني لا يمكنني الاعتماد على زوجي ليعلّم صغيري آرثر شيئًا من المنطق السليم. لوجه الله، لقد حاول أن يعلّمه القتال وهو لا يكاد يستطيع الزحف.
كنت أعلم أن ذاك الشقي الصغير سيصبح مثل والده إن تركته على سجيته. عندما بدأ في الزحف، شعرت بفخر كبير كدت أذرف الدموع، لكنني لم أكن أعلم كم سيكون التعامل معه صعبًا عندما يصبح أكثر حركة.
لم أستطع أن أغفل عنه للحظة دون أن يتسلل إلى المكتب. كان الأمر غريبًا للغاية. كنا نحرص على أن نشتري له الكثير من الدمى والألعاب الخشبية، لكنه دائمًا ما كان ينتهي به المطاف في تلك الغرفة. على الأقل، كان في هذا مختلفًا تمامًا عن والده، فرينولدز كان يفرّ من النصوص التي تتعدى طول الجريدة الأسبوعية.
كان ابني مهتمًا بالكثير من الأمور. لم أمل أبدًا من رؤية رأسه، غير المتناسب مع جسده الصغير، وهو يدور يمينًا ويسارًا محاولًا فهم العالم من حوله. وعندما رأيت كم يفرح حين نخرج إلى المدينة، بدأت أذهب للتسوق يومًا بعد يوم بدلًا من مرتين في الأسبوع. لا، لم أكن مغرمة به. كان ذلك فقط لأجل تعليمه عن العالم الخارجي، وللحصول على طعام طازج. لا أكثر.
كان مفتونًا بشكل خاص بتدريبات والده. فقد كان رينولدز مغامرًا ماهرًا في شبابه، وقد بلغ رتبة مغامر من الفئة B في سن الثامنة والعشرين، وهو إنجاز سريع نسبيًا. ولمنع إرسال مراهقين متهورين إلى حتفهم، كانت نقابة المغامرين - حيث كنت أعمل كمتدربة طبية - تطلب من المرشحين اجتياز اختبار قبل أن يحصلوا على رتبة E، وهي أدنى رتبة.
أما الرتب العليا، فلم أرَ سوى عدد قليل من مغامري الفئة A طوال سنوات عملي هناك، ولم أرَ أبدًا مغامرًا من الفئة S، رغم أنني أفترض أنهم موجودون.
عندما كنت أعمل في نقابة المغامرين، أو ما كنا نسميه قاعة النقابة آنذاك في فالدن، رأيت الكثير من المراهقين المتحمسين. مرةً، طُلب مني مراقبة اختبار عملي بسيط، وكان على الممتحَن فقط أن يظهر مهاراته الأساسية في التحكم بالمانا، لكنه قبل أن يبدأ حتى، سقط على ظهره لأن سيفه كان أثقل مما يحتمل! على الأقل كانوا طموحين، لكنني دائمًا ما كنت أتعجب كيف لم يُقضَ عليهم من فرط غرورهم.
في ذلك الوقت، بدا رينولدز كأحمق ساذج. ما إن رآني في قاعة النقابة حتى سقط فكه من الدهشة. ظل واقفًا هناك حتى دفعه الشخص الذي خلفه في الطابور ليُسرع، وتمتم بصوت خافت:
"أه... أهلًا... هل يمكنني تبديل... المعدات مقابل مهمة؟" ضحكت وهو يحمرّ خجلًا.
جمع شجاعته أخيرًا ودعاني إلى العشاء، ومن هناك بدأت صداقتنا. حتى بعد خمس سنوات من الحياة المشتركة، كنت أبتسم كلما رأيت عينيه الزرقاوين كعيني جروٍ تنظران إليّ. وقد ورث آرثر أجمل الصفات من كلينا، مما زاده جمالًا. كان يجب أن تروه عندما أبدّل له الحفاض، لأي سبب كانت وجنتاه تحمران كل مرة، وكان يغطي وجهه بأصابعه الصغيرة. لم أكن أظن أن الأطفال في هذا السن يشعرون بالخجل، لكنه بدا كذلك.
لكن من أجمل اللحظات كانت عندما نطق أول كلمة له: "ماما". قال "ماما" أولًا!
جعلته يكررها مرارًا فقط لأتأكد أنني لم أتوهّم، وكان رينولدز عابسًا طوال اليوم لأن آرثر قال "ماما" قبل أن يقول "بابا".
تظاهرت بأنني أوبّخه على تصرفه الطفولي، لكنني كنت أتلذذ سرًّا بطعم الانتصار. كنت في غاية السعادة في تلك الأشهر، وابني دائمًا بجانبي أينما ذهبت. كنا نراقب معًا والده من النافذة وهو يتدرب بعد العشاء.
