كانت متاهة الصدى مكاناً صُمم من قبل الطبيعة لإثارة الجنون. لم تكن الممرات مجرد شبكة معقدة من الصخور، بل كانت فخاً صوتياً. كانت الرياح التي تهب عبر القنوات الضيقة تحمل معها أصواتاً من على بعد كيلومترات، وتشوهها، وتكررها، وتطلقها من اتجاهات غير متوقعة. كان بإمكانك سماع حجر يسقط على يمينك، بينما كان في الواقع قد سقط على يسارك قبل دقيقة. كان الصمت هو العدو الحقيقي، لأنه لم يدم طويلاً، وكان دائماً ما يسبق موجة جديدة من الفوضى السمعية.
في قلب هذا الجنون، وجد هاروما وآنيا هدوءاً غريباً. لقد اختارا هذه الفوضى، وتعلما أن يتوقعاها. لم يحاولا فهم الأصوات، بل قبلاها كجزء من البيئة. كانا يجلسان في كهف صغير يطل على تقاطع رئيسي في المتاهة، وينتظران. لم تكن هناك حاجة للكلام. كانت خطتهما واضحة، وكان كل منهما يعرف دوره.
بعد يوم من الانتظار، تغيرت طبيعة الأصوات. وسط الأنين المستمر للريح، كان هناك نمط جديد. نمط خطوات حذرة، متقطعة، خطوات شخص يحاول التحرك بصمت في عالم يصرخ. لقد وصل.
أدرك سيلاس خطأه بعد ساعات قليلة من اتباعه للمسار المزيف. كانت الآثار واضحة جداً، يائسة جداً. لم تكن هذه بصمات المحاربة الشبحية التي سمع عنها. لقد كان فخاً. لم يشعر بالغضب، بل شعر بومضة من الإعجاب. لقد قلل من شأنهم. عاد أدراجه، وتتبع آثارهما الحقيقية بصبر ودقة، حتى وصل إلى مدخل المتاهة المظلم.
توقف عند المدخل، وأغلق عينيه، واستمع. كانت الفوضى الصوتية هائلة. أدرك على الفور لماذا اختاروا هذا المكان. لقد حرموه من أعظم أسلحته: الصمت والتسلل. ابتسم. كانت اللعبة أكثر إثارة مما كان يتوقع.
دخل المتاهة، ليس كصياد يطارد فريسته، بل كخبير متفجرات يعطل قنبلة. كان يتحرك ببطء، وجسده متوتر، وكل حواسه الأخرى في حالة تأهب قصوى. كان يشعر بالاهتزازات الخفيفة في الأرض من خلال باطن قدميه، ويشم التغيرات الطفيفة في تيارات الهواء.
بدأ هاروما وآنيا لعبتهما. تحرك هاروما إلى ممر موازٍ لمسار سيلاس، وألقى حجراً صغيراً في وادٍ عميق. تردد صوت الارتطام وتضخم، وبدا وكأنه قادم من كل مكان في وقت واحد. تجمد سيلاس في مكانه، ورأسه يميل قليلاً، وهو يحاول تحليل الصوت. في تلك اللحظة، تحركت آنيا من الجانب الآخر، سريعة وصامتة، وظهرت خلفه للحظة قبل أن تختفي مرة أخرى في الظل. لم تهاجم. كانت مجرد رسالة: “نحن نراك أيضاً”.
استمرت هذه اللعبة لساعات. كان هاروما هو مصدر الضوضاء، المايسترو الذي يقود سيمفونية الفوضى. كان يلقي الحجارة، ويخدش الصخور، ويهمس بكلمات لا معنى لها، مستخدماً معرفته بالصوتيات لخلق جيش من الأشباح الصوتية. في هذه الأثناء، كانت آنيا هي الشبح الحقيقي، تظهر وتختفي في رؤيته المحيطية، وتجعله يشك في كل ظل.
