عادت أفكاري إلى منظر شكل سيلفي وهو يتغيّر بينما كانت تمتص المانا من قرن أوتو. مضت بضعة أيام على تلك الليلة، لكن تحوّلها غير المبرّر كان يقلقني. كانت أيامي محمومة؛ فإذا لم أكن أتدرب، كنت إما في اجتماع، أو أقدم النصح لـ جايدون بشأن مشروع القطار، أو أقدم المشورة شخصياً لـ فيريون حول جوانب مختلفة من الحرب. وحتى ذلك الحين، كانت أفكاري تعود دائماً إلى ما رأيته تلك الليلة.

لم تشعر سيلفي بأن هناك خطباً ما – بل العكس تماماً. فقد أصبحت رابطتي مفتونة تماماً بالقرن وما يوفره لها من مانا. بعد تلك الليلة، طلبت مني مساحة خاصة لتواصل امتصاص مانا الحاشية دون انقطاع. ولم أرها منذ ذلك الحين – ولم يريحني سوى الآثار الهادئة لحالتها الذهنية التي كانت تبثها عبر رابطتنا.

"– أيها الجنرال آرثر!"

انتفضت في مقعدي من جرّاء الصوت المدوّي، لأجد أن الجميع في الغرفة يحدقون بي. الداولة المستديرة الكبيرة التي حلّت محل سابقتها الأصغر، كان يجلس حولها الرماح الثلاثة المتبقون بجانبي، وأعضاء المجلس الخمسة، كلّ في كرسيه المبطّن. وانضم إلينا اليوم في هذا الاجتماع المثير والمليء بالمرح، جايدون، الذي بدا منصرفاً تماماً إلى انتقاء شيء من أذنه اليسرى.

*أوه صحيح، كنت في اجتماع.*

"هل تشعر بخير أيها الجنرال آرثر؟" سأل الملك غلايدر، وكانت تعابيره مكللة بالانزعاج أكثر منها بالقلق.

تحرّكت في مقعدي. "بالطبع."

انخفض خط نظر الملك إلى يدي. تتبّعت نظره، لأدرك أن الريشة التي في يدي قد انكسرت بنصفين من قبضتي.

نحنحت حلقي وواجهت الجميع. "اعتذاري. كنت شارد الذهن للحظة. تفضّلوا بالاستمرار."

"كنّا ننتقل إلى موضوع ما يسمى بـ 'القطار' الذي تخطّطان له أنت و الصائغ جايدون. كنّا نأمل أن تتمكّنا من إطلاعنا على آخر المستجدات"، صرّحت الملكة إيراليث، محوّلة نظرها بيني وبين جايدون الذي كان جالساً على بعد بضعة مقاعد عن يساري.

كنت أنا و جايدون قد ناقشنا في اليوم السابق التفاصيل النهائية للمشروع. كنّا مستعدين للانتقال إلى بناء المركبة فعلياً لتأمين طريق إمداد سريع وآمن من مدينة بلاكبند إلى الجدار.

"آه نعم" – مسّح الصائغ تجعداً على معطف مخبره المتسخ – "ستكون المركبة الأرضية – أعني القطار – قادرة على حمل ما لا يقل عن عشرين ضعف الإمدادات مقارنة باستخدام فرق من العربات كما نفعل الآن."

"ماذا عن المخاطر المحتملة أثناء التنقل بين بلاكبند والجدار؟" سألت فاراي بنظرة استفسارية. "من ما قرأت، يبدو أن لهذا 'القطار' مساراً محدّداً يلتزم به. ألا يجعله هذا هدفاً سهلاً للقطاع الطرق، أو حتى الألاكريين للهجوم والحصار؟"

"أوافق. أتخيّل أنه سيكون من السهل تدمير جزء من السكة التي يعتمد عليها القطار"، أضافت آيا باستخفاف.

