[ تر بترجمة زيوس، قناتي تليجرام لنشر احدث اخبار هذه الرواية ومواعد تنزيل فصولها: @mn38k ]

________________________________________

---

تصبّبت قطرات من العرق على جانبي وجهي وأنا أرفع ساقي الخلفية بحذر وأقدمها ببطء إلى الأمام. لقد تعلّمت المشي وأعدت تعلّمه على مدى عمرين كاملين، لكن هذه الخطوة الواحدة استلزمت تركيزاً يفوق حتى أعقد التعويذات متعددة العناصر التي أتقنتها باستخدام المانا.

تسارعت نبضات قلبي بحماسةٍ بينما واصلت مسارات الأثير ثباتها وقوّتها، تزوّدني بمعلومات محدّثة وفق موقعي الجديد.

تهيّأت لخطوة أخرى حين نقرة على كتفي قطعت تركيزي. تشابكت تيّارات البنفسج المتشابكة وتشوّهت، مرسلةً إليّ وابلاً من المعلومات الفوضوية كسكّين ملتهب يضغط على داخل جمجمتي.

“آه!” ارتديتُ متألّماً، لكن شعور خسارة تتابعي كان أكثر إيلاماً.

“كنت في خطوتي الثالثة والعشرين!” تأوّهت بإحباط إلى ‘ثلاث خطوات’.

شخرت معلمتي ساخرة وتحدّثت بلغتها قبل أن تمدّ مخلبها.

ضغطت براحتي على دفئ مخلبها باستسلام، تاركاً إيّاها تستقبل ذكرياتي.

“من الطفولي أن تغضب منّي لأنّك لم تستطع الحفاظ على تركيزك. فضلاً عن ذلك، النهار يوشك على الانتهاء، وينبغي أن يكون أفراد قبيلتي قد عادوا من رحلتهم.”

أطلقتُ زفرةً تجمّعت كسحابة من الضباب حول رأسي، ثم أومأت برأسي.

ابتسمت ‘ثلاث خطوات’ ابتسامةً مكشوفة عن ناب حادّ قبل أن تختفي بخطوة ظلّ. نظرتُ إلى الأسفل فرأيتها على صخرة رقيقة تشبه الأنف على بُعد بضعة ياردات أسفل قمّة الجبل الواسعة التي كنّا نتمرّن عليها.

أشعلت ‘الخطوة الإلهية’ مجدّداً. في لحظة التركيز تلك، شعرت بحضور ريجيس المستنزف داخلي. لقد ظلّ صامتاً مهما ناديته. وعندما حاولت إخراجه، شعرت بنواتي الأثيرية تثبّته في داخلي، تاركةً لي خيار الصبر فقط.

ركّزت حواسّي على تيّارات الأثير التي اشتعلت من حولي، فظهرت بجانب ‘ثلاث خطوات’ مع فرقعة كهرباء أثيرية.

من دون توقّف، اختفت معلمتي مجدّداً، متحوّلةً إلى شبح مظلم قبل أن تظهر على بُعد ياردات أخرى تحتي، قرب قاعدة وادٍ متعرّج.

كان كلانا قد صعد هذا الجبل المعيّن باستخدام قدرات النقل فقط. شاركتني ‘ثلاث خطوات’ بأنّ كثيراً من الجبال المحيطة بالقرية هي نوع من ميادين العقبات التي تستخدمها ‘المخالب الظلية’ للتمرّن.

وبالنظر إلى الصعوبة التي واجهتها في استخدام ‘الخطوة الإلهية’ لتسلّق الحافات الضيّقة والقِمَم الوعرة المؤدّية إلى أعلى هذا الجبل، رفضت تصديق أنّ هذه كانت إحدى الدورات الأسهل.

واصلت اتّباع ‘ثلاث خطوات’ إلى أسفل الجبل، وأنفاسي تتكاثف كضباب أمامي وعرقي يترك أثراً بارداً على وجهي وظهري.

ومع كل المجهولات في حياتي التي تثقل ذهني دوماً، فإنّ التركيز فقط على التمرين جعلني أشعر... بتحكّم أكبر. وبوجود معلمة تساعدني على التقدّم، لم يكن الأمر محبطاً كقتل نفسي مراراً وتكراراً لرؤية نتائج فعلية.

لم أرغب في الاعتراف، لكنّني كنت أستمتع بوقتي للمرّة الأولى منذ تدريبي في القلعة الطائرة.

