نيكو وثيسيليا وأنا، بقينا صامتين نحدق في الكلمات المطبوعة على الورقة الشبيهة بالقماش في أيدينا بينما نجلس حول داولة الفناء البالية.
"ل-لقد قُبلنا،" تمتمت، دون أن أرفع عيني عن خطاب قبولي. "لا أصدق أننا قُبلنا."
"تكلم عن نفسك. الوحيدان اللذان كنا نقلق عليهما أنا وثيسيليا هو أنت يا غراي،" ضحك نيكو، لكن حتى هو لم يستطع إخفاء حماسه وابتسامته العريضة.
"لا أصدق ذلك أيضاً،" همست ثيسيليا، وصوتها يرتجف.
"واو! هل تبكين يا ثيسيليا؟"
"ل-لا. فقط شيء في عيني—هذا كل شيء."
أخيراً رفعت نظري عن خطاب القبول في يدي لأرى ثيسيليا تمسح عينيها بسرعة بأطراف كمّيها، وخدّاها الكريميان المعتادان يحمرّان بشدة.
"تهانئي لكم ثلاثتكم،" دوى صوت المديرة ويلبيك الصافي من مدخل الفناء الخلفي.
"أيتها المديرة!" صاح نيكو، رافعاً خطابه بفخر لتراه ككأس.
"سأحتاج لإيجاد بعض البراويز الإضافية لتعليق هذه الخطابات،" ابتسمت وهي تقترب منا، معانقة كل واحد منا.
بالتحديق في ابتسامتها اللطيفة، شعرت بوخز الذنب في صدري. هي المرأة التي ربّتني كابنها منذ أن أتذكر، ومع ذلك سأغادر بأنانية إلى مدينة بعيدة. "أيتها المديرة... هل أنتِ متأكدة أنه لا بأس أن نذهب؟ يمكنني البقاء والمساعدة في دار الأيتام! لا بأس. أنا لست بارعاً في الدراسة مثلهما؛ بالإضافة إلى ذلك، الأمر مكلف وأنتِ تكبرين في السن، لذا—أوخ!" صرخت، وأنا أفرك جبهتي الملتهبة.
"سآخذك إلى الأكاديمية حتى لو اضطررت لجرّك بملابسك الداخلية بنفسي،" وبّختني، إصبعها الملفوف جاهز للضرب مجدداً. "كل هذه السنوات من تربية شقي مثلك آتت أكلها، وأنت تريد ماذا—البقاء هنا؟ ليس تحت رقابتي."
"نيكو هو الشقي. أنا فقط أُجرّ معه!" احتججت، رافعاً يديّ لحماية جبهتي من الهجوم.
"إذاً أظن أن السيد سيفير يستحق واحدة من هذه أيضاً،" أعلنت المديرة، ضاربة جبهة صديقي المقرب بسرعة ودقة جندي مدرب.
"آخ! غراي! ما بك!" صرخ نيكو، محتكاً جبهته بقوة من الألم.
ابتسمت ابتسامة انتصار، حين سمعت ضحكة خافتة بجانبي. أدرنا أنا ونيكو رأسينا لنرى ثيسيليا تبتسم لأول مرة.
بقينا نحن الاثنان محدقين، عيوننا واسعة وأفواهنا مفتوحة، حتى المديرة كانت متفاجئة.
"هل تحطّمت أخيراً؟" همس نيكو، مقترباً من أذنيّ.
غرزت كوعي في جنب صديقي، وعيناي ملتصقتان بشكل غريب بمشهد ثيسيليا تضحك. تقلّص صدري وشعرت بوجهي يسخن، لكن فقط حين أدركت ثيسيليا أننا جميعاً نحدق، أدركت أنني كنت أحمر الوجه، مثلها تماماً.
التفتّ بسرعة ونهضت لتجنب نظرها، متمدّداً بلا سبب سوى صرف الانتباه عن وجهي.
لابد أن المديرة ويلبيك اخترقتني لأنها أعطتني تلك الابتسامة الماكرة التي جعلتها تبدو أصغر بعشر سنوات.