"نقطتان جيدتان أيها الجنرالات!"، صاح جايدون. "لقد رأينا أنا والجنرال آرثر أن هذه أيضاً من المزالق، وتوصلّنا إلى حل."

"أوه؟ وما ذاك؟" سأل فيريون بحاجب مرتفع.

أجاب الصائغ بابتسامة ساخرة. "وضعه تحت الأرض أيها القائد!"

ساد صمت لحظة تأمّل فيها الملوك والرماح الحاضرون الحل، قبل أن يتحدّث الملك غلايدر بنبرة خشنة. "تكلفة كل هذا ستكون باهظة، ألا تعتقد؟"

أطلق جايدون سعالاً والتفت إليّ، وعيناه تتوسّلان إليّ عملياً لتولي الأمر. بصفته الصائغ الشهير الذي هو عليه، كان جايدون يمتلك الثروة والنفوذ لبناء معظم الاختراعات التي يرغب بها، لكن حساب التكلفة والربح الفعليين لبناء شيء بهذا الحجم كان غريباً عليه.

لحسن الحظ، وبعد قراءة العديد من الكتب في الاقتصاد وتلقّي التعليم الشخصي من قائد المجلس الذكي والموهوب في عالمي السابق، مارلورن، كان لديّ الجواب. "أنت تفكر في الأمر بطريقة خاطئة أيها الملك غلايدر. قد تبدو التكاليف المقدّمة كثيرة، لكن هذا المشروع يخدم في حل ثلاث مشاكل في آن واحد."

"أنا مصغٍ"، ردّ بحاجب مرتفع بينما مال الجميع قليلاً إلى الأمام.

أخذت نفساً وجمعت أفكاري. "بصرف النظر عن المشكلة الرئيسية التي نحاول حلها، وهي طريقة أكثر كفاءة لنقل الإمدادات للجنود المتمركزين في الجدار، فإن بناء القطار يساعد في حل مشكلتين جانبيتين. الأولى هي الارتفاع الضار في تكلفة شراء وحوش المانا المستأنسة بسبب الحالة التي عليها وحوش الأدغال حالياً، والأخرى هي تزايد الفقر."

"تزايد الفقر؟ أي هراء هذا"، بادر بايرون. "بسبب الحرب، الأعمال التجارية مزدهرة!"

"دع الجنرال آرثر يُنهي كلامه!"، قطعت الملكة غلايدر بحدة، مما فاجأني.

"شكراً لك"، خاطبت والدة كاثلين قبل أن أواصل. "لا أقصد أن أبدو قاسياً، لكن ازدهار الأعمال يفيد في الغالب أصحاب الأعمال والزبائن ذوي المهارات العالية، وليس مواطني الطبقات الدنيا. الملكة غلايدر، أتخيّل أن تقاريرك من مختلف المدن تذكر تزايد أعمال الشغب بسبب زيادة الضرائب وأسعار السلع الأساسية نتيجة الطلب من الحرب، أليس كذلك؟"

قلّبت عدة صفحات من الكومة المرتّبة من الأوراق أمامها. "كيف عرفت... ذلك؟"

كان شرح كل شيء مرهقاً، لذا اكتفيت بهزّ كتفيّ. "سبب ونتيجة بسيطان. هذه الحرب تأخذ الأولوية على كل شيء آخر، مما يعني أن الأولويات ستعطى للأشخاص الذين هم جزء من هذه الحرب. أما بالنسبة لمن ليسوا جزءاً منها، فهذا يعني ببساطة زيادة في تكلفة المعيشة بينما قد لا تزيد أجورهم بالضرورة. أكثر من ذلك، وبسبب الهجمات المختلفة بالقرب من السواحل والحدود، لم يعد الصيادون قادرين على الصيد ودمرت الأراضي الزراعية."

"وبذلك تقول إن هذا المشروع سيكون وسيلة لخلق وظائف لهؤلاء الأشخاص؟"، أنهى الملك إيراليث.