ومضت في ذهني ذكريات تعلّم السحر العنصري من بوند، وكاثلين، وهيستر، وكاموس في القلعة. لقد كان وقتاً ممتعاً. كنت أنا وكاثلين نستمتع بالاستماع إلى شكاوى وثرثرة الشيوخ، ولا أذكر أنّ تعلّم السحر كان ممتعاً أكثر من ذلك.

في ذلك الوقت، كنّا في حالة حرب، نعم، لكنّ الأمل كان لا يزال قائماً بأن ننتصر. وكان والدي لا يزال معي.

وكانت سيلفي لا تزال معي...

كانت ‘ثلاث خطوات’ تنتظرني على نتوء مسطّح تخفيه أشجار مكلّلة بالثلج، تحدّق بي بعبوسة خفيفة.

من الأمور التي لاحظتها باكراً هي مدى فرط تعاطف ‘ثلاث خطوات’. أخبرتني أنّ ذلك يعود إلى طريقة تواصل ‘المخالب الظلية’ باستخدام الذكريات، مما يمنح حساسية أعمق ليس فقط للمشاهد المتشاركة بين أفراد القبيلة، بل أيضاً للعواطف التي تتبعها.

عندما لم أبادل مخالبها فوراً، تعمّق عبوسها ومدّت ذراعها أقرب إليّ.

هززت رأسي، غير راغب في مشاركة تلك الذكريات الخاصة.

بدت ‘ثلاث خطوات’ وكأنّها ستضغط في الأمر، لكن صرخة طائر عالٍ فوقنا جعلتها تجفل وتنحني في وضعية انكماش. حدّقت إلى الأعلى، محاولةً رؤية ما وراء الغيوم.

تبعتُ نظرتها، غير مستعدّ لردّ فعلها المبالغ فيه. إنّه مجرد نعيق طائر—

جسم أسود لطائر بحجم إنسان، بمنقار على شكل رمح، انغمس تحت سطح الغيوم البيضاء. دار مرّة واحدة حول قمّة الجبل، ثم ارتفع مجدّداً إلى البحر الأبيض واختفى.

“منقار رمح”، قلتُ، أكثر لنفسي منه لـ’ثلاث خطوات’. التفتّ بعيداً عن السماء، فوجدتها ملتصقة تقريباً بالأرض، وفراؤها على رقبتها وظهرها منتصباً، وأنيابها مكشوفة في هسهسة صامتة.

نقرت برفق على ذراع معلمتي وأشرت إلى كهف ضحل في وجه الجبل.

بعد لحظة، توجهنا إلى الكهف، رغم أنّ ‘ثلاث خطوات’ لم ترفع نظرها عن السماء.

واقفين وظهورنا مسطّحة على جدار التجويف الضحل في جانب الجبل، لم أستطع إلا التساؤل عن زيارة ‘منقار الرمح’. ما الذي يجلب فرداً وحيداً من قبيلتهم إلى قرية ‘المخالب الظلية’؟ ربما كشاف يبحث عن كايرا وأنا، أو ربما عن ‘سريع الأمان’ فقط.

بينما كنت أحدّق في ‘منقار الرمح’ وهو ينساب صعوداً وهبوطاً بين الغيوم، راودتني فكرة. أدركت أنّها قد تكون فرصة ضئيلة، لكنّني كنت محظوظاً بما يكفي لتلقّي ترحيب حارّ من قبيلتيهما. إذا استطعت تقديم ولو قدر ضئيل من الوساطة، فقد يسهّل علينا استعادة قطع قوس البوابة.

ومع ما يمكن كسبه أكثر ممّا يمكن خسارته، أمسكت بمخلب ‘ثلاث خطوات’ وأرسلت لها صورة ‘سريع الأمان’ وهو ينقذنا ويقودنا إلى قريتهم، وترحيبهم بنا، وإطعامنا. قدّمت فقط مقتطفات من حديثنا مع ‘الشيخ المنقار المكسور’، إذ لم أرغب في إزعاجها.

سحبت ‘ثلاث خطوات’ مخلبها بعيداً عني بدهشة، محدّقة بي بحيرة، أو ربما بقلق. كانت وجوه ‘المخالب الظلية’ السِنّورية لا تزال صعبة القراءة بالنسبة لي.

“لا بأس”، قلت بهدوء، مكوّراً ابتسامة ودّية لها ومدّدت يديّ مجدّداً.