"الأفضل أن أعود إلى الداخل يا أطفال. الدراسة لا تبدأ لبضعة أسابيع، لكن ضعوا قائمة بالأشياء التي ستحتاجونها حتى لا تنسوا شيئاً حين يأخذكم أحد المتطوعين إلى البلدة." عادت المديرة إلى الباب الزجاجي الذي أتت منه، والتفتت مرة أخرى قبل أن تدخل. "ومبارك لكم مجدداً، أنتم الثلاثة."
آرثر لين
'نحن نقترب من الحدود،' دوى صوت سيلفي في رأسي، منتشلاً إياي من سباتي. الغيوم البيضاء، ما زالت ضبابية من عينيّ غير المعتادتين، عادت ببطء إلى التركيز مع رفرفة جفنيّ. حدقت في الأسفل ولاحظت أننا اجتزنا قناة سيهز التي تتدفق عبر مدينتي كارن ومايبور إلى الساحل الغربي.
'كيف تشعرين؟' سألت، ممدداً رقبتي وظهري المؤلمين وساقاي تتدلّيان من جانب قاعدة عنق رابطتي.
'يجب أن أسألك أنت أيضاً. أعترف أن استخدام قواي استنزفني أكثر مما توقعت، لكنك بالتأكيد أرهقت نفسك،' وبّختني سيلفي، ممددة جناحيها الكبيرين لإبطاء هبوطنا.
أطلقت تنهيدة جرفتها الريح العاتية. 'أعلم. يبدو أن أمامي طريقاً طويلاً إذا أردت مصارعة منجل وجهاً لوجه.'
'نحن صغيران كلانا؛ الوقت رفاهية نحن محظوظون بها. علينا فقط أن نبقى حذرين ولا نفعل أي شيء متهور... مثل محاولة مجابهة حاشية وحدك.'
'أعدك ألا أدع ذلك يتكرر، وبالإضافة إلى ذلك، أنتِ أنقذتِ الموقف في النهاية،' طمأنتها، مربّتاً على عنقها المغطى بالحراشف.
لم ترد رابطتي، بل استجابت بموجة من الإحباط والعجز لم أستطع سوى الضحك عليها.
هبطنا على الأرض غير المأهولة فوق الحدود المؤدية إلى مملكة دارف. تحوّلت تربة الغابة الرطبة إلى يابسة صلبة مع تشققات في كل شبر. الطريق التجاري الذي استخدمه الأقزام والبشر لتبادل البضائع كان قريباً من الركن الشرقي لدارف، بجانب الجبال العظمى، لذا لم تكن هناك طرق مرئية بهذا البعد نحو الساحل.
"ما زال الجو بارداً،" تذمّرت وعباءتي ترفرف في الريح.
'يجب أن تنمي حراشف مثلي،' مازحت سيلفي وهي تخفض جسدها لتنزلني.
"أنا سعيد فقط أنني ما زلت قادراً على تجميع ما يكفي من المانا لأتجنب التجمد." رفعت ساقي ببطء وأدرتها حول عنق رابطتي، لكن ما إن لمست قدماي الأرض حتى اجتاح ألم حاد جسدي السفلي بالكامل، مما جعلني أتهاوى أرضاً.
'الإصابات في ساقيك لا تتحسّن.' كان صوت سيلفي مغلفاً بالقلق والشعور بالذنب، وكأنها المسؤولة عن الألم. 'ربما سيكون الأفضل أن تبقى راكباً عليّ.'
"لا،" لهثت، موجهاً المزيد من المانا إلى ساقيّ كحل مؤقت. "إذا كانت شكوكي صحيحة، سنحتاج للاختفاء، وقد خاطرنا بالفعل بالانكشاف بالطيران إلى هذا الحد."
'حسناً.' بدأ جسد سيلفي الكبير يتوهّج وهي تتحول إلى شكلها الثعلبي. بدلاً من الركوب على ظهري كالعادة، مشت بجانبي.
"يبدو أن توقّع السيدة ماير كان صحيحاً،" قلت، متّخذاً خطوات حذرة. "حتى بعد شفائي بفن الأثير الفيفومي، يشعر جسدي السفلي كما كان حين كنت مولوداً جديداً."
'تحكم جدّتي ومعرفتها بالأثير في مسار الفيفوم أكبر بكثير مني. لو كانت هنا...' اجتاحني موجة أخرى من الذنب من رابطتي وآذانها المدببة تتدلّى.