أومأت. "هذا المسار تحت الأرض باستخدام القطار سيكون مشروعاً كبيراً لا يمكن إنجازه بمجرد بضعة سحرة ترابيين مهرة. وبينما سيكون السحرة ضروريين لأمن السكك في مواقع محدّدة مسبقاً، هناك الكثير من المهام التي يمكن للعمّال العاديين القيام بها أثناء عملية البناء والصيانة."

"تلك نقاط جيدة أيها الجنرال آرثر، لكن ماذا عن استخدام العبيد فقط؟"، جادل الملك غلايدر. "ألن يكون أكثر كفاءة وفعالية من حيث التكلفة أن يقوم العبيد بالعمل بدلاً من دفع أجور للعمّال؟"

بدلاً من الإجابة، ألقيت نظرة على فيريون. كان أحد المواضيع العديدة التي ناقشناها يتعلق بالعبودية، وكان سؤال بلين الآن يندرج ضمن أحد التفسيرات التي قدّمتها للقائد.

"للعمل بالسخرة حدوده مع ازدياد مهارة العمل أيها الملك غلايدر. لا أظن أنه ينبغي لنا أن نفكر في مشروع القطار هذا كمغامرة لمرة واحدة، بل كبداية لعصر جديد. لقد وفّر إدخال المحرك البخاري خط عمل جديد للعمّال لم يكونوا بحاجة للسحر. وهذا أيضاً، سواء كان العمّال الذين يبنون السكك فعلياً أو المصممون الذين يخطّطون للطرق من مدينة إلى أخرى، كلها تتطلب مهارات لن تنبع أبداً مما يُجبر العبد على فعله"، صرّح بثقة.

سادت قاعة الاجتماعات صمت للمرة الأولى منذ ما بدا ساعات، حتى ارتفعت يد بكمّ أبيض.

التفت الجميع إلى جايدون، الذي كان مائلاً رأسه على إحدى يديه رافعاً الأخرى. "لم أعرف ما إذا كان من المناسب التحدّث في هذا الصمت غير المريح. على أي حال، أردت فقط أن أقول إن هذا المشروع سيكون بالفعل بداية للكثيرين، وسيكون أرضاً خصبة لتعزيز مجموعات المهارات الجديدة. إن أمكن، أفضل ألا أعمل مع عبيد مُجبرين على التواجد هناك لأنهم سيقومون بلا شك بالحد الأدنى المطلوب، مما سيؤثر على إنتاجية هذا المشروع العاجل إلى حد ما."

بهذا انتهى النقاش، وأدلى الجميع بأصواتهم بشكل مجهول على قطعة من الورق. وبعد مراجعة النتائج، شعرت بالارتياح لأن ساعات النقاش حول القضية لم تذهب سدى. تمّت الموافقة على مشروع بناء الطريق تحت الأرض والقطار، إلى جانب عدة سياسات متعلقة بالمشروع – إحداها تضمّنت حظر عمل العبيد. وثقت بـ جايدون، الذي سيكون رئيساً لهذا المشروع، في قدرته على إدارة سلسلة القيادة بشكل صحيح، بحيث يتمكن الأشخاص العاملون في هذا المشروع من العمل – إن لم يكن قيادة – مشروع خط القطار التالي.

كان من المثير للاهتمام رؤية عصر جديد لم يكن موجوداً إلا في الكتب المدرسية في عالمي القديم يتكشّف هنا. هذه 'الثورة الصناعية' التي ربما بدأت بإدخالي للمحرك البخاري، تم تسريعها بلا شك بسبب الحرب مع ألاكريا.

وبينما لن أكون أبداً من يؤيد الحرب، كان عليّ أن أعترف أنها جلبت بعض الجوانب الإيجابية إلى الداولة.