كان سيلاس محترفاً. لم يصبه الذعر. كان يتجاهل معظم الأصوات، ويركز فقط على تلك التي لا تتناسب مع النمط الطبيعي للمتاهة. كان يعلم أنهما يحاولان استدراجه إلى فخ، وكان يتقدم ببطء، محولاً نفسه إلى طعم، ومنتظراً أن يرتكبوا خطأ.
جاء الخطأ من هاروما. في محاولة منه لخلق صدى معقد بشكل خاص، انحنى كثيراً فوق حافة، وانزلقت قدمه. لم يسقط، لكنه أحدث ضوضاء غير متوقعة، صوت احتكاك حذاء بالصخر، صوت كان حقيقياً جداً، ومختلفاً عن الضوضاء المصطنعة التي كان يصدرها. كان ذلك كل ما يحتاجه سيلاس.
في جزء من الثانية، تحرك سيلاس. لم يتجه نحو الصوت، بل نحو المكان الذي كان يجب أن يكون فيه هاروما ليصدر مثل هذا الصوت. انطلق عبر ممر ضيق، سريعاً كالأفعى. فوجئ هاروما بسرعة رد فعله. لم يكن لديه وقت للرد. ظهر سيلاس أمامه فجأة، وسكينه في يده، وعيناه باردتان وقاتلتان.
لكن هذا كان أيضاً جزءاً من الخطة. كان هاروما هو الطعم، وكان خطأه متعمداً. بينما كان سيلاس يركز كل انتباهه على هاروما، انزلقت آنيا من شق صخري فوقه، صامتة كقطرة مطر. لم يكن لديها وقت لهجوم معقد. لقد قامت بحركة واحدة، بسيطة وقاتلة.
هبطت على ظهره، ولفّت ذراعها حول رقبته، بينما غرزت أحد سيفيها المعقوفين في فخذه. لم تكن طعنة قاتلة، بل كانت طعنة لشل حركته. صرخ سيلاس من الألم والمفاجأة، وفقد قبضته على سكينه وهو يحاول التخلص منها.
في تلك اللحظة، هاجم هاروما. لم يتردد. اندفع إلى الأمام، ليس بسيفه، بل بجسده، واصطدم بسيلاس بكل قوته، مما أدى إلى سقوط كليهما على الأرض. تدحرج بعيداً، والتقط سيفه، ووقف في وضعية دفاعية، وهو يلهث.
نهضت آنيا برشاقة، ووقفت فوق سيلاس الجريح، وسيفها الآخر على رقبته. كان سيلاس ينظر إليها، وعيناه تحترقان من الغضب والإذلال. لقد هُزم. لقد وقع في فخهم.
“أخبر كايتو”، قالت آنيا، وصوتها هادئ بشكل مرعب. “أننا لسنا مجرد فريسة. وأخبره أننا قادمون من أجله”.
سحبت سيفها من فخذه، وأطلقت صرخة ألم مكتومة من سيلاس. ثم، بحركة سريعة، ضربته بمقبض سيفها على رأسه، مما أفقده الوعي.
وقفا فوق جسده الهامد، يلهثان في صمت المتاهة. لقد نجحا. لقد واجها أفضل صياد في جماعة الكايبا وهزماه. لم يقتلاه. كانت هزيمته وإرساله مرة أخرى إلى سيده رسالة أقوى بكثير من موته.
“علينا أن نغادر الآن”، قال هاروما، والأدرينالين لا يزال يتدفق في عروقه.
أومأت آنيا برأسها. لم يكن هناك وقت للاحتفال. لقد فازا في هذه المعركة، لكنهما أعلنا الحرب للتو. تحركا بسرعة عبر المتاهة، وخرجا من الجانب الآخر، واختفيا مرة أخرى في الأراضي القاحلة. تركا وراءهما ظلاً مهزوماً، ورسالة واضحة ستتردد أصداؤها في جميع أنحاء عالم الدماء. لم يعودا هاربين. لقد أصبحا قوة لا يستهان بها، أسطورة وليدة، شبحين يطاردان الصيادين.كان الصمت في قاعة عرش كايتو أثقل من المعدن الذي بنيت منه القلعة. كان المحاربون، الذين اعتادوا على صخب التدريب والتباهي بقوتهم، يقفون الآن صامتين كالتماثيل، وأعينهم مثبتة على الرجل الذي يركع في وسط القاعة. كان سيلاس، “الظل”، قد عاد. لم يعد كشبح منتصر، بل كرسول مهزوم.
