وصلت الأسلحة من “التجار الرحل” في منتصف الليل، محمولة على وحوش سحلية صامتة ومغطاة بقماش خشن. لم تكن أسلحة جديدة لامعة، بل كانت معدات عسكرية مستعملة، لكنها كانت متينة ومصانة جيداً. كانت هناك سيوف طويلة، ورماح، وأقواس، ودروع جلدية مقواة. بالنسبة للمتمردين، الذين كانوا يقاتلون بأسلحة صدئة ومسروقة، كانت هذه الأسلحة كنزاً.

أشرف هاروما وآنيا على توزيع المعدات. كان هناك شعور بالإثارة في الهواء، شعور بالقوة الجديدة. لكن هاروما لم يستطع التخلص من شعور بالقلق. كان يعلم أن هذه الأسلحة تأتي بثمن، ليس فقط الأرواح التي دفعوها، ولكن بثمن الاعتماد على حليف لا يمكن الوثوق به.

“إنهم يسلحوننا جيداً بما يكفي لنكون مشكلة لكايتو، ولكن ليس جيداً بما يكفي لنهزمه بسهولة”، همست آنيا له، وهي تفحص أحد السيوف. “إنهم يريدون إطالة أمد هذا الصراع، والاستفادة من الفوضى”.

“أعلم”، قال هاروما. “لكن في الوقت الحالي، هذه الأسلحة تمنحنا فرصة للقتال. سنستخدمها لتقوية أنفسنا، حتى لا نعود بحاجة إليهم”.

لكن الأسلحة الجديدة جلبت معها مشكلة جديدة. زادت من ثقة المتهورين، وأعطت صوتاً أعلى للمعارضة الداخلية بقيادة جارو. الآن بعد أن أصبح لديهم معدات أفضل، كان جارو وأتباعه يطالبون بالانتقال إلى الهجوم.

“لقد اختبأنا بما فيه الكفاية!” صرخ جارو في اجتماع آخر، وهو يلوح بسيفه الجديد. “كايتو يعتقد أننا جبناء! دعونا نظهر له قوة السوق الحرة! دعونا نهاجم أحد حصونه الصغيرة!”.

كان هاروما يشعر بالإحباط. كان يحاول أن يشرح لهم أن القوة الحقيقية لا تكمن في الهجوم المباشر، بل في بناء قاعدة قوية، وفي كسب دعم الناس. لكن جارو كان يرى هذا حذراً مفرطاً، وجبناً.

“كايتو ليس غبياً يا جارو!” رد هاروما، وصوته حاد أكثر من المعتاد. “أي حصن نهاجمه سيكون فخاً. إنه يريدنا أن نخرج من هذه المدينة، حيث نكون أقوياء، إلى العراء، حيث يمكنه سحقنا بأعداد جنوده المتفوقة”.

“أو ربما أنت خائف فقط من مواجهته!” بصق جارو، وكلماته أصابت هاروما كصفعة. رأى هاروما ومضات من الموافقة في عيون بعض المقاتلين الأصغر سناً. كانت أسطورته، التي بناها بعناية، تتعرض للتهديد من الداخل.

قبل أن يتمكن هاروما من الرد، تدخلت آنيا. تحركت بهدوء لتقف بين الرجلين. لم تقل شيئاً، لكن نظرتها الباردة كانت كافية لإسكات جارو. كان جارو محارباً قوياً، لكنه كان يعرف، مثل أي شخص آخر، أن آنيا كانت في مستوى مختلف تماماً. تراجع جارو، وهو يتمتم بالشتائم، لكن المواجهة انتهت في الوقت الحالي.

“إنه يصبح مشكلة”، قالت آنيا لاحقاً. “إنه يقسم رجالنا. إذا لم نتعامل معه، فسوف يدمرنا من الداخل”.

“لا يمكنني قتله أو نفيه”، قال هاروما، وهو يفرك جبهته. “هذا سيجعلني أبدو كطاغية، تماماً مثل كايتو. سيؤكد كل شكوكهم. يجب أن أجد طريقة لإثبات أنه على خطأ، ولإثبات أن طريقتي هي الصحيحة”.

لكن لم يكن لديه وقت طويل للتفكير في مشاكله الداخلية. وصل تهديد جديد من اتجاه غير متوقع. في أحد الأيام، وجدوا أحد حراسهم مقتولاً عند أحد المداخل السرية لأنفاقهم. لم تكن هناك علامات على وجود قتال. كان الرجل ملقى على الأرض، ووجهه هادئ، لكن جلده كان رمادياً وجافاً، وكأن كل الرطوبة قد امتصت منه. على صدره، كان هناك رمز مرسوم بالرماد: ساعة رملية.

“أبناء الرماد”، همست آنيا، وعيناها تتسعان من القلق. لم تكن تخشى الكثير من الأشياء، لكن هذه الطائفة كانت واحدة منها.

كان “أبناء الرماد” فصيلاً مختلفاً تماماً عن الكايبا أو التجار. لم يكونوا يسعون وراء السلطة أو الثروة. كانوا يعبدون الموت نفسه، أو بالأحرى، “النهاية الحتمية”. كانوا يعتقدون أن هذا العالم، بكل صراعاته ومعاناته، هو مجرد شذوذ يجب تصحيحه. كانوا يؤمنون بأن هدفهم المقدس هو إعادة كل شيء إلى الصمت والعدم. كانوا قتلة صامتين، يعملون في الظل، ويستخدمون تقنيات غريبة ومخيفة لقتل ضحاياهم.