---

"يبدو أن 'محادثاتنا' الصغيرة تؤتي ثمارها"، ضحك فيريون بينما كنّا نسير في ممر ضيق لا يتسع لأكثر من ثلاثة أشخاص مصطفّين. تبِعنا حارسان مدرّعان عن كثب بينما كان أحدهما يتقدّم الطريق ببضع خطوات أمامنا.

"تقصد محاضراتي الثاقبة عن الحرب والاقتصاد؟"، صحّحت.

"أوه اصمت. أنا أعتبر ذلك ثمناً لإيوائي لك بينما كنت طفلاً صغيراً لأكثر من ثلاث سنوات"، ردّ الجانّي العجوز.

هززت كتفيّ. "لا أمانع. أنا متأكد أنك كنت ستصل إلى استنتاج مماثل بشأن استخدام عمل العبيد على أي حال."

"ربما ليس بفصاحة ما طرحته في الاجتماع على أي حال"، اعترف فيريون. "لقد حظر الجانّ الرقّ منذ أكثر من مئة عام الآن، لكن كان لأسباب أخلاقية. لم أفكر في الفوائد الاقتصادية له حتى أشرت إليها الأسبوع الماضي."

"حسناً، في عالم منقسم أساساً بين أناس يستطيعون استخدام السحر وأناس لا يستطيعون، من الصعب أن ترى ما وراء الكثير من الأشياء"، قلت بينما واصلنا مسيرنا في الممر الهابط.

"كأنك تتحدث وكأنك كنت في عالم غير منقسم بين مستخدمي السحر والناس العاديين"، مازح فيريون.

رددت بابتسامة لم تبلغ عينيّ، مفضّلاً بعض الصمت الذي استمر حتى وصلنا إلى باب معدني سميك لم يكن أمامه سوى حارس واحد.

كان الجانّي الشاب – واضح من أذنيه الطويلتين البارزتين من شعره القصير – صغير البنية لكنه ممشوق العضلات المرنة التي كانت محمية بأقل قدر من الدروع. استطعت أن أميّز من هالته الصفراء الغنية أنه، مثلي، أي شكل من الدروع السميكة سيعيق أكثر مما يحمي. كان للحارس المتمركز سيفان قصيران غير مزخرفين ينحنيان عند الطرف متدليان عند خصره، على عكس الرماح الباذخة للجنود التابعين لنا، لكن حتى من نظرة عابرة، استطعت أن أقول إنه سيمحو بسهولة الجنود الثلاثة الذين 'يحموننا'.

تألّقت عيناه اللتان كانتا زجاجيتين من الملل عندما رصد فيريون وأنا. "مساء الخير أيها القائد فيريون و... الجنرال آرثر. أم أن الصباح قد حلّ بالفعل؟ اعتذاري، فلا نوافذ هنا لأعرف."

"لم يمض وقت طويل يا ألبلد"، ردّ فيريون بابتسامة مازحة قبل أن يلتفت إليّ. "آرثر. هذا هو ألبلد تشافر من آل تشافر. عائلته كانت عائلة عسكرية قوية خدمت عائلة إيراليث لأجيال. ألبلد، أنا متأكد أنك سمعت من هو آرثر لين."

"قيل لي إنه قد يصبح الوريث الجديد لعائلة إيراليث"، قال ألبلد وعيناه الثاقبتان تتلألآن باهتمام.

أطلقت سعالاً، مُرسلاً نظرة حادّة إلى فيريون. "وريث جديد؟"

"حسناً كما ترى أيها الجنرال آرثر، عندما لا يكون للعائلة المالكة ابن، فإن الرجل الذي يتزوّج من –"

رفعت يدي. "فهمت."

"لطالما أردت أن ألقى الجنرال الشاب شخصياً، لكني كنت عالقاً – مباركاً بالواجب الأسمى لحراسة هذا الباب"، قال مشيراً إلى الباب المعدني السميك. "خمّنت أنك أنت القادم إلى هنا، لكن من الصعب تصديق أنك أكثر إهاباً مما تخيّلت."