كان يركع على ركبة واحدة، ورأسه منحنٍ، وجرحه في الفخذ قد تم تضميده بشكل خشن. لم يكن هناك أثر للألم الجسدي على وجهه، لكن عار الهزيمة كان يحفر خطوطاً عميقة حول عينيه وفمه. بقي على هذه الحال لدقائق، في صمت مطبق، ينتظر حكم سيده.
كان كايتو يجلس على عرشه، وهو ليس عرشاً من الذهب والمجوهرات، بل كتلة ضخمة من الصخر البركاني الأسود، مصقولة بفعل سنوات من الاستخدام. لم يكن ينظر إلى سيلاس، بل كان يقلب ببطء خنجراً مزخرفاً في يده، وعيناه تتابعان انعكاس ضوء النار على النصل. كان هدوؤه أكثر إثارة للقلق من أي صرخة غضب.
أخيراً، توقف عن تقليب الخنجر، ووجه نظره الباردة نحو متتبعه. “لقد فشلت”، قالها كحقيقة بسيطة، لا كاتهام.
“نعم، سيدي”، أجاب سيلاس، وصوته أجش لكنه ثابت. “لقد خدعوني. استدرجوني إلى فخ”.
“فخ”، ردد كايتو الكلمة، وكأنه يتذوقها. “أنت، الظل الذي لا يترك أثراً، وقعت في فخ نصبه مبتدئ وامرأة شبح؟ أخبرني، كيف كان طعم الهزيمة؟”
“مريراً، سيدي”.
“جيد”، قال كايتو، وظهرت ابتسامته الواثقة مرة أخرى. “المرارة تذكرنا بأننا ما زلنا على قيد الحياة”. وقف من على عرشه، وبدأ يسير ببطء حول سيلاس الراكع، كذئب يدور حول فريسته. “لكنهم لم يقتلوك. تركوك لتعود إلي. لماذا؟”
رفع سيلاس رأسه أخيراً، والتقى بنظرة سيده. “لقد حملوني رسالة لك”.
توقف كايتو أمامه، ورفع حاجبه في ترقب.
“قالوا: أخبر كايتو أننا لسنا مجرد فريسة. وأخبره أننا قادمون من أجله”.
عند سماع هذه الكلمات، انفجر بعض المحاربين في القاعة بالضحك. كانت هذه الجرأة لا يمكن تصورها. شخصان يعلنان الحرب على جماعة الكايبا بأكملها؟ كان الأمر سخيفاً.
لكن كايتو لم يضحك. ظل يحدق في سيلاس، وابتسامته تتسع ببطء. ثم، أطلق ضحكة. لم تكن ضحكة سخرية، بل كانت ضحكة استمتاع حقيقي. ضحكة شخص وجد أخيراً لعبة تستحق اللعب. توقف المحاربون عن الضحك على الفور، ونظروا إلى زعيمهم في ارتباك.
“قادمون من أجلي؟” قال كايتو، وهو يمسح دمعة من زاوية عينه. “يا لهم من طموح! يا لها من روح! لقد مللت من الذئاب والضباع التي تقاتل على الفتات. أخيراً، ظهر صقران في سمائي”.
نظر إلى محاربيه المرتبكين. “أنتم لا تفهمون، أليس كذلك؟ أنتم ترون هذا كإهانة. أنا أراه كهدية. لسنوات، كنت أبحث عن خصم جدير، شخص لا يقاتل من أجل منطقة أو بضع أرواح تافهة، بل يقاتل من أجل فكرة. هؤلاء… هؤلاء يقاتلون من أجل فكرة”.
