كان الشعور بالانتصار بعد تحرير القافلة قصيراً. كان كل من هاروما وآنيا يعلمان أن هجومهما الجريء لن يمر دون رد. جماعة الكايبا لم تصل إلى قمة الهرم الغذائي في هذا العالم بالتسامح مع مثل هذه الإهانات. كانا قد ألقيا حجراً في عش الدبابير، وكانا بحاجة إلى الاختفاء قبل أن يخرج السرب الغاضب.

“علينا أن نتحرك”، قالت آنيا في صباح اليوم التالي، وعيناها تمسحان الأفق بحذر. “هذا الكهف لم يعد آمناً. سيبحثون عنا”.

لم يجادل هاروما. لقد أصبح يثق في غرائزها تماماً. في غضون ساعة، كانا قد حزما مؤنهما القليلة وأسلحتهما، ومحوا كل أثر لوجودهما في الكهف قدر الإمكان. لم يتركا وراءهما سوى برودة الصخر وذكريات التدريب والمعارك.

انطلقا نحو الغرب، مبتعدين عن المنطقة التي يسيطر عليها الكايبا، متجهين نحو “الأراضي المتغيرة”، وهي منطقة غير مستقرة وجيولوجياً نشطة، حيث تتغير التضاريس باستمرار بسبب الزلازل والانفجارات البركانية. كانت منطقة خطرة، يتجنبها معظم الناس، مما يجعلها المكان المثالي للاختباء.

لكنهما لم يكونا يعلمان أن الأوان كان قد فات. كان هناك ظل يتعقبهما بالفعل.

بعد يومين من مغادرتهما، وصل رجل إلى كهفهما المهجور. لم يكن يشبه المحاربين الصاخبين في جماعة الكايبا. كان نحيلاً، ويرتدي درعاً جلدياً داكناً يمتزج تماماً مع لون الصخور. كانت حركاته صامتة وسلسة، وكأنه جزء من البيئة نفسها. كان هذا سيلاس، “الظل”.

لم يدخل الكهف على الفور. بدلاً من ذلك، أمضى ساعة كاملة يراقب المدخل من مسافة بعيدة، ويدرس المنطقة المحيطة. كان صبوراً كالصخر نفسه. عندما تأكد أخيراً من أن المكان آمن، انزلق إلى الداخل بصمت الشبح.

كانت عيناه، الداكنتان كليلة بلا قمر، تمسحان كل شبر من الكهف. لم يكن يبحث عن أدلة واضحة، بل كان يقرأ القصة التي تركها المكان وراءه. رأى بقعتين للنوم، مما يؤكد وجود شخصين. رأى آثار شحذ السيوف على أحد الجدران، ولاحظ أن أحد الأنماط كان ليد خبيرة، والآخر كان ليد مبتدئ لا يزال يتعلم.

ثم وجد شيئاً غريباً. في زاوية مظلمة، كانت هناك زهرة متوهجة ذابلة، موضوعة بعناية على حجر مسطح. انحنى سيلاس وتفحصها. كان هذا شيئاً لا يتوقع رؤيته في مخبأ محاربين. لم يكن له أي غرض عملي. كان شيئاً عاطفياً. هذا الشذوذ أثار اهتمامه أكثر من أي سلاح أو درع.

خرج من الكهف، وبدأ في تتبع آثارهما. بالنسبة للمتتبع العادي، كانت الآثار قد اختفت، محتها الرياح والغبار. لكن سيلاس لم يكن متتبعاً عادياً. كان يرى ما لا يراه الآخرون. كان يرى الحجر الصغير الذي تم إزاحته، والغصن المكسور لشجيرة شوكية، والنمط الخفي الذي تركه مرورهما في الغبار. لم يكن يتبع خطواتهما بقدر ما كان يتبع الصدى الذي تركاه في العالم.

في هذه الأثناء، كان هاروما وآنيا يشعران بشيء غريب. كان شعوراً مزعجاً في مؤخرة العنق، إحساساً بأن هناك عيوناً تراقبهما. لم يكن هناك شيء ملموس، لا صوت، لا حركة في الأفق. لكن الشعور كان موجوداً، كهمهمة منخفضة تحت عتبة السمع.

“هناك شيء ما خطأ”، قالت آنيا فجأة، وتوقفت في منتصف خطوتها. “أشعر بأننا مراقبون”.

توقف هاروما أيضاً، ومسح الأفق بعينيه. لم ير شيئاً. لكنه تعلم أن يثق في غرائز آنيا، التي كانت مصقولة بسنوات من البقاء على قيد الحياة. “ماذا نفعل؟”

“نستمر في التحرك”، قالت. “لكننا سنترك له هدية صغيرة”.