أردت مشاركة المزيد من الذكريات، اللحظات التي قضيتها مع ‘سريع الأمان’ في رحلتنا من قرية ‘منقار الرمح’، لكن قبل أن أتمكن من إرسالها، بدأت أتلقّى واحدة بدلاً من ذلك.

~

فيها، كنت مجدّداً مع ‘راكب الرمح’. كنّا أكبر سنّاً قليلاً من ذي قبل، وحدثت هذه الذاكرة في أعالي الجبال. كان يركض، يعدو على الصخر المغطّى بالثلج، ومن المشاعر التي شعرت بها من خلال عيني ‘ثلاث خطوات’ وأنا أنظر إلى ظهره، عرفت أنّ علاقتهما كانت تتجاوز بكثير مجرّد صداقة.

“أسرع، يا راكب الرمح!” صرخت بينما كان ‘راكب الرمح’ يطارد قارضاً بديناً بحجم جذعه.

“ما فائدة خطواتك الثلاث إذا استغرقت وقتاً طويلاً لإعادة الشحن!” ردّ بهدرٍ مازح قبل أن يبرق جسده.

خطا ‘راكب الرمح’ خطوة ظلّ في مسار القارض مباشرةً، مما أفزعه، لكن بينما كان يهوي بمخالبه الأثيرية على فريستنا، انغمس الخلد تحت الثلج وظهر على بُعد ياردات خلفه.

أطلقتُ عويلاً من الضحك بينما كان رفيق حياتي يصرخ بإحباط.

كنّا نطارد هذا الخلد الثلجي منذ ساعة، آملين في إعادته إلى القرية وإقامة وليمة. كان من النادر رؤية أحد هذه الوحوش المنعزلة، والأندر منه الإمساك بواحد، إذ يمكنه الحفر في الثلج أسرع من اقتراب أي ‘مخلب ظلي’. على عكس أقرانه، استمرّ هذا الخلد في الظهور بدلاً من الاختباء عميقاً في الثلج، مما أعطانا فرصة.

“يجب تعليم هذا القارض الجسور ألا يكون بهذا الوقاحة”، هسهس ‘راكب الرمح’ وهو يعدو خلفه، معي خلفه عن قرب.

“سمعتُ قصصاً عن قدرة هذه الوحوش على إطعام قرية بأكملها مرّتين بسبب قدرتها على تصغير أو تكبير أجسادها”، صرختُ، والإثارة تخفق في قلبي. “تخيّل كم سيكون ‘نائم في الثلج’ فخوراً إذا أحضرنا واحداً!”

نظر ‘راكب الرمح’ إلى الخلف بابتسامة متلهّفة. “ربما نسمح لنا أخيراً بالتدرب كروّاد مسالك!”

فكرة أن أصبح أحد الباحثين عن الإجابات المرموقين، المسافرين بعيداً عن أمان القرية أملاً في اكتشاف الأسرار، جعلت قلبي يخفق بقوة أكبر.

ممتلئاً بالعزيمة، خطوتُ خطوة ظلّ في منتصف العدو خلف القارض الأبيض البدين. حينها لاحظت أنّه كان يمضغ شيئاً وهو يهرول.

أدّت لحظة تشتتي إلى انغمار القارض في الثلج مجدّداً وظهوره على حافّة وادٍ.

ومض ظلّ، ورأيت ‘راكب الرمح’ يقفز من حافّة الوادي ويخطو خطوة ظلّ إلى داخله ويختفي عن الأنظار.

“راكب الرمح! انت—”

ارتعشت أذناي عند سماع صوت ارتطام حادّ رطب وهمسة ألم من الأسفل، بالكاد مسموعة في صمت المشهد الثلجي. ثمّ دوّى صرخة حرب ‘منقار الرمح’ المروّعة عبر جدران الوادي.

تشوّشت رؤيتي مع تدفّق الدم إلى رأسي. خطوتُ خطوة ظلّ إلى حافّة الوادي حيث وجدت ‘منقار رمح’ فوق رفيقي.

من دون تردّد، خطوتُ خطوة ظلّ مجدّداً فوق الطائر النحيف المتمركز فوق ‘راكب الرمح’ مع مخالبي ممدودتين، لكن شيئاً ما ومض في زاوية عيني.

استدرت، رافعةً مخالبي في الوقت المناسب لصدّ منقار ‘منقار رمح’ الثاني الحادّ الموجّه مباشرةً إلى حلقي.