كنت سعيدة أن رينولدز ترك حياة المغامرة وقبل وظيفة كحارس بلدي. كانت مهنة المغامر تدرّ دخلًا أكبر، لكنّ قلق أنني قد لا أعرف إن كان سيعود حيًّا لم يكن يستحق فلسًا واحدًا. خاصةً بعد ما حدث في آخر مهمّة لنا سويًا.
لم يكن آرثر يمرض أبدًا، لكنني كنت كثيرًا ما أراه جالسًا دون حراك، وعيناه مغمضتان. في البداية، ظننت أنه يحاول التبرز، لكن لم يكن هذا هو السبب. بدا الأمر غريبًا، ولم أعرف ما أفكر فيه. كنت أظن أن الأطفال في مثل عمره يكونون نشطين ومشاكسين، لكنه كان يصرف جلّ طاقته في التسلل إلى المكتب ثم يجلس هناك ساكنًا تمامًا، وكأنه يتأمل.
قلقت في البداية، لكن رغم تكرار ذلك مرات عديدة في اليوم، لم يكن يدوم إلا بضع دقائق، وكان آرثر بعدها يبدو سعيدًا بشكل غريب. الطريقة التي كان يمد بها ذراعيه نحوي وينظر لي كانت تجعلني أرغب في التهامه!
أهم... لكنني لم أكن مغرمة به.
.
وجهة نظر آرثر :
.
مرّ عامان منذ أن قمت برحلتي الشاقة الأولى إلى المكتب.
ومنذ ذلك الوقت، واظبت على تجميع جزيئات المانا المتناثرة في جسدي وتركيزها في محاولة لتشكيل نواة مانا. كانت مهمة بطيئة ومرهقة. كان أسهل عليّ أن أتعلم المشي على يديّ وتناول الطعام بقدمي في هذا الجسد الملعون بدلًا من أن أُكثّف نواة المانا.
فهمت الآن لماذا قال الكتاب إن على الشخص أن ينتظر حتى سن المراهقة ليصل إلى "الصحوة". لو كنت قد تركت جزيئات المانا تتحرك وحدها داخل جسدي، لاحتاج الأمر عقدًا كاملًا على الأقل لتتقارب بما يكفي لتشكّل نواة مانا.
لكن امتلاكي لعقل شخص بالغ منحني القدرة الإدراكية لأرغب عن وعي في تجميع تلك الجزيئات. كان هذا شيئًا تعلمته في حياتي السابقة، حيث كنا نتعلّم منذ الطفولة كيفية التحكم بالـ"كي". وكانت الخطوة الأساسية هي الإحساس بالكي – أو المانا كما يُدعى هنا – داخل جسدك، ثم جمعه في الضفيرة الشمسية. تركها وشأنها كان سيجعلها تتجمع ببطء، كريش الإوز الذي يهبط نحو قاع كيس مفتوح، لكنني قررت – مجازيًا – أن أقبض على الريش وأدفعه داخل الكيس بنفسي.
كانت طقوسي اليومية تتمثل في إنفاق كل طاقتي المحدودة على تجميع المانا، دون إثارة شكوك أمي أو أبي. كان أبي يظن أن رمي الطفل في الهواء مسلٍّ له. رغم أنني أتفهّم أن الأدرينالين قد يحمّس بعض الأشخاص، إلا أن استخدامه للمانا لتقوية ذراعيه ثم قذفي كقذيفة بسرعات عالية لم يسبب لي سوى الغثيان، ورعبٍ دائم من المرتفعات.
لحسن الحظ، كانت أمي تمسك بزمام الأمور، لكنها بدورها كانت تخيفني أحيانًا. كنت أراها كثيرًا تحدّق بي، وتكاد تلعق شفتيها، تنظر إليّ وكأنني قطعة لحم فاخرة.
حاولت التكيف مع جسدي، فاقتصرت كلامي على عبارات بسيطة جدًا، فقط ما يكفي لإيصال المعنى، دون أي نحو أو تركيب.
أول مرة قلت فيها "ماما" لأعبّر أنني أريد طعامًا إضافيًا، كادت تبكي من الفرح. لم أتلقَ مثل هذه العاطفة الأمومية منذ زمن بعيد.
كان تدريبي بطيئًا وشاقًا، لكنني كنت متقدمًا على الآخرين، فلم أكن لأشتكي. السنوات الماضية لم تذهب سدى، فقد تمكنت أخيرًا من جمع كل المانا في الضفيرة الشمسية، وكنت على وشك تكثيف نواة مانا عندما…
بووووم !
.
.
.