أمضيا نصف ساعة في إعداد فخ بسيط. لم يكن فخاً قاتلاً، بل كان إنذاراً. قاما بربط حبل رفيع مصنوع من ألياف نباتية عبر ممر ضيق، على ارتفاع الكاحل. كان الحبل متصلاً بمجموعة من الحصى الصغيرة الموضوعة بشكل غير مستقر على حافة صخرية. أي شخص يمر عبر الممر سيتعثر بالحبل، مما يؤدي إلى سقوط الحصى وإحداث ضوضاء.

بعد عدة ساعات، وصل سيلاس إلى الممر. توقف قبل أن يدخله، وعيناه تدرسان الظلال والزوايا. رأى الحبل على الفور. كان شبه غير مرئي، وموضوعاً بمهارة. ابتسم ابتسامة نادرة. لقد كانوا يعرفون أنهم مطاردون. وكانوا جيدين.

بدلاً من قطع الحبل، قام ببساطة بالخطو فوقه، وواصل طريقه دون إحداث أي صوت. لم يكن يريدهم أن يعرفوا أنه قد اكتشف فخهم. أرادهم أن يعتقدوا أنهم آمنون، وأن يشعروا بالرضا عن النفس. كان هذا جزءاً من الصيد.

مع حلول الليل، وجد هاروما وآنيا ملجأ مؤقتاً في شق صخري. كانا منهكين، والتوتر الناتج عن الشعور بالمطاردة أرهقهما أكثر من السير نفسه.

“لم يحدث شيء”، قال هاروما. “ربما كنا نتخيل الأمر”.

“لا”، قالت آنيا بحزم. “إنه هناك. وهو جيد جداً. فخنا لم يصدر صوتاً، وهذا يعني أنه رآه وتجنبه. نحن لا نتعامل مع صياد عادي”.

زاد هذا من قلق هاروما. كانوا يواجهون عدواً لا يمكنهم رؤيته، عدواً يعرف كل تحركاتهم، ويلعب معهم لعبة القط والفأر.

على بعد كيلومتر واحد، كان سيلاس يجلس على قمة تل، يراقبهما من خلال منظار صغير. رأى نارهما الصغيرة، ورأى صورتيهما الظليتين وهما يتحدثان. لم يكن في عجلة من أمره. كانت أوامر كايتو واضحة: المراقبة والفهم. كان يستمتع بهذه المطاردة. كانت هذه الفريسة أكثر إثارة للاهتمام من أي شيء واجهه منذ وقت طويل.

كان الظل يراقب. كانت اللعبة قد بدأت للتو. لم تعد مجرد مسألة قوة أو مهارة، بل أصبحت معركة ذكاء وإرادة. كان هاروما وآنيا يعلمان أنهما في خطر، لكنهما لم يكونا يعرفان مدى قرب هذا الخطر، أو مدى قتله. كان الصياد قد اقترب، وكان ينتظر اللحظة المناسبة للانقضاض.أكدت كلمات آنيا المخيفة أسوأ مخاوف هاروما. لم يكونا يهربان من فرقة بحث عادية، بل كانا مطاردين من قبل صياد خبير، شبح يستمتع باللعبة. أصبح كل يوم صراعاً للأعصاب. كان الشعور بالمراقبة ثابتاً، ضغطاً غير مرئي يثقل كاهلهما. لم يعد بإمكانهما إشعال نار في الليل، وكانا ينامان بالتناوب، أحدهما يراقب بينما الآخر يحصل على قسط متقطع من الراحة.

بدأ مطاردهما يترك لهما رسائل. لم تكن رسائل مكتوبة، بل كانت علامات صغيرة ومقلقة. في أحد الأيام، وجدا فأراً صحراوياً ميتاً، تم طعنه بسكين بنفس الطريقة التي علمته آنيا أن يقتل بها. وفي يوم آخر، وجدا كومة صغيرة من الحجارة مرتبة بنفس الطريقة التي كانا يرتبان بها مخيمهما. كانت هذه رسائل واضحة: “أنا أراكم. أنا أعرفكم. أنا أستطيع الوصول إليكم في أي وقت”.

كانت هذه الحرب النفسية ترهق هاروما. كان الخوف المستمر ينهك قواه أكثر من أي تدريب جسدي. لكنه رأى شيئاً مختلفاً في آنيا. لم تكن خائفة، بل كانت غاضبة. كان هذا الاقتحام لمساحتها، هذا الاستهزاء بمهاراتها، إهانة شخصية لها.

“هذا سيلاس”، قالت في إحدى الليالي، وصوتها بارد كجليد. “لا أحد آخر في جماعة الكايبا لديه هذا الصبر وهذه الغطرسة. إنه كلب صيد كايتو المفضل”.

“ماذا نفعل؟” سأل هاروما. “لا يمكننا الاستمرار في الهرب هكذا. سيلاحقنا حتى ننهار من الإرهاق”.