ملت رأسي. "أنا متأكد أنني كنت أكتم حضور."

"عائلة تشافر معروفة بحواسها الحادة المخيفة"، أوضح فيريون.

"ما الذي يفعله هنا إذاً؟"، استفسرت، في إشارة إلى الجانّي الذي لم يكن أكبر منّي بكثير. "مهاراتك ستكون أكثر ملاءمة للميدان، أليس كذلك؟"

"كان ألبلد في وحوش الأدغال حتى خالف أمراً مباشراً من قائده"، تنهّد فيريون. "عادةً، كان ذلك لينتهي بتخفيض رتبته وبعض العقوبات الصارمة، لكني أعرف الفتى وكنت في المشهد بالصدفة، فأخذته ووضعته هنا."

"وامتناني لهذه اللفتة لا حدود له كالبحر الشمالي!"، أشرق ألبلد وهو ينحني بانحناءة عميقة.

تمتم الجنود خلفنا ببضع كلمات استنكار لكنهم توقفوا عندما اخترقت نظرة ألبلد قلوبهم.

"على أي حال، يكفي عن هذا المشاغب"، قال فيريون بجفاف. "ألبلد، افتح لنا الباب واغلقه بعدنا."

"حاضر أيها القائد!"، حيّا الجانّي قبل أن يفتح الباب ويسحبه.

انقضّت على أنفي رائحة عفنة كريهة ممزوجة برائحة التعفن فور فتح مدخل الزنزانة.

"تمتعوا بإقامة سعيدة جميعاً"، قال ألبلد مشيراً لنا إلى الداخل كمرشد سياحي.

أدار فيريون عينيّه وتمتم بشيء عن إخبار والد ألبلد بينما تبع الجندي المتقدّم. كان من المسلّي رؤية ألبلد يتصلّب ويشحب بعد أن سمع عن والده.

من المدهش، أن المستوى الأول من الزنزانة لم يكن سيئاً كما تذكرته عندما جئت إلى هنا أول مرة بعد الحادثة في زيروس. كانت المنطقة مضاءة نسبياً بزنازين واسعة بدت خالية منذ فترة. لولا الجدران الحجرية الغامضة التي تمنع التحكم بالمانا، ولو كانت للزنازين أبواب بدلاً من قضبان معدنية معزّزة، لبدا الأمر وكأن مصمّمي هذه القلعة كسِلوا بعد وصولهم إلى هذه المنطقة وقرروا تسميتها زنزانة فقط.

ومع ذلك، كان نقص التهوية خانقاً، وبينما كانت الزنازين فارغة في الغالب، بدا أيضاً أنها لم تُنظّف منذ زمن طويل.

"هل تستحضر بعض الذكريات غير السارة؟" سأل فيريون، راصداً إياي وأنا أتأمّل الزنزانة التي حُبست فيها بالضبط.

"نوعاً ما. كنت أفكر كم هو مضحك أنني عدت للتو من اجتماع مع الرجل الذي تآمر مع الغرايساندرز و فريترا لقتلي"، شرحت متجاهلاً النظرات الحذرة للجنود حولنا.

أصبح صوت فيريون جاداً. "لو كان الأمر متروكاً لتقديري الشخصي، لكنت حبستهم بنفسي، لكن اللورد ألدير كان محقاً في أننا نحتاج إلى الغلايدر. كان الغرايساندرز دائماً سيطرة ضعيفة على مملكتهم، لكن الغلايدر محترمون – بل ومبجّلون تقريباً من قبل جميع البشر. ستكون سابين في فوضى إذا علموا بما حدث. ليس شيئاً نحتاجه لهذه الحرب."

أومأت. "بالحديث عن ذلك، أين ذلك الحاكم ذو العيون الثلاثة على أي حال. لم يُظهر نفسه حتى بعد ما حدث مع راهدياس و أولفريد."