“لماذا هم هنا؟” تساءل هاروما. “نحن لا نشكل تهديداً لهم”.

“أنت مخطئ”، قالت آنيا. “نحن أكبر تهديد لهم. نحن نمثل الأمل. نحن نحاول بناء شيء جديد، بينما هم يريدون تدمير كل شيء. الأمل هو عدوهم الأكبر. إنهم يرون فيك نبياً كاذباً، يعد بالجنة في عالم يجب أن يحترق”.

كان هذا الاكتشاف مرعباً. لم يعودوا يواجهون عدواً واحداً يمكن التنبؤ به، بل عدوين. كايتو، الذي يريد السيطرة على العالم، وأبناء الرماد، الذين يريدون تدميره. كانا قوتين متعارضتين، لكن كلاهما كان يرى في هاروما وحركته عقبة يجب إزالتها.

في الليلة التالية، هاجموا مرة أخرى. هذه المرة، لم يقتلوا حارساً، بل تركوا رسالة أخرى. في وسط مخيم المتمردين، ظهرت دائرة كبيرة من الرماد. وفي وسط الدائرة، كانت هناك زهرة متوهجة ذابلة، تماماً مثل تلك التي تركها هاروما في كهفه القديم، الزهرة التي وجدها سيلاس.

شعر هاروما ببرودة تسري في عموده الفقري. كانت الرسالة واضحة وموجهة إليه شخصياً. “نحن نعرفك. نحن نعرف ماضيك. نحن نعرف نقاط ضعفك”.

كيف عرفوا عن الزهرة؟ هل كان سيلاس يعمل معهم؟ أم أن لديهم جواسيس في كل مكان؟ أصبح الشعور بالخطر محسوساً. لم يعد العدو مجرد جيش في الخارج، بل أصبح شبحاً يمكن أن يكون في أي مكان، حتى بينهم.

زاد هذا الحادث من الانقسامات داخل المجموعة. استخدمه جارو كدليل على أن سياسة هاروما الدفاعية كانت فاشلة. “انظروا!” صرخ. “بينما نحن نختبئ هنا، يتسلل الأعداء بيننا! إذا هاجمنا، على الأقل سنعرف من هو عدونا!”.

كان هاروما محاصراً. كان عليه أن يتعامل مع تهديد خارجي لا يفهمه، وتمرد داخلي يهدد بتمزيق حركته. ذهب إلى آنيا، وشعر باليأس لأول مرة منذ وقت طويل. “ماذا أفعل؟ إنهم جميعاً ينظرون إلي، ويتوقعون مني أن يكون لدي كل الإجابات. لكنني لا أعرف ماذا أفعل”.

نظرت إليه آنيا، ولأول مرة، رأت في عينيها شيئاً يشبه التعاطف. “لست مضطراً لأن يكون لديك كل الإجابات. عليك فقط أن تتخذ قراراً. أي قرار أفضل من عدم اتخاذ أي قرار. أظهر لهم أنك القائد. حتى لو كان القرار خاطئاً، فإنهم سيتبعون القوة، وليس الشك”.

أمضى هاروما الليل كله مستيقظاً، وهو يفكر. كانت كلمات آنيا قاسية، لكنها كانت صحيحة. لم يعد بإمكانه أن يكون الفيلسوف أو الاستراتيجي. كان عليه أن يكون القائد الذي يحتاجون إليه. عند الفجر، جمع كل المتمردين.

وقف أمامهم، وعيناه تحملان تصميماً جديداً. “لقد هاجمنا عدو جديد. عدو يختبئ في الظل، ويستخدم الخوف كسلاح. يريدوننا أن نشك في بعضنا البعض، وأن ندمر أنفسنا. لن نمنحهم هذه المتعة”.

ثم نظر مباشرة إلى جارو. “أنت تريد معركة يا جارو. حسناً، سأعطيك معركة. لكنها لن تكون معركة ضد كايتو. ستكون معركة ضد هؤلاء الأشباح. ستقود فرقة صغيرة، وستقوم بدوريات في الأنفاق والمناطق المحيطة بالسوق. مهمتكم هي العثور على هؤلاء القتلة، وجرهم إلى النور. هل أنت مستعد لهذا التحدي؟”

فوجئ جارو. لقد توقع جدالاً آخر، وليس مهمة. كانت هذه فرصة لإثبات قوته، لكنها كانت أيضاً مهمة خطيرة للغاية. إذا رفض، سيبدو كجبان. إذا قبل، فسيكون تحت قيادة هاروما. بابتسامة عريضة، قبل التحدي. “بالتأكيد. سنصطاد هؤلاء الأشباح”.

كانت خطوة محفوفة بالمخاطر، لكنها كانت خطوة ذكية. لقد أعطى هاروما لجارو ما يريده، لكنه فعل ذلك بشروطه. لقد حوّل أكبر منتقديه إلى أداة، ووجه طاقته التدميرية نحو عدو مشترك. لقد أثبت أنه القائد. لكنه كان يعلم أن هذه مجرد بداية. لقد أرسل أفضل مقاتليه لمواجهة عدو لا يعرفون عنه شيئاً. وكان عليه أن يأمل أن يكون هذا القرار هو القرار الصحيح.

2026/02/07 · 11 مشاهدة · 1084 كلمة
FOF
نادي الروايات - 2026