تشبثت مخالبي بالأرض وانزلقت إلى التوقّف قبل أن أقع من على حافّة الصخرة، التي كانت عالية على جانب الوادي.

حينها لاحظت أثر الدم الذي تركته. خطّان أحمران رسما في الثلج بقدميّ، لكنّه لم يكن دمي. رغم الخطر الذي كنت فيه، تتبّعت نظري الأثر القرمزي ببطء، حتى وجدت نفسي أنظر إلى ‘راكب الرمح’.

كان فرو رفيقي الشاحب أحمر بالدم الذي لا يزال يتجمّع تحته، عيناه الجوفاوان مفتوحتان بصدمة وألم.

انطلق عويل من حلقي بينما اجتاحني الأسى والحزن كعاصفة ثلجية، ورغم استنزاف سحر الخالق من جسدي، جمعت ما تبقّى لأشحذ وأطيل مخالبي.

حينها لاحظت.

كان ‘منقارا الرمح’، كلاهما أسودان كليلة عاصفة، مندمجين مع الظلّ المغطّي علينا، وتحت مخالب ‘منقار الرمح’ الثاني كان القارض الذي استخدموه لإغرائنا، وخيط أبيض رفيع مربوط حول عنقه.

دمعت عيناي غضباً وأنا أندفع للأمام، ألعن نفسي لأنّني أهدرت خطوة ظلّي الثالثة سابقاً للحاق بالقارض.

تقدّم ‘منقار الرمح’ الذي حاول قتلي إلى الأمام وواجه مخالبي بوابل من الطعنات بمنقاره، مجبراً إيّاي على اتّخاذ موقف دفاعي. تصدّيت وتراجعت، حذراً من الانزلاق على الثلج الذائب تحتي، لكن تركيزي تراجع عندما بدأ ‘منقار الرمح’ الآخر يمزق شريحة من لحم رفيقي. أخذ وقته في ابتلاع اللحم، وعيناه مثبّتان عليّ، وكأنّه يسخر منّي.

استمرّ المخلوق الحقير، العدو الأبدي لقومي، في النقر وتمزيق قطع من ‘راكب الرمح’، مطلقاً نعيقاً مبتهجاً بينما كنت أكافح للدفاع عن نفسي.

فجأةً، انطفأت الذاكرة، تلتها فوضى من ذكريات أخرى، عن مواجهات مع ‘منقار الرمح’، وعن تعابير الخوف والكراهية والأسى من قبيلة ‘المخالب الظلية’.

وبسرعة ما أتت الرغبة في مساعدة هاتين القبيلتين على الالتئام... تلاشت تلك الرغبة.

لم أكن متأكداً مما إذا كان العداء بين القبائل المختلفة من صنع الجِن أو نتيجة لعصور من التنافس والحرب والنزاع، لكن مداواة مثل هذه الجروح القديمة ستكون عمل أعمار، وليس مهمّة بعد ظهر يمكنني إنجازها في طريقي.

للمرّة الأولى، تمايلت بعد الخروج من ذكريات ‘ثلاث خطوات’، ومشاعرها لا تزال عالقة بي وتؤثر فيّ.

تبادلنا أنا وهي نظرة طويلة، وحتى من دون نطق كلمة واحدة، عرفت من تعبير ‘ثلاث خطوات’ أنّني تجاوزت وقت ضيافتي.

~

كان توتر ملموس يلتصق بالهواء عند وصولنا إلى القرية، وكان واضحاً أن تجمّع ‘المخالب الظلية’ بالقرب من مدخل القرية له علاقة بذلك. كانت ‘ثلاث خطوات’ تمسح الحشد بنظرها، واضحة القلق.

لم أدرك ما يجري إلا حين رأيت كايرا. كان نصلها مسلولاً، وعيناها هادئتان وقاتلتان، لكنّها بقيت في وضعية محايدة، غير راغبة في الضرب.

تقدّمت لمساعدتها لكن ‘ثلاث خطوات’ أوقفتني. أطلقت بعض المواءات الخافتة ومدّت مخلبها.

تراوحت نظراتي بين معلمتي وكايرا قبل أن أقبل دعوتها بفارغ الصبر.

“لا أرغب في معركة، لكن إذا أردت مساعدتي، سأحتاج إلى معرفة الحقيقة كلّها.”

وبأيدينا متلاصقة، أرسلت لها ذاكرة كمين ‘المخالب الظلية’، من لحظة انفجار أوّلهم من الثلج وقتلهم ‘سريع الأمان’، وصولاً إلى تدمير كايرا للأجساد وصياغتنا لخطّة الدخول إلى قريتهم.