"حاكم ثلاثي العيون... هل بسبب رحلتك إلى إيفيوتيس أصبحت غير مبالٍ بالحكام إلى هذه الدرجة؟" أطلق فيريون ضحكة. "وأنا لم أتمكن من التواصل مع اللورد ألدير عبر أثر الاتصال الذي أعطاني إياه."

"هذا ليس جيداً"، تنهّدت وبدأت أمشي مجدداً إلى أقصى نهاية الزنزانة. "سنتحدث أكثر عن ذلك لاحقاً."

"موافق"، ردّ فيريون بجدية، متبعاً عن كثب.

شقّقنا طريقنا إلى نهاية الطابق حيث تم تعديل زنزانتين لتصبحا غرفة واحدة كبيرة فسيحة. كان للزنزانة سرير كبير مغطى بالدمى المحشوة وأريكة مع طقم شاي مزخرف موضوع على داولة صغيرة أمامها. وكانت تجلس حالياً على الأريكة فتاة صغيرة تغفو أثناء قراءة كتاب.

أشرت للجندي المتقدّم بفتح الزنزانة ودخلت. "مرحباً ميكا. آسف لتأخري في زيارتك."

وضعت الرمح كتابها ومدّت ساقيها وذراعيها النحيفتين. "مرحباً آرثر."

تحدثنا قليلاً بينما انتظر فيريون والحراس على الجانب الآخر من البوابة المغلقة. كان تعبير الجانّي العجوز كئيباً، بلا شك يشعر بالذنب لحبسها هنا بينما لا تزال التحقيقات جارية.

بسبب منصبها وحقيقة أن كلاً من أولفريد و راهدياس قد خانهما ديكاثين، كان لا بد من فحص الأمر بأقصى تدقيق قبل السماح لها بحريتها.

تحدثت أنا والرمح القزمة عن أمور غير مهمة بينما كنت أطلعه على تقدّم تدريبي. حاولت أن تعطيني بعض النصائح حول سحر الجاذبية، لكني واجهت صعوبة في متابعة تفسيراتها غير المفهومة.

"لا ينبغي أن يطول الوقت حتى يجمع الفريق الذي أرسله فيريون أدلة كافية"، عزّيت.

أطلقت ميكا ابتسامة. "ميكا تعرف. لا تقلق بشأني وافعل ما عليك فعله. ميكا لا تلوم أحداً سوى ذلك العجوز الحقير راهدياس."

"حسناً، سأخبرك الآن أن زنزانته ليست لطيفة مثل زنزانتك"، ضحكت.

أومأت. "أخرج ميكا قريباً، حسناً؟ أن تكون وحيداً هنا دون أن تتمكن من استخدام السحر ممل جداً."

"بالطبع"، وعدت، معانقة إياها قبل أن أخرج من الزنزانة.

لوّحت مرة أخرى قبل أن أتبع فيريون والحراس إلى الباب الخفي في نهاية القاعة.

"مستعد؟" سأل فيريون، وتعبيره كئيب.

"لننهِ هذا الأمر."

ظننت أن رائحة المستوى الأول من الزنزانة كانت سيئة، لكن المستوى الأدنى كان مقيئاً.

شعرت بمعدتي تتمرد على الرائحة اللاذعة والمعدنية للمواد الكيميائية والدم. مكبحاً الرغبة المتزايدة في التقيؤ، تبعت فيريون إلى أسفل الدرج المظلم حتى وصلنا إلى منطقة صغيرة تؤوي أخطر المجرمين. فوجئت بأنني استطيع استخدام السحر بالداخل، لكن بفحص الجدران والخزائن المغلقة في الغرفة، كنت متأكداً تماماً أن استخدام السحر كان محدوداً فقط بالممر الصغير بين الزنازين.

