انطلق جارو وفرقته في الأنفاق المظلمة تحت السوق بحماس متعطش للدماء. كان جارو، المحارب الضخم الذي لا يخشى شيئاً، يرى في هذه المهمة فرصة لإثبات تفوقه. كان يعتقد أن هؤلاء “الأبناء الرماد” مجرد قتلة متسللين، جبناء يخشون المواجهة المباشرة. كان يعتقد أن القوة الغاشمة والسيف الحاد هما الحل لكل المشاكل.
كانت فرقته مكونة من عشرة من أفضل مقاتليه، رجال ونساء يشاركونه نفس العقلية: الهجوم هو أفضل دفاع. كانوا يتحركون بسرعة وثقة عبر الأنفاق، وأصواتهم وخطواتهم تدوي في الممرات الضيقة، متجاهلين تماماً مبادئ التسلل التي حاول هاروما تعليمهم إياها.
لعدة ساعات، لم يجدوا شيئاً. كانت الأنفاق صامتة ومخيفة، ولم يكن هناك سوى صوت تقطير الماء وصرير الحشرات. بدأ الإحباط يتسلل إلى رجال جارو. “لا يوجد شيء هنا!” قال أحدهم. “ربما كانت مجرد خدعة لإبعادنا”.
“اصمت!” صاح جارو. “إنهم هنا. أستطيع أن أشم رائحة خوفهم”. لكن في الحقيقة، كان هو الذي بدأ يشعر بالقلق. كان الصمت والظلام يضغطان على أعصابه.
ثم وجدوا شيئاً. في كهف جانبي صغير، كان هناك جثة أخرى. كانت لأحد المتسولين الذين يعيشون في الأنفاق. كانت الجثة في نفس الحالة المروعة: رمادية وجافة، مع وجود رمز الساعة الرملية الرمادي على صدرها. لكن هذه المرة، كان هناك شيء مختلف. كان القاتل لا يزال هناك.
في أقصى زاوية من الكهف، كان هناك شخص يجلس القرفصاء. كان يرتدي عباءة رمادية ممزقة، وكان وجهه مغطى بظلال غطاء الرأس. لم يتحرك، ولم يصدر أي صوت. كان مجرد شكل مظلم في الظلام.
“وجدناه!” صرخ جارو بابتهاج، ورفع سيفه. “أيها الشبح! حان وقت دفع الحساب!”.
اندفع هو ورجاله إلى داخل الكهف، متوقعين معركة سهلة. لكن الشكل لم يتحرك. انتظر حتى أصبحوا على بعد خطوات قليلة منه. ثم، رفع رأسه ببطء.
لم يكن هناك وجه تحت غطاء الرأس. كان مجرد فراغ مظلم، تتوهج فيه عينان صغيرتان بلون رمادي باهت، كجمرتين تحت الرماد. لم يكن يحمل أي سلاح. رفع يده ببطء، وكانت يداً شاحبة ونحيلة، كيد مومياء.
ضحك جارو. “ما هذا؟ هل ستقاتلنا بيديك العاريتين؟”.
همس الشكل بصوت كان كحفيف أوراق الشجر الجافة. “الحياة وهم. الموت هو الحقيقة. تعالوا، تذوقوا الحقيقة”.
اندفع أقرب مقاتلي جارو نحو الشكل، وسيفه مرفوع ليقطع رأسه. لكنه لم يصل. قبل أن يصل سيفه إلى هدفه، توقف المقاتل فجأة في منتصف خطوته. اتسعت عيناه في رعب وصدمة. بدأ يرتجف بعنف، ثم بدأ يصرخ. كانت صرخة لم يسمعها جارو من قبل، صرخة ألم ورعب مطلق.
شاهدوا في رعب كيف بدأ جسد الرجل يذبل. أصبح جلده شاحباً، ثم رمادياً. ظهرت التجاعيد على وجهه الشاب، وتحول شعره إلى اللون الأبيض. كان يشيخ بسرعة مرعبة أمام أعينهم. في غضون ثوانٍ، تحول إلى جثة جافة وهشة، ثم انهار على الأرض كومة من الغبار والملابس.
تجمد المقاتلون الآخرون في مكانهم، مصدومين من هذا المشهد المروع. لم تكن هذه مبارزة، بل كانت قوة من عالم آخر، سحر أسود لم يروه من قبل.
“ما… ما هذا بحق الجحيم؟” تلعثم أحد رجال جارو.
“إنه ساحر! اقتلوه من بعيد!” صرخ جارو، وهو يتغلب على صدمته الأولية. حمل اثنان من رجاله أقواسهما وأطلقا السهام على الشكل. لكن السهام مرت عبره وكأنه لم يكن هناك، واصطدمت بالجدار الحجري خلفه.
“الأسلحة المادية لا تؤذي الفراغ”، همس الشكل، وهو يتقدم خطوة نحوهم. “فقط الأرواح هي التي تهم”.
أصيب المقاتلون بالذعر. بدأوا في التراجع، والتعثر ببعضهم البعض في الكهف الضيق. لكن الشكل كان يتحرك الآن، ليس بسرعة، بل بثبات لا هوادة فيه. كلما اقترب، كانوا يشعرون ببرودة غريبة، برودة تمتص الدفء ليس فقط من الهواء، ولكن من أجسادهم، من أرواحهم.
صرخ مقاتل آخر وسقط على ركبتيه، وهو يلهث، ووجهه يتشوه من الألم. كان يعاني من نفس المصير المروع. كان جارو، المحارب الذي لم يعرف الخوف، يشعر بالخوف لأول مرة في حياته. كان هذا عدواً لا يمكن لسيوفه وقوته أن تؤذيه. كان يواجه الموت نفسه.