طوال الرؤية، شعرت بـ’ثلاث خطوات’ تجفل بعيداً عني، لكنّها لم تقطع الاتصال، مما سمح لي بإكمال الإرسال. أنهيت بإعادة عرض اكتشافنا للبوابة المكسورة، وإعطاء ‘القبضات الأربع’ المسنّ لنا قطعتها، ومحادثتي مع كايرا حول ضرورة جمع كل قطع البوابة لمغادرة هذه المنطقة.

عندما قطعنا الاتصال، حاولت استشعار مشاعر ‘ثلاث خطوات’، لكن وجهها السِنّوري كان غامضاً.

اللعنة. لا وقت لديّ لهذا.

تهيّأت لتقبّل حقيقة أن ‘ثلاث خطوات’ لن تساعدنا، وكنت على وشك استخدام ‘الخطوة الإلهية’ للوقوف بجانب كايرا عندما مرّت ‘ثلاث خطوات’ بجانبي وظهرت بين تجمّع أفراد قبيلتها وكايرا.

باتّباعي لها، وقفت بجانب النبيلة الألاكريانية، التي ارتاح تعبيرها أخيراً حين رأتني. “أنت هنا.”

“آسف لتأخري”، تمتمت، وعيناي مثبّتان على ‘المخلبين الظليين’ المألوفين يقودان المجموعة.

تمكّنت من تمييز هدر ‘السن الأيسر’ العدواني ونظراته المتجهة نحوي وإلى كايرا، بينما أطلق حتى ‘نائم في الثلج’ الهادئ زئيراً حكيماً. كان الغضب والخوف واضحين بين أفراد القبيلة، لكن ردّ فعل المجموعة تغيّر عندما تحدّثت ‘ثلاث خطوات’.

“من الصعب تقييم الموقف هنا من دون معرفة ما يقولونه”، قالت كايرا بهدوء. “هل تعرف ما يجري؟”

هززت رأسي. “لا أعرف على وجه اليقين، لكني أعتقد أنّ الكشّافين الذين غادروا باكراً ربما وجدوا آثار معركتنا مع أفراد قبيلتهم.”

رغم أني لم أفهم كلماتها، كان نبرة ‘ثلاث خطوات’ مستوية وحازمة. لكن مع استمرارها في الكلام، تشوّهت وجوه بعض ‘المخالب الظلية’ بتعابير عدم تصديق.

‘السن الأيسر’ على وجه الخصوص أصبح أكثر غضباً، نافخاً صدره وناظراً إليّ باحتقار، والأثير يتذبذب بشكل غير منتظم حوله.

انتهت المحادثة بـ’ثلاث خطوات’ وهي تلوّح بذراعها في الهواء وتشير خلفها بهدر. ثم التفتت إلينا وأشارت لنا باتّباعها.

تبادلت أنا وكايرا نظرة حذرة وبدأنا في اتّباع معلمتي السِنّورية نحو كوخها عندما ومض ظلّ باتّجاهنا.

انطلق ‘السن الأيسر’ واثنان من أعوانه بجوار رفيقتي وانقضوا نحوي، ومخالبه الأثيرية المسنّنة تطنّ بشكل مشؤوم.

ارتطمت قدمي بركلة أمامية لكنّه خطا خطوة ظلّ في اللحظة الأخيرة. كنت مستعداً لهذا، ورؤيتي تدور بمسارات أثيرية، تزوّدني بالطريق الذي سلكه ‘السن الأيسر’. دفعت بمرفقي إلى الخلف، مصيباً جانب رأسه ومصرعه أرضاً.

تمكّنت كايرا من صدّ مخالب ‘المخلب الظلي’ الثاني المخرّشة، وأمسكت بالثالث في منتصف نقله وصفعته بالأرض. انفجر الألم من ربلة ساقي، والتويت بعيداً عن مخالب ‘السن الأيسر’ بينما انسحب بعيداً.

ريجيس! الآن سيكون وقتاً رائعاً لتكون مفيداً، صرخت، مستجيباً فقط بالصمت.

تحوّل انزعاجي إلى غضب بينما كانت كايرا تكافح لإبقاء ‘المخلب الظلي’ الآخر بعيداً دون إصابته بجروح بالغة.