عاد إلى عرشه وجلس، ونظرته تتجاوز الحاضرين في القاعة، وكأنه يرى ساحة معركة مستقبلية. “هذا الشاب، هاروما. إنه مثير للاهتمام. إنه يجمع القوة، لكنه يتمسك بالرحمة. إنه يحاول أن يكون شيئين في نفس الوقت: قديساً وقاتلاً. هذا التناقض هو مصدر قوة لا يمكن التنبؤ به. أريد أن أرى إلى أي مدى يمكن أن يصل قبل أن يحطمه هذا التناقض، أو أن يتقنه”.
استدار نحو سيلاس، الذي كان لا يزال راكعاً. “انهض يا سيلاس”. نهض سيلاس، ووقف في حالة تأهب. “لقد فشلت في مهمتك، لكنك أحضرت لي معلومات قيمة. لقد أظهرت لي أنهم ليسوا مجرد حشرات يمكن سحقها. إنهم لاعبون جدد على الرقعة”.
“ما هي أوامرك، سيدي؟” سأل سيلاس، حريصاً على استعادة شرفه.
“أوامري؟” ابتسم كايتو. “لقد انتهت المطاردة. الآن تبدأ الحرب. لكنها لن تكون حرباً مباشرة. ستكون حرب ظلال وأفكار. أريد أن أنشر الخبر. أريد أن يعرف الجميع عن هذين الشبحين اللذين تحديا الكايبا. أريد أن يعرف الضعفاء أن هناك أملاً، وأريد أن يعرف الأقوياء أن هناك تهديداً جديداً”.
“لكن يا سيدي، هذا سيمنحهم القوة! سيجعلهم رمزاً!” احتج أحد قادته.
“بالضبط!” صاح كايتو، وعيناه تلمعان بحماس. “وماذا نفعل بالرموز؟ نحطمها! لكننا نحطمها في العلن، ليرى الجميع. لا أريد قتلهما في زقاق مظلم. أريد مواجهتهما في ذروة قوتهما، عندما يكونان محاطين بالأتباع والمؤمنين. أريد أن أسحق أملهما أمام أعين العالم بأسره. هذه هي القوة الحقيقية. ليس فقط هزيمة أعدائك، بل تدمير كل ما يقاتلون من أجله”.
وقف كايتو، ونظر إلى خريطة ضخمة للأراضي القاحلة معلقة على الحائط. “إنهم يعتقدون أنهم يقاتلون من أجل الأمل. سأريهم أن الأمل هو أقسى أنواع السموم. سأتركهم يجمعون أتباعهم، وسأتركهم يفوزون ببعض المعارك الصغيرة. سأدعهم يعتقدون أنهم يغيرون العالم. ثم، عندما يكونون في أوج مجدهم، سأظهر لهم من هو الملك الحقيقي لهذا الجحيم”.
أشار إلى منطقة على الخريطة، مدينة محصنة تقع على مفترق طرق تجاري رئيسي، تعرف باسم “السوق”. “هنا”، قال. “هنا ستكون المواجهة التالية. انشروا الكلمة. جماعة الكايبا ستزيد من وجودها في السوق. سنضغط على التجار، وسنجعل حياة الجميع بائسة. سنجعلهم يتوقون إلى منقذ. ثم، سننتظر وصول أبطالنا”.
لقد ألقى الطعم. لم تكن مواجهة سيلاس مجرد معركة، بل كانت الخطوة الأولى في لعبة شطرنج مميتة. لقد قام هاروما وآنيا بحركتهما، والآن، قام الملك بحركته المضادة. لم تكن حركة هجومية، بل كانت حركة استراتيجية، مصممة لتشكيل ساحة المعركة بأكملها لصالحه. لقد بدأ الغضب الملكي في التحرك، ليس كعاصفة مدمرة، بل كمد بطيء وقاسٍ، يهدف إلى إغراق كل أمل تحت وطأته.