استقبلنا رجل ضخم مرتديًا مئزراً ملطخاً بالدماء ووجهه مغطى بقناع أسود، برفقة رجل عجوز نحيف منحني الظهر وأنف معقوف.

"القائد. الجنرال. نحن مشرّفون بوجودكم هنا"، تحدّث الرجل العجوز بصوت صرير.

"جينتري"، ردّ فيريون. "اقد بنا إلى راهدياس أولاً."

نظر إليّ الشيخ بعدم يقين لكنه ردّ بهسيس. "بأمرك"، خشخش الشيخ.

تبعنا الرجل العجوز وهو يتلوى بطريقة تشبه الثعبان إلى زنزانة صغيرة على يسارنا وأشار بانحناءة. "ها هو المجرم."

على الرغم من كونه راعي إيليا وأبوه الروحي الأساسي، لم يكن لدي سوى القليل من المودة تجاه الخائن، لكن حتى أنا وجدت صعوبة في القول بثقة إنه يستحق أن يكون في الحالة التي هو عليها الآن.

كانت الزنزانة مظلمة وغطّت الظلال معظم إصاباته، لكن استطعت أن أميّز من الجروح وبقع الدم على جسده العاري تماماً أنه تعذيب مستمر. كانت يداه المقيدتان إلى الكرسي الذي كان يجلس عليه ملطختين بالدماء عند الأطراف.

*أظافره نُزعت*، لاحظت محدقاً.

أكثر من الإصابات الجسدية، ما أقشعرّ بدني كان تعبير راهدياس الفارغ. كانت عيناه ضبابية وخيط من اللعاب يسيل من زاوية فمه.

"آه، 'حالته' الحالية هي من الآثار الجانبية لاستجوابي"، قال الرجل العجوز، ملاحظاً نظري.

"جينتري متخصّص في سحر الريح والصوت لخلق هلوسات للاستجواب"، أوضح فيريون.

في أوقات كهذه، كنت أفكر في الوظيفة الحقيقية للسحر. تماماً مثل التكنولوجيا، يمكن استخدام السحر بسهولة للتدمير كما يمكن استخدامه لخلق شيء عظيم.

"الخائن قوي. سيستغرق الأمر مزيداً من الوقت لكسر شكيمته، أخشى"، صرّح جينتري بمرارة.

"من الضروري أن نكتشف ما يعرفه"، ردّ فيريون بحدة، مُرسلاً نظرة ازدراء إلى راهدياس قبل أن يلتفت إلى الرجل العجوز. "الآن، ماذا عن الحاشية؟"

"آه، نعم. إنه عينة رائعة جداً. جلده سميك جداً حتى مع عدم قدرته على استخدام السحر، وقوة إرادة صلبة. أشعر أننا اقتربنا من كسره. إبقاؤه في الخزنة الصغيرة بحيث تكون حركته محدودة قد جعله يفقد صوابه"، قال الرجل العجوز ببهجة.

أرسل فيريون نظرة استنكار إلى جينتري لكنه لم يقل شيئاً.

بعد أن أطلق سعالاً، أشار جينتري إلى مساعده الضخم ليفتح الخزنة السميكة التي كانت محفورة عليها رموز في كل شبر من الصندوق الذي بدا أشبه بتابوت لطفل. "رجاءً كونوا حذرين أيها القائد، الجنرال. بينما ستبقي الخزنة فريترا عن استخدام السحر، لا يزال قوياً جداً وهو في حالة ذهنية مضطربة حالياً."

صرير الخزنة وهي تفتح، ووجدت نفسي تائه النظرات مع أوتو الأشعث مرتدياً ملابس تقييد. نظرة واحدة كانت كافية لتخبرني أنه بعيد كل البعد عن الانهيار.

انطلق الحاشي بابتسامة عريضة وأرسل لي غمزة. "مرحباً أيها *الجرو*."

2026/08/06 · 0 مشاهدة · 2714 كلمة
ZEUS
نادي الروايات - 2026