أطلق ‘السن الأيسر’ هدراً، وتمددت مخالبه وشوّهت الهواء من حولها قبل أن يختفي شكله في خطوة ظلّ أخرى. وبمجرد ظهوره أمامي، استخدمت ‘الخطوة الإلهية’ أيضاً. دار رأس ‘المخلب الظلي’ المتعجرف يميناً ويساراً بينما وقفت خلفه.

ماسحاً ساقيه من تحته، أمسكت بجانب رأسه وصفعت ‘السن الأيسر’ وجهاً لوجه على الأرض الثلجية.

تخبّطت ذراعا ‘المخلب الظلي’، مخالبه تخدش الهواء بيأس، لكني أمسكته بقوة، وأصابعي على وشك سحق رأسه.

“غرِه!”

درت رأسي لأرى أنها ‘ثلاث خطوات’ التي نادت اسمي. عيناها المملوءتان غضباً وأسىً اخترقتاني وهي تهزّ رأسها.

حينها لاحظت أنّ سكوناً قد عمّ القرية بأكملها. ولا حتى عويل الريح الخافت كان مسموعاً، وكل الأنظار مركزة عليّ فقط.

“تفّه”. أطلقت قبضتي عن ‘السن الأيسر’ ووقفت، ماسحاً نظري على أفراد القبيلة.

كل من نظرت إليه ارتدّ خوفاً حتى التقت عيناي بـ’ثلاث خطوات’، التي كانت تتجه نحوي.

مدّت ‘ثلاث خطوات’ مخلبها للمرّة الأخيرة، ورأيت رؤية لقطعة البوابة. كانت في الكهوف فوق الشلال، مخبّأة في سرير من الرمل الأسود تحت صخرة متلألئة مكسوّة بالكوارتز.

وقفت هناك مذهولاً، أعيد النظر في الذاكرة مرّة أخرى لأتأكد من أني لن أنسى، حين نقرة خفيفة أعادتني إلى معلمتي. رفعت ‘ثلاث خطوات’ مخلبها الآخر، مسلّمة إيّاي كرة مجوّفة، أصغر قليلاً من كفّي، تصدر خشخشة عند أقلّ حركة.

رأيت الأطفال الأصغر يلعبون بكرات مماثلة، وقد أرتني ‘ثلاث خطوات’ ذاكرة حيث علّمتهم استخدامها. نادراً ما تُثمر الأشجار الصغيرة القاسية في القرية ثمرة كبيرة بما يكفي لتصبح هذه اللعبة. عندما تجفّ الثمرة، تصبح صلبة جداً وتحجز البذرة بداخلها. كان البالغون يقتلعون الساق، تاركين ثقباً أصغر بقليل من البذرة في أعلى الكرة، ويقطعون شقاً رفيعاً في الجانب قبل اكتمال عملية التصلّب.

كانت إحدى الطرق التي تعلّم بها القطط الصغيرة إظهار مخالبها، إذ فقط باستخدام مخلب أثيري يمكنهم سحب البذرة عبر الثقب.

رفعت نظري عن اللعبة، التي عرفت أنها ستكون حاسمة لنموّي، ونظرت إلى ‘ثلاث خطوات’ مجدّداً.

انقبض صدري بينما مرّت ‘ثلاث خطوات’ بجانبي وحملت ‘السن الأيسر’ من دون كلمة أخرى. تبعت نظري وهي تمشي بعيداً نحو أفراد قبيلتها دون أن تلتفت وراءها ولو مرّة.

“حان وقت الرحيل”، قلت أخيراً لكايرا، وأدرت ظهري لمعلمتي أيضاً.

ربما استشعرت النبيلة الألاكريانية مزاجي، فمشت بصمت بجانبي بينما عبرنا القرية باتّجاه الشلال.

كافحت نفسي لأمنع نفسي من النظر إلى الخلف. الندم والذنب يمزّقان أحشائي وأنا أتمنّى لو أستطيع شكر وتوديع المعلمة التي شاركتني وعلّمتني الكثير في الأيام القليلة الماضية.

لكنني عرفت أن واجبها هو لقريتها، وسيكون من الخطأ أن أنتقص الثقة التي تربطها بأفراد قبيلتها بالتصرف بقرب شديد منها. من بين كل المحاكمات في ‘المقابر الأثرية’، كانت هذه المنطقة الأكثر قسوة في طريقة اختبارها للصاعد.

كنت مستعداً لأنتهي منها.

2026/08/25 · 0 مشاهدة · 2464 كلمة
ZEUS
نادي الروايات - 2026