'كفي عن التذمّر،' وبّختها، مسرعاً الخطى ونحن نخوض في أراضي الأقزام. 'تحذير جدّتك كان غامضاً بعض الشيء، لكنني أظن أنه مع بعض الراحة ومساعدة جسدي الممتص، سأكون بخير.'
حاولت إخفاء عدم ثقتي بكلماتي، لكن كان واضحاً أن مشاعري تسرّبت إليها. بسبب شدة انفجارات المانا على كل عضلة من عضلاتي، يجب أن أكون شاكراً لأنني قادر على المشي، لكنني لم أستطع إلا أن أشعر بالإحباط لضعف جسدي. استخدام "خطوة الاندفاع" مرتين ترك عظامي محطّمة وعضلاتي ممزّقة شبه غير قابلة للإصلاح لولا سيلفي. تأوّمت بمجرد التفكير في تعبير أمي لو رأت حالتي... هل كانت هي أو أي باعثة قادرة على شفائي؟
ابتلعت الأفكار المحبطة، ومسحت المنطقة. أمامي كانت مساحة شاسعة من درجات البني والأصفر المختلفة. النباتات القليلة المنتشرة كانت إما أغصاناً وشجيرات مكسورة حملتها الريح من الغابة، أو أعشاباً نابتة من بين الشقوق في الأرض. لاحظت الصخور الكبيرة المتناثرة تحسّباً للاحتماء من الرياح العاتية، لكن حتى الآن، لم تكن هناك علامات نشاط.
ارتفعت وهبطت السهول الوعرة لتشكل أخاديد. من الكتب التي قرأتها وما أخبرني به إيليا، العديد من الأودية والأخاديد المنتشرة في مملكة دارف لها مداخل خفية إلى المدن تحت الأرض حيث يعيش الأقزام بالفعل.
أطلقت نفساً عميقاً. "لنبدأ."
وغصت في أعماق نواتي المانوية حيث تقبع إرادة سيلفيا الوحشية، و فعّلت "قلب العالم" مجدداً.
وبينما اجتاحني الإحساس المألوف مجدداً، احتجّ جسدي فوراً. انحنيت بسرعة إلى الجانب وتقيّأت بقايا الطعام المهضوم جزئياً في معدتي، وعندما نفد ذلك، تقيّأت عصارة صفراء داكنة.
نهج صدري ودار العالم من حولي، لكن لحسن الحظ، ما زلت قادراً على الحفاظ على "قلب العالم" وهو أمر حاسم لهذه المهمة.
'ربما يجب أن نعود في وقت لاحق. بفضل نسبي، أنا شبه متأكدة أنني سأرث "قلب العالم" بمجرد تطور قواي بالكامل. يمكننا العودة حينها وكلانا يبحث—'
هززت رأسي. 'الأمر لا يعمل هكذا. بحلول ذلك الوقت، ستكون تذبذبات المانا في الجو الناتجة عن الجنود والحاشية قد تعادلت. يجب أن يتم البحث الآن.'
'تعادلت؟'
'المانا في الجو ستعود إلى حالتها الأصلية،' شرحت، محولاً انتباهي إلى جزيئات المانا في الجوار بحثاً عن أي شذوذ.
حين اختبرت هذا المنظور لأول مرة في "قلب العالم"، بدت الجزيئات فوضوية، كغبار يُدفع ويُسحب بأقل نسمة، لكن الأمر ليس كذلك. خلال الفترة القصيرة التي قضيتها مع السيدة ماير، شرحت لي كيف تتصرف المانا والأثير في حالتها الطبيعية.
كل عنصر من عناصر المانا الجوية يتصرف بنمطه الخاص. مانا عنصر الأرض تبقى قريبة من الأرض، متحركة بخفوت كالرمل الناعم يتدحرج على تل. مانا عنصري الماء والرياح تتحركان بطريقة مشابهة، لكن جزيئات الماء أكثر ندرة بكثير. مانا عنصر النار متناثرة في كل مكان، تنبض وتخفق، وكأنها تمنح الحياة للكوكب.