“أنت على حق”، أجابت آنيا، وعيناها تلمعان بضوء خطير في الظلام. “الهرب لم يعد خياراً. لقد كان يلعب معنا، والآن حان دورنا لنلعب. لا يمكنك الهروب من ظل. لكن يمكنك أن تجبره على الخروج إلى النور”.

“تقصدين… أننا سنصطاده؟” سأل هاروما، وشعر بمزيج من الخوف والإثارة.

“سوف نحاول”، قالت آنيا. “لكن لا يمكننا مواجهته في العراء. إنه يعرف هذه الأراضي أفضل منا. نحن بحاجة إلى تغيير ساحة المعركة. نحن بحاجة إلى مكان تكون فيه مهاراته في التتبع عديمة الفائدة”.

جلس هاروما يفكر، وعقله يعمل بسرعة. كان يراجع الخرائط الذهنية التي رسمها للمناطق المحيطة. الهرب غرباً نحو الأراضي المتغيرة هو ما يتوقعه سيلاس. كان هذا هو الطريق المنطقي للهاربين. لذلك، كان عليهم أن يفعلوا العكس.

“سنعود أدراجنا”، قال هاروما فجأة. “سنتجه شرقاً، نحو منطقة تسمى “متاهة الصدى””.

نظرت إليه آنيا بدهشة. كانت متاهة الصدى عبارة عن شبكة معقدة من الأخاديد الضيقة والجدران الصخرية الشاهقة، معروفة بصوتياتها الغريبة. كانت الرياح تعوي عبرها، وتخلق أصداءً مشوهة، مما يجعل من المستحيل تحديد مصدر أي صوت. كان مكاناً خطيراً ومربكاً، يتجنبه حتى الصيادون المتمرسون.

“إنه يتوقع منا أن نهرب من الخطر”، شرح هاروما. “لن يتوقع أبداً أن نتجه مباشرة نحوه. في تلك المتاهة، قدرته على التحرك بصمت لن تفيده، لأن المتاهة نفسها مليئة بالضوضاء الخادعة. حاسة السمع لديه ستكون عديمة الفائدة، تماماً مثل حاسة السمع لدينا. هذا سيجعلنا متساوين”.

ظهرت ابتسامة بطيئة على وجه آنيا. كانت الخطة مجنونة، لكنها كانت منطقية. كانت خطة شخص يفكر كاستراتيجي، وليس كهارب.

“جيد”، قالت. “هذه هي خطتنا. لكن علينا أن نجعله يتبعنا إلى هناك”.

انتظروا حتى هبت إحدى عواصف الغبار المتكررة التي تجتاح الأراضي القاحلة. تحت غطاء الرياح العاتية والغبار الأحمر الذي حجب الرؤية، بدأوا في تنفيذ خطتهم. تحركوا غرباً لعدة كيلومترات، تاركين وراءهم آثاراً واضحة ومبالغاً فيها، آثار شخصين منهكين ويهربان بشكل يائس. ثم، عندما كانت العاصفة في أوجها، انعطفوا فجأة، ومحوا آثارهم قدر الإمكان، وبدأوا رحلتهم الطويلة والمضنية شرقاً نحو متاهة الصدى.

بعد يومين، وصل سيلاس إلى المكان الذي تركوا فيه آثارهم المزيفة. رأى المسار الواضح الذي يتجه غرباً، وابتسم. لقد كانوا يائسين، ويرتكبون أخطاء. كان يعتقد أن المطاردة تقترب من نهايتها. بدأ يتبع المسار المزيف، مستمتعاً باللحظات الأخيرة من اللعبة.

في هذه الأثناء، كان هاروما وآنيا قد وصلا إلى مدخل متاهة الصدى. كانت تبدو كجرح هائل في جسد الكوكب، مدخل مظلم يعد بالارتباك والضياع. كان الهواء الذي يخرج منه بارداً، ويحمل معه أصواتاً غريبة، همسات وأنين كأرواح معذبة.

“بمجرد أن ندخل، لن يكون هناك عودة”، قالت آنيا، وهي تنظر إلى الظلام.

“أعلم”، قال هاروما، وسيفه في يده. “نحن لم نعد الفريسة. نحن الصيادون الآن”.

دخلا إلى المتاهة، وابتلعهما الظلام. لم يعودا يهربان. كانا الآن يضعان فخاً. في مكان ما خلفهم، كان الظل يتبع مساراً خاطئاً، لكنه سيدرك خطأه قريباً. وعندما يفعل، سيأتي للبحث عنهما. سيأتي إلى ساحة معركتهما التي اختاراها. في قلب هذه المتاهة الصوتية، كانا ينتظران، يستمعان ليس لخطوات مطاردهما، بل للصمت الذي سيسبق هجومهما. لقد انقلبت الطاولة. وبدأت لعبة الظلال الحقيقية.

2026/02/07 · 10 مشاهدة · 1456 كلمة
FOF
نادي الروايات - 2026