الأثير، مع ذلك، يتصرف وكأن لكل جزيء وعيه الخاص. بعضها يتحرك مع جزيئات الأرض بينما يتجمّع البعض الآخر حول مانا الرياح والماء، راعياً إياها كالغنم. ما قالته السيدة ماير عن الأثير كالزجاج الذي يحوي السائل—هذه القوة تبدو تتفاعل مع المانا بطريقة خاصة.
بسبب العدد الهائل من جنود ألاكريا الذين تسللوا بطريقة ما إلى مملكة سابين، كنت آمل أن تكون هناك بعض الآثار المتخلفة لتذبذب المانا، لكن مهمة تمييز التناقضات الدقيقة في سماء الجزيئات اللانهائية أثبتت صعوبة أكبر مما تبدو.
لجعل هذه المهمة أصعب (لأنها كانت بالفعل سهلة للغاية)، كان عليّ تحديد استخدامي للمانا لتقوية جسدي فقط. حتى فعل امتصاص المانا سيخلق تذبذبات تتداخل؛ لن أتمكن من تمييز استخدامي للمانا عن استخدام الألاكريين.
بخطوات طويلة، تجنّبت أنا وسيلفي تشكيلاً صخرياً على طول الحدود الفاصلة بين سابين ودارف. لحسن الحظ، لم يتمكن الجنود من إخفاء أثرهم في الغابة. تمكنت سيلفي من العثور على حيث عبروا، لكن في هذه الصحراء الصخرية حيث تمحو الريح باستمرار كل آثار النشاط، تُركت مع المهمة الشاقة لتحديد مواقع تذبذبات المانا.
بعد مرور ساعة، فقدت سيلفي صبرها أخيراً.
'ألا يجب أن نتجه نحو الساحل بحثاً عن علامات سفن ألاكريا؟ لا أفهم لماذا نضيع الوقت هنا. على أي حال، يجب أن تستريح، لا تتجول في هذه الصحراء البائسة.'
'ظننت أنكِ قادرة على قراءة أفكاري،' سخرت، محولاً وجهي عن عاصفة هواء رملي قوية.
'هذا ليس كيف يعمل الأمر. غالباً ما تأتي المشاعر والأفكار الأساسية جداً. الآن أشعر فقط بإحساس قوي بالشك منك، لكن بخلاف ذلك—'
'وجدت شيئاً،' كدت أقولها بصوت عالٍ وأنا أتوقف فجأة. كنت أنظر إلى السماء طوال هذا الوقت لكنني لم الاحظ أي شيء غريب حتى رأيت بقعة داكنة على الأرض. حتى مع طبقة رقيقة من الرمل الجاف تغطيها، كانت هناك بركة صغيرة لا يمكن إنكارها من التراب الرطب.
جثوت على ركبتيّ، وفركت التراب الرطب بين أصابعي لأتأكد. نظرت إلى السماء مجدداً وأخيراً رأيت ما كان مفقوداً. كان هناك نقص خافت في مانا عنصر الماء في الجوار حيث كان معظم التراب.
'ما الذي يحدث؟' سألت سيلفي، محدقة في التراب في يدي.
'يبدو أن أحدهم عطش،' أجبت.
بمسح المنطقة، وجدت مناطق أخرى حيث كان الجو خالياً من مانا الماء. متبعاً الأثر الخافت، اتجهنا جنوباً شرقياً، بعيداً عن الساحل، حتى وصلنا إلى حافة أخدود ضيق.
'هيا. لننزل.'
تسلقنا ببطء المنحدر الحاد، والريح الصافرة تخفي كل الأصوات الأخرى. وبمجرد وصولنا إلى قاع الأخدود، اختفى الأثر الخافت لمانا الماء المفقودة، لكن ذلك لم يهم.
"تباً،" تمتمت بهدوء، محدقاً في الجرف. "كنت آملاً حقاً أن أكون مخطئاً."
'شكوكك... لا تقل لي...' اجتاحتها موجة من الإدراك من رابطتي وهي تشعر باهتزاز الأرض المجوفة تحتنا.
"نعم. بعد هذا، ما زلت متأكداً بنسبة ثمانين بالمئة فقط، لكنني أشتبه أن جيش ألاكريا الذي حاربناه تسلل إلى ديكاثين بمساعدة الأقزام."
[ بترجمة زيوس، قناتي تليجرام لنشر احدث اخبار هذه الرواية ومواعد تنزيل فصولها: @mn38k ]